00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  صحراء الأماني

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

صحراء الأماني

 وفاء الفتلاوي

جميلة هي الحياة حينما تأخذ منها احلامك وطموحاتك لتزرعها داخل عالم بنيت احجاره مع كل لحظة ترى عينيك فيهما النور، وتصبح مؤذية كالشوك المغروس في قدم اعمى لا جدوى من انتزاعه.

كان الليل حالك الظلام وبرق ورعد في السماء وعجوز تجلس على اريكة عتيقة داخل بيت جدرانه من طين وسقوفه من القصب، وقنديل يتأرجح ضوئه راقصاً مع الرياح شمالا ويمينا، وباحة صغيرة تحمل بين طياتها مطبخ وحمام يتوسطه بئر عميق، وصراخ امرأة يملئ ارجاء المنزل الماً كأنها تصارع الموت رغبة بالحياة، لتلد مريم وسط أربعة ذكور أكبرهم احمد وأصغرهم حسام.

تلك الفتاة رغم صغر سنها تملك قواما مشدودا وبشرة خمرية تجذب انظار شيوخ المدينة قبل شبابها، ووالدها انتهازي لا يحب سوى الدرهم الذي ينفقه على الغيواني متى ما اتيح له ذلك تاركاً امراته واولاده يتخبطون الطرقات بحثا عن لقمة عيش تقييهم برد الشتاء ولهيب الصيف.

في ليلة كان فيه القمر بارزاً في السماء والنجوم تتوهج فرحاً دق باب الدار بشكل عنيف هرع حسام لفتحه قبل ان يخلع من مكانه، فاذا برجل مسن ذا بطن كبير ووجه عبوس رسم عليه ملامح المكر والخديعة قصير القامة بيده مسبحة طويلة: اين والدك؟.. فرد حسام: تفضل انه بالداخل.

فتسللت مريم لتسترق السمع من فتحة صغيرة فرضت على جدار انهكته السنين ملتصقا بباحة المنزل وهي فرحة تمسك بصدرها وكأنها تحادث قلبها ..(رفقا بي ستفضح دقاتك حبي كما فضحت عقارب الساعة الزمن.. امهلني حتى اسمع جيداً ما سيدور مع ابي).. فجأة صرخت أمها: مريم.. ردت: قادمة امي.

طار عقل مريم فرحاً عندما طلبت أمها منها تقديم واجب الضيافة بنفسها.. سارت بخطى متعثرة خجلاً وهي تكلم نفسها: اخيراً سأغادر هذه البؤس لالتحف بمن احب واشق طريقي نحو حياة ملؤها الامل واخيط جميع العيون التي كانت تنتهش لحمي دون ان تلمسه.

في اليوم التالي خرجت ام مريم الى السوق وعادت بعد ساعات طوال وهي تحمل اكياساً ثقيلة بداخل اثواب واقمشة وعطور، واخذت ترص ما شترته في حقيبة كبيرة عدا مكحلة صغيرة وفستان ابيض تتخلله حبات لؤلؤ بلون الفضة النقية، علق على الحائط كلوحة فنية طرزت خيوطه لتوحي لك ان بعد العسر يسر وان الفرج قادم لا محالة، وعيون مريم كادت تنطق من شدة السرور وهي تنظر الى ذلك الفستان الذي سيكون اما سببا لسعادتها او شقائها مدى الدهر. في فجر يوم أخير علقت الزينة في باحة المنزل وانطلقت الزغاريد واخذت النساء ينشدن الاهازيج ويطرقن على الدفوف والفتيات يحطن بمريم التي كانت تقرصهن ليلتحقن بها عرفاً تتداوله اغلب المجتمعات وفي الخارج كان ابيها واخوتها يستقبلون الاقارب والجيران والأطفال يركضون في باحة المنزل ينتظرون قدوم الفارس الذي لطالما حلمت به مريم كل ليلة وهو يحملها ليطير الى دنيا وعالم جديد لاتسع سواهما وخضرة الأرض وكتاكيت تحسن تربيتها.

فجأة صرخ احد الأطفال بوجهها: جاء العريس.. انتفض جسدها خوفاً وسعادة وارتعشت كأنها عصفور يحلق جديداً ليمسك عنان السماء عالياً بعيدا عن جناح والديه، وهي مطرقة الرأس خجلاً وقد ذابت بخديها تلك الثغور الصغيرة التي زادت من حلاوتها وعذوبتها.. مرت الثواني عليها وكأنها سنين طويلة وهي تنتظر قدومه بفارغ الصبر.. اقتربت اهازيج الرجال من حجرتها وشريط ذاكرتها يتلون بطفولتها وضحكاتها وبكائها وتقاسمها الخبز مع اخوتها وامها وجدتها بعيدا عن ابيها التي كانت لا تراه سوى بملبس القسوة فاذا بالباب تفتح وتغلق بقوة عليها.. وقفت وهي مازالت مطرقة الرأس وتلك الخطوات الخشنة تقترب منها لتقف امامها واذا بصوت قبيح يقول لها: انت عروستي.

رفعت عينيها الواسعتين بوجهه فتوقفت دقات قلبها المفعم بالحب وتحولت بلحظة الى سكون وصدمة واختلط الكحل الأسود بدموعها ليرسم على خديها طرق ملتوية مثقلة بجراح جديدة كأنها كتبت بحبر سري لا يعرف لغته سوى من ملكه، اشارت بأصابعها المنقوشة بالحناء ابدعت من رسمتها واوصلتها الى كفين صغيرين وكبلت معصميها بأزهار متماسكة تشبه تلك القيود التي تحجب المرء عن حريته.. فتمتمت تقول: لن أكون مثل الاعمى الذي غرست في قدمه شوكة وسار دون اهتمام.

عدد المشـاهدات 49   تاريخ الإضافـة 20/05/2020   رقم المحتوى 39343
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الثلاثاء 2020/5/26   توقيـت بغداد
تابعنا على