00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  الأدوات العالمية للغة الموسيقية

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

الأدوات العالمية للغة الموسيقية


‮ ‬إسراء المرسومي


كثيرة هي‮ ‬الدراسات والبحوث التي‮ ‬لم تنجح في‮ ‬اثبات صحة ما طرحه الكاتب والشاعر الامريكي‮ ‬الشهير‮ (‬هنري‮ ‬لونغفيلو‮) ‬في‮ ‬نظريته قبل مايقارب المئتي‮ ‬عام على أن اللغة الموسيقية عالمية،‮ ‬فضلا عن أنه لم‮ ‬يعتمد الأفكار والأسس الصلدة،‮ ‬وبقيت نظريته رغم مرور الوقت عليها حبيسة الأوراق لانتفاء امكانية تطبيقها على ارض الواقع،‮ ‬ورغم اننا لا ننكر امكانيات الموسيقى بمد جسور التواصل وعبورها للحدود والاخبار بما لا تتمكن منه كل لغات العالم،‮ ‬فالاستماع مثلا‮: ‬الى موسيقى‮ "‬ديبوسي‮" ‬لا‮ ‬يحتاج لاجادة الفرنسية،‮ ‬والغبطة لسماع موسيقى‮ "‬فاكنر‮" ‬دون ادنى معرفة بالحياة الالمانية،‮ ‬وبكاء الجمهور الاوربي‮ ‬شجناً‮ ‬عند سماعهم لأم كلثوم وهكذا‮.. ‬فهل هذا دليل على ان لغة الموسيقى عالمية؟‮  ‬الجدل حول ذلك محتدم ولم‮ ‬ينتهي،‮ ‬ما بين مؤيد ومعارض،‮ ‬رغم أن موضوعة كهذه لا تحتاج إلى جدل،‮ ‬قدر ما تحتاجه من رؤيا شمولية وواقعية واسعة،‮ ‬فلو زعمنا بوجود إجابة محددة ـ بنعم او لاـ لن نحقق الاقناع وبالتالي‮ ‬لن نصل الى اليقين الذي‮ ‬نسعى اليه،‮ ‬لذا أقترح إعادة طرح المفاهيم المرتبطة بامكانية ان تكون للموسيقى‮ (‬لغة عالمية‮) ‬وبشروط محددة تفرضها الوقائع من خلال عدة محاور،‮ ‬في‮ ‬طليعتها‮ "‬اللغة،‮ ‬العالمية،‮ ‬السيكوموزكولوجي،‮ ‬الانثروموزكولوجي‮ ‬والاثنوموزكولوجي‮"‬،‮ ‬نسعى من خلال ذلك تقديم إجابات قريبة إلى الواقع وملامسة لمتغيراته‮.‬
تمتلك اللغة أدوات متعددة من اجل عملية إيصال الافكار والمعاني‮ ‬بشكل واضح،‮ ‬وهذا الاتصال‮ ‬يعد من الوظائف الرئيسية‮  ‬لتحقيق الوسيلة المطلقة والواعية للتعبير عما‮ ‬يداعب المخيلة والفكر بشكل صريح،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يزيحنا إلى معنى اللغة الموسيقية والتي‮ ‬تعد عملية اتصال فكري،‮ ‬لكن بشكل منقوص وجزئي‮ ‬غير مطلق لانها لا تعبر عن المعاني‮ ‬المرادة بصورة مباشرة على اعتبار صفتها التجريدية البعيدة عن الحتمية‮ ‬،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يميز بين اللغة بالواقع،‮ ‬واللغة الموسيقية،‮ ‬ومن‮ ‬يعترض ذلك المفهوم فعلية ان‮ ‬يعزف على اي‮ ‬الة موسيقية جملة لحنية تأتي‮ ‬بمعنى مباشر‮ ‬يقصد به كلمة‮ (‬مطعم‮) ‬او‮ (‬كتاب‮) ‬على سبيل المثال‮ ..‬ومن ذلك نفهم ان اللغة الموسيقية‮ "‬نظام اتصال وتواصل ذو معنى محدود بصيغته التجريدية لخلوه من القدرة التعبيرية عن الخوالج والأفكار بصورة مباشرة ومطلقة‮" ‬وقد عرفت العالمية العديد من التعاريف،‮ ‬كونها تفاعل حر واختياري‮ ‬في‮ ‬القواسم الإنسانية المشتركة بين الحضارات والامم المتعددة والمتمايزة في‮ ‬خصوصيتها وصفاتها المحلية،‮ ‬بمعنى أن التفاعل الانساني‮ ‬في‮ ‬العالمية لا‮ ‬يمحو او‮ ‬يسحق الملامح والقيم الاصيلة للشعوب،‮ ‬لانه اختياري‮ ‬لا قصري،‮ ‬ومن هنا اصبح بامكان اللغة الموسيقية أن تكون عالمية،‮ ‬متفاعلة مع الشعوب انسانياً،‮ ‬ويفسر ذلك تداول الكثير من القطع الموسيقية التي‮ ‬يطلق عليها عالمية،‮ ‬ليس بتشابه المفاهيم والخصائص والصفات بين شعوبها،‮ ‬وإنما فقط للمشتركات الانسانية‮.‬
الانفعالات النفسية عبر الالحان‮ ..‬
اما المنظور‮ (‬السيكوموزكولوجي‮) ‬للغة الموسيقية هو الاخر‮ ‬يؤيد عالمية اللغة الموسيقية،‮ ‬بشرط أن تحدد بمفهومها السيكولوجي‮ ‬لأنها تعطي‮ ‬امكانيات رفيعة في‮ ‬إيصال‮ "‬الانفعالات‮" ‬كـ‮ "‬السعادة‮" ‬والغضب والحزن،‮ ‬بشكل مباشر،‮ ‬عبر سمات الألحان وجريان الإيقاع والنبرات وحتى الظلال الديناميكية،‮ ‬فضلا عن أنها لا تحتاج مترجم لفهم ذلك،‮ ‬فمثلا‮: ‬لو استمعنا لمحادثة باللغة اليابانية التي‮ ‬لا نجيدها اطلاقا،‮ ‬لا نستطيع أن نفهم المحتوى والتفاصيل،‮ ‬لكننا سنفهم متغيرات الحالة الانفعالية والعاطفية والتعبيرية،‮ ‬للمتحدثين،‮ ‬وهل هناك مشاجرة وانزعاج ام سعادة وفرح‮… ‬الخ،‮ ‬وبذلك نكون قد فهمنا الحديث‮ "‬سيكولوجيا‮" ‬لان جميع الشعوب لديها نفس المشاعر والعواطف والانفعالات التي‮ ‬لاتتغير عالميا،‮ ‬وعليه ستكون اللغة الموسيقية هنا‮ (‬نظام اتصال سيكولوجي‮ ‬محدد بنقل التعابير الانفعالية‮). ‬
فك الاشتباك
بات من الصعب فك الاشتباك بين علم‮  (‬الاثنوموزكولوجي‮) ‬و‮ (‬الانثروموزكولوجي‮) ‬لدرجة وضع حد فاصل بينهما لأشتباكهما بخط سير واحد،‮ ‬هو دراسة كافة الأنواع الموسيقية العرقية الشعبية في‮ ‬سياق ثقافي‮ ‬واجتماعي‮ ‬تقليدي،‮ ‬للوقوف على معرفة كيفية تعبيرها عن هويات الشعوب بوساطة بحوث ودراسات ميدانية تأتي‮ ‬بجذور موسيقاهم بمختلف مناطقهم وتجمعاتهم المتنوعة‮. ‬ولم‮ ‬يعترف العلمان نهائياً‮ ‬بوجود لغة عالمية للموسيقى،‮ ‬إلا من منطلق كونها وسيلة اتصال حسية محدودة في‮ ‬نقل بعض الاشارات والرموز والدلالات،‮ ‬وذلك لاختلاف معايير عناصرها وخصائصها ومفاهيمها ومعانيها ووظائفها وبالتالي‮ ‬اختلاف هويتها الموسيقية بشكل تام‮. ‬على سبيل المثال لو احدثنا مقارنة وبشكل مبسط دون تعقيد لعنصر‮ (‬الايقاع‮) ‬بين حضارتين مختلفتين،‮ ‬هما‮: (‬العربية والغربية‮) ‬كـ‮ "‬عرض‮" ‬سنرى عدم وجود لغة عالمية مطلقة للموسيقى،‮ ‬رغم اعتمادنا عنصر موسيقي‮ ‬واحد دون التطرق‮  ‬لغيره من العناصر والخصائص والمفاهيم والوظائف‮.. ‬الإيقاع في‮ ‬الموسيقى العربية له مكانة وحضور مميز،‮ ‬يوازي‮ ‬مكانته لعنصر اللحن واحياناً‮ ‬يزيد عليه،‮ ‬وذلك لانه‮ ‬يعد المنظم الرئيسي‮ ‬للالحان،‮ ‬والمحور الأساسي‮ ‬في‮ ‬ضبط الوزن والمحافظة على جريانه خلال العزف او الغناء،‮ ‬كما أن خط الايقاع واضح ومتميز بنموذج معين‮ ‬يتكرر وتطغى عليه صفة الزخارف حتى لا‮ ‬يكون مملا لدى المتلقي،‮ ‬ولا‮ ‬يحمل بين ثناياه أي‮ ‬فلسفة‮ ‬غير الاداءات التي‮ ‬تعتمد على مهارات وقدرات عازف الإيقاعات واحيانا ارتجالاته،‮ ‬فضلا عن أنه‮ ‬يستخدم أنواع متعددة من الالات الإيقاعية‮ ‬،‮ ‬وقد عنيت جميع النظريات العربية بتقسيم وتحديد‮ (‬النماذج الايقاعية‮) ‬أكثر من عنايتها بفلسفة جماليات الإيقاع ومدى خدمته للحن والعمل الفني‮ ‬بشكل عمومي‮.‬وفي‮ ‬المقابل تتضائل اهمية الايقاع في‮ ‬الموسيقى الغربية ليعلو شأن اللحن،‮ ‬لأن طريقة استخدام الآلات الإيقاعية‮ ‬يكون ضمن فلسفة التأليف،‮ ‬التي‮ ‬تعمل على إذابة جميع العناصر الموسيقية في‮ ‬بودقة واحدة ليكون النتاج شكلا ذو محتوى فني‮ ‬متعالي‮ ‬الجمال،‮ ‬وفقا لمتطلبات التعبير وتطور الفكرة الموسيقية ابتداء من المقدمة والعرض والصراع،‮ ‬وتتصاعد وصولا الى الحل والختام،‮ ‬لذلك اندمج عنصر الإيقاع في‮ ‬التأليف مع باقي‮ ‬العناصر،‮ ‬لانه لا‮ ‬يظهر ابدا بشكله المنظم القيادي‮ ‬القياسي‮ ‬البراق كما هو الأمر في‮ ‬الموسيقى العربية،‮ ‬بل‮ ‬يتم اظهار الايقاع بعزفه من قبل جميع الالات الاوركسترالية ولا‮ ‬يقتصر فقط على الآلات الإيقاعية،‮ ‬لتميزه بكونه‮ ‬يتلاشى ويظهر ويخفت ويتصاعد الى ذروة الانفعال وبحسب ما‮ ‬يطلبه المؤلف من تعابير،‮ ‬وتفي‮ ‬باداء الايقاع الة واحدة‮ (‬التمباني‮) ‬كألة أساسية تسندها كما اسلفنا جميع الالات الاوركسترالية‮ (‬الهوائية والوترية‮)‬،‮ ‬ان هذه الدقة والتعقيد في‮ ‬استخدام الايقاع للموسيقى الغربية جعلت منه مصدر ذوقي‮ ‬وجمالي‮ ‬ذو تأثير مباشر على المتلقي،‮ ‬كما‮ ‬يتفاعل الإيقاع‮  ‬بدوره في‮ ‬بناء العمل مع العناصر التكوينية الاخرى ليكون ركن من أركان بناء الفكرة وتطورها ونموها داخل العمل،‮ ‬لأجل صياغة التلوين والتنويع الجمالي‮ ‬التعبيري‮ ‬الفلسفي‮.‬
ايقاعات الشعوب
‮ ‬ايضا‮ ‬يكون الحال نفسه إذا ادرجنا ايقاعات الشعوب الأخرى كـ‮ "‬الهندية‮" ‬والصينية وغيرها،‮ ‬اذ ماقورنت ببعضها،‮ ‬وهنا السؤال‮:  ‬اين اللغة الموسيقية العالمية من ذلك،‮ ‬وماهو وجه الشبه والاشتراك بين النوعين الايقاعيين؟‮ . ‬لقد ركز علماء‮ "‬الاثنوموزكولوجي‮" ‬و"الانثروموزكولوجي‮" ‬على تمييز الهوية الموسيقية العرقية وتأطيرها باعتبارها مكون أساسي‮ ‬للحياة الاجتماعية لدى الشعوب،‮ ‬واعتبروا الموسيقى ولغتها نوع من البيانات الخاصة لأغراض النظريات والدراسات والبحوث،‮  ‬التي‮ ‬تستحق ان تدرج وبكل فخر في‮ ‬الوصف‮ "‬الاثنوغرافي‮"‬،‮ ‬بل ذهب بعض العلماء الى ابعد من ذلك لتقديمهم دراسات‮  ‬عن المجتمعات من خلال منظورها الموسيقي‮ ‬وليس العكس،‮ ‬وهذا إيمان مطلق بأن علاقة الموسيقى ولغتها بالمجتمعات ليست التصاقية فحسب،‮ ‬إنما هي‮ ‬متغلغلة جينيا في‮ ‬اعراق الشعوب أن صح التعبير‮. ‬نخلص مما سبق انعدام وجود‮ (‬لغة موسيقية عالمية‮) ‬بصفتها‮  ‬المطلقة،‮ ‬إلا بإمكانية دورها العالمي‮ ‬في‮ ‬ايصال رسائل واشارات ورموز محددة بين الشعوب،‮ ‬لكونها اداة تعبيرية مجردة تمكنت من إيصال المعاني‮ ‬والانفعالات‮ (‬السيكوموزكولوجية‮) ‬والقواسم الانسانية المشتركة بين الحضارات،‮ ‬وقد اصطدمت اللغة الموسيقية في‮ ‬النهاية باعمدة كبيرة لم‮ ‬يقبلها بصفتها المطلقة على أي‮ ‬وجه من أوجهها العالمية،‮  ‬وهو علم‮ "‬الانثروموزيكولوجي‮" ‬و"علم الاثنوموزكولوجي‮".‬

عدد المشـاهدات 30   تاريخ الإضافـة 23/05/2020   رقم المحتوى 39388
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الثلاثاء 2020/5/26   توقيـت بغداد
تابعنا على