00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  العولمة‮ ‬

أغلبية صامتة
أضيف بواسـطة admin
النـص :

العولمة‮ ‬
يعيش جبار شناوة في‮ ‬مدينة نيويورك منذ عشرة أعوام حيث آثر الهجرة كطائر الفلامنكو من العراق إلى بلد‮ ‬يرعى أفكاره المتقدمة، لكنه ما زال‮ ‬يدخن سجائر اللف كعادةٍ‮ ‬ورثها من جدته‮. ‬هام شناوة في‮ ‬مطاعم ماكدونالد أوائل أيام الهجرة حيث كان‮ ‬يأكل وجباته الثلاث من البركر المشوي‮ ‬على نصف استواء‮. ‬كان‮ ‬يسافر بين ولايات أمريكا الخمسين ويعشق لاس فيغاس بإعتبارها مثالا للتطور في‮ ‬فن العمارة وأسطورة في‮ ‬علم الجمال من خلال بناياتها الكونكريتية الشاهقة، وصالات القمار في‮ ‬فندق سيزار الذي‮ ‬يظنه امتداداً‮ ‬للإمبراطورية الرومانية المقدسة، ولكن بنسختها الحديثة‮. ‬يحب المفارقات وكان مُطّلعاً‮ ‬على بعض الفنون والآداب والكتب التي‮ ‬توحي‮ ‬بسر النهضة الأوروبية،‮ ‬ويذم عصر الرومانسية حيث‮ ‬يعتبره‮ " ‬عصر تراجع العقل والردة إلى التراث‮"‬، يبغض ماركس ويمجد آدم سميث، لا‮ ‬يقرأ إلا روايات ما بعد الحداثة، ويعتبر الشعر نزعة‮ ‬غير عقلية‮. ‬في‮ ‬صبيحة‮ ‬يوم الأحد من عام‮ ‬2017 قرر شناوة الذهاب إلى الصين بحجة البحث في‮ ‬تأريخ النهضة الصينية، فركب الطائرة المتجهة إلى بكين وبدأت رحلته في‮ ‬استكشاف أسلوب حياة الصينيين من المدن المتقدمة، إلى أقاصي‮ ‬هضبة التبت، فينصدم احياناً‮ ‬عندما‮ ‬يرى المفارقات التي‮ ‬غيَّبتها عنه طريقة عيشه وتصرف المهاجرين من أقرانه في‮ ‬نيويورك، فالناس هنا متقدمين ويملكون المباني‮ ‬ذاتها، ولكنهم‮ ‬يغالون في‮ ‬حب تراثهم، هنا‮ ‬يجتمع ماكدونالد بمطعم العم شينغ‮ ‬وان الذي‮ ‬يطهو أشهى الأكلات الصينية من الكلاب والخفافيش والمقبلات المتمثلة ببعض الجراد مع صلصة دبس الرمان‮. ‬يسير شناوة فاغرا فاه في‮ ‬شوارع بكين، محاولا إيجاد حلا للورطة التي‮ ‬أوقع نفسه فيها، ذلك الانبهار الفكري‮ ‬الذي‮ ‬عانى منه إنسانا قادما من بلدان الحكم الشمولي‮ ‬والقمع، إلى بلد التقدم وحفظ الحريات وبعض الشعارات الزائفة والمرندجة، ثم قرر سبر أغوار العوالم التي‮ ‬أخفتها له أبراج التجارة، والفنادق‮. ‬يجلس شناوة مرهقا على إحدى المصطبات في‮ ‬شارع لا‮ ‬يعرف اسمه ولكنه‮ ‬يروق له، وفي‮ ‬المقعد المجاور‮ ‬يجلس شخصا علامات الوقار ظاهرة عليه، لابساً‮ ‬قبعة مسطحة، وبدلة أنيقة مع ربطة عنق فبدا له أنه مدير إحدى الشركات وجاء ليروَّح عن نفسه عناء الأضابير فبادره قائلا‮: ‬
_ طابت ليلتك‮ ‬
يرد الصيني‮: ‬اهلا‮ ‬يا سيدي‮ ‬
_ أظنك قد تكون مديرا او عاملا في‮ ‬احدى الشركات الكبرى‮. ‬
_ لست بهذا التوصيف، أنا كاتب أحب التنزه قليلا في‮ ‬الليل‮. ‬
_ عظيم، هل لي‮ ‬أن أسألك شرحا لأسباب تقدم الصين؟‮. ‬
_ هذا موضوع طويل، حدد لي‮ ‬من أي‮ ‬جانب تريد أن أوضح لك هذا؟‮ ‬
_ تكلم قليلا عن الجانب الاقتصادي، والثقافي، وإذا أمكن القول أعطني‮ ‬موجزا لذلك‮. ‬
_ حسنا، الصين بدأت بمشروع نهضتها في‮ ‬نهايات السبعينيات وأوائل الثمانينيات بعد سنوات العناء المضني‮ ‬التي‮ ‬سبقتها من مجاعات أرهقت المجتمع الصيني‮ ‬نظرا للأساليب الغير مدروسة بشكل جدي‮ ‬التي‮ ‬كانت تتبعها الحكومات السابقة‮. ‬
_ أي‮ ‬مجاعة؟ وأي‮ ‬أساليب؟‮ ‬
_ في‮ ‬الخمسينيات أرادت الحكومة أن تبدأ مشروعا ضخما في‮ ‬الإصلاح الزراعي‮ ‬ولكنه تسبب في‮ ‬مجيء الجراد بأعداد مهولة مما أدى إلى دمار المحاصيل الزراعية وتفشي‮ ‬مجاعة مروعة راح ضحيتها خمسين مليون إنسانا‮.‬
_ يا ألهي‮! ‬
_ الصين تمتلك تعداداً‮ ‬انفجاريا من النسمات، لذلك في‮ ‬السبعينيات بدأت عدة مشاريع من ضمنها نظام الأسر المنتجة في‮ ‬الريف، وهذا‮ ‬يجعل كل أفراد المجتمع منتجين لا مستهلكين، ولن‮ ‬يعيش أحد في‮ ‬الصين عالة على‮ ‬غيره‮. ‬أما من الناحية الثقافية، ببساطة تامة، نحن نعيش الآن في‮ ‬ظل هذا التطور والتقدم وتلك البنايات الشاهقة، ولكننا لم ننس أننا اصحاب حضارة وتراث‮. ‬أن سر تقدم الأوطان هو أن تكون شخصا عمليا وجاهدا في‮ ‬عملك، ولكن في‮ ‬ذات الوقت أن تكون أنسانا له انتماء لهذه الأرض، أعجب إلى الناس الذين‮ ‬يحبون المباني‮ ‬الشاهقة والعمارات الكونكريتية التي‮ ‬تفقد أي‮ ‬صلة بينها وبين البشر، فانا أحب الكوخ الذي‮ ‬تعيش فيه جدتي‮ ‬لأنه مصنوع من الطين الذي‮ ‬صنع منه الإنسان وبَقيَ‮ ‬طوال هذهِ‮ ‬العهود‮ ‬يناغم روحنا‮. ‬
_ هل لي‮ ‬أن تختصر ذلك علي؟ فأنا أمر في‮ ‬مرحلة عصف فكري‮ ‬رهيبة‮! ‬
_ أنظر إلى ذلك المقهى القديم، أترى أولائك الشيخين؟‮ ‬
_ نعم، احدهما طويل اللحية وأشعث الشعر، والآخر بالكاد أرى معطفه الفضي‮. ‬
_ ذو اللحية هو كارل ماركس، والآخر آدم سميث‮...‬
مصطفى حمزة

عدد المشـاهدات 87   تاريخ الإضافـة 18/06/2020   رقم المحتوى 40101
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الإثنين 2020/7/6   توقيـت بغداد
تابعنا على