00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  الوزارة‮ ..‬هل ستكون بمستوى التحديات؟‮    ‬3

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

الوزارة‮ ..‬هل ستكون بمستوى التحديات؟‮    ‬3


ملف نفتحه أمام المعنيين بالشأن الثقافي

قاسم حسين صالح

تناولنا في‮ ‬الحلقة الأولى عرضا تاريخيا مركزا للثقافة في‮ ‬العراق،وكيف كانت بغداد قبلة العالم في‮ ‬العلم والثقافة،وكيف اصبحت الثقافة فيها بعد التغيير،وخصصنا الثانية للعقد النفسية المصابة بها وزارة الثقافة وأخطرها‮ (‬الحول العقلي‮).‬
في‮ ‬الثالثة هذه نستكمل ما تواجهه وزارة الثقافة من تحديات،واعادة التذكير بأن السياسيين‮ ‬يعدّون وزارة الثقافة‮ ‬غير سيادية فيما نعدّها نحن المعنيين بعلم النفس والاجتماع السياسي‮ ‬اهم من وزارات سيادية،لأنها هي‮ ‬المسؤولة عن بناء الانسان وتشكيله فكريا واخلاقيا وسلوكيا وسياسيا،وهي‮ ‬أداة التنوير والمحرّك‮ ‬غير المنظور(داينمو‮) ‬لتقدم المجتمع،ولأن دور المثقفين في‮ ‬توجهات المجتمع اقوى من دور السياسيين،غير انهم لن‮ ‬يستطيعوا تحقيق ذلك ما لم تكن حاضنتهم‮..‬وزارة الثقافة‮..‬قد نظّفت نفسها من ثقافات متخلفة وارتقت لمستوى طموحهم،وما لم‮ ‬يكن على رأسها مفكر ومعرفي‮ ‬انسكلوبيدي‮ ‬وأديب من طراز رفيع‮. ‬بعد‮ (‬الحول العقلي‮) ‬الذي‮ ‬تعاني‮ ‬منه الوزارة،نخصص هذه الحلقة لأخطر عقدتين ابتليت بهما الثقافة العراقية بعد التغيير‮:‬
‮ ‬2‮.‬تقديس الشخصيات‮: ‬كل ثقافة تقدّس شخصية‮ (‬غير الأنبياء والرسل‮) ‬تكون خطرة على المجتمع،‮ ‬لأن‮ (‬التقديس‮) ‬يحرّم او‮ ‬يمنع النقد وان كان حقا،ويشلّ‮ ‬عقول الناس،‮ ‬ويعطّل لديهم دافع التغيير،ويحول البسطاء الى قطيع‮ ‬يرضون بالواقع وان كان بائسا،بل‮ (‬ويحمدون الله ويشكرونه‮) ‬عليه‮!‬
وسيكولوجيا،يعمل اللاوعي‮ ‬الجمعي‮ ‬على اشاعة ثقافة تقديس الشخصيات وصناعة البطل الاستثنائي‮ ‬والقائد الأوحد،وتفضي‮ ‬بالضرورة الى صنع الدكتاتور،عبر أهازيج‮  ‬وطقوس تظاهرات وترديد شعارات تثير انفعالات التوحّد بالبطل وتأليه القائد.والعراقيون،هم من أكثر شعوب العالم استخداما للشعارات التي‮ ‬تمجد رئيس الدولة.ففي‮ ‬العصر الجمهوري‮(‬1958وما بعده‮) ‬رفعت الجماهير مئات الشعارات لقادة كانوا متناقضين في‮ ‬صفاتهم وادارتهم لشؤون الناس والوطن،بدءا من عبد الكريم قاسم مرورا بصدام حسين وصولا الى السيد مقتدى الصدر(السيد القائد‮)‬،وقبله من اطلقوا عليه لقب(مختار العصر‮!) ‬الذي‮ ‬اشاع ثقافة‮ (‬صارت عدنه وما ننطيها‮)‬،وحول الفساد من ثقافة مجتمعية كانت تعدّه خزيا الى ثقافة شطارة،وتنظيره ان الديمقراطية لا تعني‮ ‬محاسبة الفاسد والسارق‮!..‬وثقافة الوهم والأيهام لثمان سنوات‮..‬فهل ستتمكن وزارة الثقافة من اشاعة قدسية الفكر والتنوير الثقافي‮ ‬في‮ ‬زمن حكم احزاب الاسلام السياسي؟ ان الاجابة‮ ‬غالبا ما تكون(لا ليس بمستطاعها‮)..‬ف التركة ثقيلة وقد توالى على امورها‮  ‬متعصبون‮ ‬،محاصصون،متخلفون بينهم من كان في‮ ‬سلك الشرطة‮!.‬لكننا نرى انها تستطيع ان تخرج وزارة الثقافة من سكة الدوغماتية الى سكة التنوير حين تستقطب مفكرين ومثقفين من داخل العراق وخارجه،وحين‮ ‬يكون القرار من صنع الوزير لا بأمر من اتى به،وحين‮ ‬يحيط الوزير نفسه بمستشارين مستقلين‮ ‬يقولون له الحقيقة لا ما‮ ‬يحب ان‮ ‬يسمعه‮.‬
‮ ‬3‮.‬احياء الضمير الأخلاقي
ان افدح كوارثنا الاخلاقية والاجتماعية هو ما حصل‮ (‬للضمير العراقي‮)‬في‮ ‬السنوات الاربعين الأخيرة.ولنتفق بدءا على تحديد مفهوم الضمير فهنالك من‮ ‬يصفه بـ(القاضي‮) ‬الذي‮ ‬يحاسبنا على اخطائنا،ومن‮ ‬يصفه بـ(الحارس‮) ‬او‮ (‬الرادع‮) ‬الذي‮ ‬يردعنا حين نهمّ‮ ‬القيام بفعل‮ ‬غير اخلاقي،او‮ (‬الرقيب‮) ‬على السلوك قبل وعند وبعد الشروع بأي‮ ‬عمل،فيما‮ ‬يصفه آخرون بان الضمير هو الصدق والايمان‮.‬
ونحن نحكم على الاشخاص بقولنا‮ (‬عنده ضمير)ان كان ذا اخلاق،و‮( ‬ضميره ميت‮ ) ‬ان كان عديم الأخلاق‮..‬ما‮ ‬يعني‮ ‬ان كل واحد منّا هو منظومة من القيم الأخلاقية،وأن الضمير هو‮ (‬رئيس)هذه المنظومة‮..‬وان هذا الرئيس هو الذي‮ ‬يحدد أهداف الفرد ونوعية تصرفاته مع الآخرين،فان كانت مطابقة لقيم واخلاق المجتمع الذي‮ ‬يعيش فيه‮..‬قال عنه الناس‮ (‬صاحب ضمير‮) ‬وان خالفها قالوا عنه(ضمير سز‮).‬
الضمير‮..‬هو السيد القائد
نرى نحن المعنيين بعلم النفس والاجتماع السياسي‮ ‬أن الضمير هو القوة الفاعلة والمؤثرة في‮ ‬السلوك والمواقف والإتجاهات والانفعالات،وانه حين‮ ‬يخفت او‮ ‬يغيب صوته‮ ‬يسود في‮ ‬المجتمع قانون الغابة وينقسم الى جماعتين:اقلية قوية تمتلك السلطة والثروة ووسائل الاستبداد تمارسها بضمير قاس متحجر ميت،واكثرية فقراء وضعفاء ومغلوب على امرهم تضطرهم الى السكوت عن الحق،والاذعان وممارسة السرقة والغش والحيلة‮..‬بضمير‮ ‬يبرر ممارسة الرذيلة بطريقة‮ (‬الضرورات تبيح المحظورات‮)..‬بمن فيهم مثقفون‮ ‬يزينون صورة السلطة والسلطان‮.‬
اعداء الضمير
وتشير الدراسات الاجتماعية عبر التاريخ الى ان‮  ‬ألد ثلاثة أعداء للضمير هي‮:‬الحروب والظلم والكراهية‮..‬والكارثة انها تجسدت في‮ ‬العراق بأبعد مدياتها‮..‬ووجهت ضربات موجعة الى الضمير الفردي‮ ‬والجمعي‮ ‬ايضا.فمعروف عن ان افدح الاضرار الاجتماعية للحرب الطويلة انها تحدث تخلخلا في‮ ‬المنظومات القيمية للأفراد وتضعف الضمير عند كثيرين وتهرؤه عند آخرين‮..‬وتدخله في‮ ‬غيبوبة عند اغلبية‮..‬فكيف بالعراقيين الذين خبروا ثلاثة حروب كارثية على مدى ثلاثا وثلاثين سنة‮..‬ورابعة مع الارهاب ما تزال مستمرة‮! ‬،وتعرضهم الى ظلم اقتصادي‮ ‬واجتماعي‮ ‬،فربعهم‮ ‬يعيشون تحت خط الفقر مع انهم في‮ ‬اغنى بلد في‮ ‬العالم‮..‬وعشرة ملايين بين اطفال‮ ‬يتامى وارامل ومطلقات تضاعفت نسبها في‮ ‬الزمن الديمقراطي‮! ‬فضلا عن بطالة شباب جامعيين بينهم آلاف المهندسين‮..‬فيما اشاع الاحتراب الطائفي‮ ‬والتهجير والصراع السياسي‮ ‬والانتماءات العشائرية والقومية الكراهية بين العراقيين.ما‮ ‬يعني‮ ‬ان ضمير الشاب العراقي‮ ‬الذي‮ ‬ولد في‮ ‬حرب ونشأ في‮ ‬حرب ويعيش الآن اكثر من حرب هو‮ ‬غير ضمير جده الذي‮ ‬ما خبر مثل هذه الكوارث‮.‬
ونرى ان احد اهم اسباب ضعف الضمير عند العراقيين هو‮ ‬غياب الحاكم القدوة.ولنضرب على ذلك مثلا‮..‬عبد الكريم قاسم.فقد اكتفى هذا الرجل براتبه الشخصي‮ ‬وما وجدوا في‮ ‬جيبه حين قتلوه اكثر من بقايا دينار،‮ ‬ولم‮ ‬يزد عدد افراد حمايته ومرافقيه عن عشرة،وبنى في‮ ‬اربع سنوات مدنا†‮(‬اليرموك،ا لضباط،‮ ‬الثورة،‮ ‬الشعلة‮..) ‬وبنايات شاهقات‮( ‬وزارة التخطيط،مدينة الطب‮...)‬فاقتدى الناس به وانتعش الضمير‮..‬فيما الحكام الحاليون منحوا انفسهم رواتب خيالية وصار تحت تصرفهم فوق ما‮ ‬يتمنون‮..‬وهم اذا بنوا نهبوا حصة الأسد‮..‬فنافورة صغيرة بناها محافظ بغداد الأسبق بمليار دولار‮!! ‬حسب تصريح محافظها اللاحق‮..‬وكان بين الناهبين أصحاب عمائم ورجال دين‮..‬وآخرون صاروا قادة عملوا من القبائح والتناقض بين الأقوال والأفعال والسخرية من الناس والضحك عليهم ونكث الوعود وخلق ازمات تشغلهم عن مآسي‮ ‬حياتهم.وفي‮ ‬زمانهم الديمقراطي‮ ‬وصل عدد من هم تحت خط الفقر‮ ‬6,4 مليون عراقي‮ ‬حسب المركز الوطني‮ ‬لحقوق الانسان في‮ ‬آب‮ ‬2013.وكان رئيس الحكومة اعلن ان لديه ملفات تدين سياسيين ومسؤولين كبار بالتورط بفساد مالي‮ ‬واداري‮ ‬اذا كشفها انقلب عاليها سافلها‮..‬وما كشف،تلاه سلفه الذي‮ ‬وعد بضرب الفاسدين بيد من حديد وما ضرب‮..‬فأية ضمائر تتولى أمور الناس،واي‮ ‬ضمير‮ ‬يصمت عن نهب المال العام وهم الذين‮ ‬يعلنون انهم‮ ‬يقتدون بسيرة النبي‮ (‬ص)القائل:لو أن فاطمة سرقت لقطعت‮ ‬يدها.وحال كهذا صار فيه ضمير المسؤول لا‮ ‬يشعر بمعاناة الناس وفواجعهم اليومية‮..‬جعل العراقي‮ ‬يقول لنفسه:ما دام المسؤولون بلا ضمير فليذهب ضميري‮ ‬الى الجحيم‮.‬
لقد اوصلتنا متابعتنا الى ان الضمير العراقي‮ ‬مرّ‮ ‬في‮ ‬الستين سنة الأخيرة بثلاث مراحل،الأولى كان فيها‮ ‬يميز بين الحلال والحرام ويخاف الحرام،والثانية:اختلط عليه فيها الحلال والحرام ودفعه التشوش الى ان‮ ‬يتجاسر على ارتكاب الحرام‮ ‬،والثالثة:صار ارتكاب‮   ‬فعل الحرام عاديا بعد ان شاع الفساد‮ ..‬اما الرابعة فقد حذرنا منها‮ (‬ان بقينا عنها‮ ‬غافلون‮) ‬وما استجابوا فاوصلتنا الى اننا‮ (‬استوحشنا طريق الحق لقلة سالكيه‮) ‬بمن فيهم مثقفون باعوا او خانوا ضميرهم الاخلاقي‮ ‬لينعم عليه سلطان كان قد باع ضميره لأجنبي‮..‬وتلك هي‮ ‬مهمة وزارة الثقافة ان تجعل المقدس هو الوطن‮..‬وتعيد احياء الضمير وتحتضن مثقفي‮ ‬الحقيقة‮..‬فبها تكون الثقافة قد مارست دورها في‮ ‬بناء الأنسان والوطن‮.‬

‮{ ‬مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية
‮{ ‬أمين عام تجمع عقول

عدد المشـاهدات 134   تاريخ الإضافـة 20/06/2020   رقم المحتوى 40138
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الجمعة 2020/8/14   توقيـت بغداد
تابعنا على