00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  ذكرى إستشهاد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

ذكرى إستشهاد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

قراءة تحليلية لحدث وداع أبي الحسن

علي العكيدي

فزت ورب الكعبة، كلمات أطلقها الإمام  علي بن أبي طالب  عليه السلام في لحظة سقط فيها على رأسه الشريف وهو ساجد لله سيف لو ضرب به أهل الكوفة كلهم لما بقي منهم احد ،(ينظر الطبري، تاريخ الرسل ج 5  ص 146)  وهكذا ودع ابو الحسن هذه الدنيا ليأخذ جسده الطاهر مكانه في قبر أعد لذلك بين أول نبي وأول رسول، بين آدم ونوح عليهما السلام، آدم يفرش له الأرض وروداً من ورود الجنة ونوحاً يسقيه شربة ماء ادّخرها له من أول قطرة فار بها التنور يوم أمر الله ان يُبدل البشر، ويطهر الأرض من رجس أولاد قابيل، فماء التنور كما هو مهلك للفجرة، منعش للبررة،أتقياء هذه الأمة ورموزها العظام، لقد نام أبا الحسن بين أبويه هانئاً سعيداً، بعد أن قدم من العطاء ما لا يمكن حصره بجهادٍ دام العمر كله.

وهنا لا نريد ان نتحدث عن حياة الإمام فحياته الشريفة قد تحدث عنها الكثير والكثير جداً وتكاد ان تكون شخصية الإمام من أكثر الشخصيات التي استحوذت على اهتمام الكتاب والأدباء والمفكرين، لذا سنكتفي في هذه الوريقات بالتوقف  عند يوم استشهاده لنقرا معا، ما تطرق له المؤرخون وما اختلفوا فيه بخصوص   الضربة التي تلقاها، وهي ضربة ابن ملجم، هل ضربه في الصلاة أم في طريقه لأدائها، ولنبدأ على بركة الله، يقول الديار بكري (ت 966هـ): (واختلفوا في انه هل ضربه في الصلاة أو قبل دخوله فيها) تاريخ الخميس ج2 ص282ولنأخذ هنا روايتين الأولى تقول قبل دخوله في الصلاة، والثانية تقول في الصلاة، ثم ندخل بعدها في صلب الموضوع- لنرى أين الحقيقة.

ليلة واحدة

يقول الدينوري (ت 282هـ): الاخبار الطوال ص213 قالوا واجتمع في العام الذي قُتل فيه عليه السلام، بالموسم عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والنزال بن عامر، وعبد الله بن مالك الصيداوي، وذلك بعد وقعة النهروان بأشهر، فتذاكروا ما فيه الناس من تلك الحروب، فقال بعضهم لبعض " ما الراحة إلا في قتل هؤلاء النفر الثلاثة، علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص "، فقال أبن ملجم عليَّ قتل علي، وقال النزال وعليَّ قتل معاوية، وقال عبد الله وعليَّ قتل عمرو بن العاص، فاستعدوا لليلة واحدة يقتلونهم فيها واقبل عبد الرحمن حتى قدم الكوفة، فخطب إلى قطام إبنتها الرباب، وكانت قطام ترى رأي الخوارج، وقد كان علي قتل أباها وأخاها وعمها يوم النهر وان، فقالت لأبن ملجم، لا أزوجك إلا على ثلاثة آلاف درهم، وعبد، وقتل علي بن أبي طالب، فأعطاها ذلك وأملكها، يواصل الدينوري حديثه قائلاً فلما كانت تلك الليلة تقلد ابن ملجم سيفه وكان قد سمه، وقعد مغلساً ينتظر أن يمر به علي (عليه السلام) مقبلاً الى المسجد لصلاة الغداة، فبينما هو في ذلك اذ اقبل علي وهو ينادي (الصلاة أيها الناس) فقام اليه بن ملجم، فضربه بالسيف على رأسه وأصاب طرف السيف الحائط، فثلم، منه ودهش إبن ملجم، فأنكب لوجهه وبدر السيف من يده، فاجتمع الناس فآخذوه، ثم حُمل عليه السلام إلى منزله وادخل عليه ابن ملجم، فلم يمسِ يومه ذلك حتى مات رحمه الله." إلى هنا انتهت رواية الدينوري.  ولنأتي للرواية التي تقول ضربه في الصلاة ومع المقدسي (ت 335هـ) اذ يقول:  قالوا تعاقد ثلاثة نفر من الخوارج على قتل علي _عليه السلام_ ومعاوية وعمرو بن العاص منهم عبد الرحمن بن ملجم ، قال انا اقتل علياً والبرك قال انا اقتل معاوية… وداود مولى بني عنبر قال انا اقتل عمرو بن العاص، فاجتمعوا في مكة وشدوا أنفسهم..... ومضوا لطلبهم، فاما داود فاتى مصر ودخل المسجد وقام في الصلاة، فخرج خارجه بن حذافه وكان على شرطة عمرو وعمرو يشتكي، فضربه داود فقتله وهو ظنه عمراً فقال عمرو أردت عمراً والله يريد خارجة، فذهبت مثلاً، واخذوا داود به فقتل وأما البرك واسمه الحجاج فانه مضى إلى الشـام ودخل المسجد فخرج معاوية فافتتح الصلاة فضربه البراك وكان معاوية عظيم العجز فأصابت الضربة عجزه، فقطعت منه عرقاً انقطع منه الولد فاخذ البرك فقطعت يداه ورجلاه وخلي عنه، أما ابن ملجم فانه أتى الكوفة وجعل يختلف إلى علي (عليه السلام) وعلي يلاطفه ويواصله ويتوسم فيه الشر. وفيه يقول

أريد حياته ويريد قتلي

عذيرك من خليلك من مُراد

قالوا وشغف ابن ملجم عليه اللعنة بامرأة يقال لها قطام من الخوارج فخطبها فقالت الصداق قتل علي وكذا وكذا وكان علي قتل أباها وأخاها بالنهروان فضمن لها ذلك وسم سيفه وشحذه وجاء فبات تلك الليلة بالمسجد، وروى عن الحسن بن علي عليهما السلام انه قال لما أصبح اليوم الذي ضربه الرجل فيه، فقال لقد سنح لي الليلة النبي(صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم). فقلت يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك؟ قال ادعُ الله ان يريحك منهم قالوا ودخل على المسجد ونبه النيام فركل ابن ملجم برجله وهو ملتف بعباءة وقال له قم فما أراك إلا الذي أظنه، وافتتح ركعتي الفجر فاتاه ابن ملجم ، فضربه على صلعته حيث وضع النبي صلى الله عليه وسلم وقال أشقى الناس أحمر ثمود والذي يخضب هذه من هذه .البدء والتاريخ ص230

ومن خلال الروايتين أعلاه نستنتج بان هناك محاولة اغتيال منظمة تنظيما دقيقا، كان يقودها ابن ملجم ذاته كونه قد أخذ على عاتقه اغتيال أشجع الثلاثة وأكثرهم شهرة وأرفعهم موقعا بوصفه خليفة للمسلمين، وهذه المؤامرة كانت دقيقة للغاية اذ تم الاتفاق على ساعة  شروع واحدة ووقت واحد هو لحظة السجود للبدء بالعملية، وهنـا  لابد من الوقوف عند رواية الدينوري، فالدينوري يذكر بان كل من النزال وعبد الله قد ضربا كلا من معاوية وعمرو بن العاص وهما في الصلاة، أثناء السجود، أما أبن ملجم فقد ضرب الإمام لدى خروجه من المنزل في طريقه إلى الصلاة وقبل البدء بها، وكما يقول الديار بكري اختلفوا هل ضربه في الصلاة أو خارجها، فالدينوري كما قلنا يقول خارجها كما هو المسعودي أيضا، والمقدسي يقول في الصلاة كما يؤكد ذلك أيضا ابو جعفر الطبري لنقله رواية الليث بن سعد والتي تقول ان عبد الرحمن بن ملجم ضرب علياً في صلاة الصبح الرياض النضرة ج2 ص230. والاختلاف في الضربة ليس كالاختلاف في مقدار العمر او الاختلاف في مكان الدفن، او غير ذلك من المعلومات، وبالرغم من كون الاختلافات مهما تكن أنواعها وفي اغلب مواضعها لها دوافع مبنية على أساس رؤية المؤرخ للحدث، وفلسفته الخاصة وعلى مدى صدق السند الراوي للرواية، فضلاً عن دوافع أخرى خليط من عوامل عديدة لعل أهمها السياسية والاجتماعية والعقائدية، لذا أرى شخصياً وبكل تواضع إن الاختلاف في وقت الضربة لا يخلو من دوافع خاصة عندما نقرأ الرواية كاملةً وبكل جوانبها.

مؤامرة دقيقة

وعليه فالمؤامرة كانت دقيقة وقد اتفق الثلاثة على أن تكون ساعة الصفر لحظة السجود وذلك لضمان تحقيق أعلى نسبة لنجاح العملية، وبالفعل فالأحداث تشير إلى أن الجميع التزم بالتنفيذ ساعة السجود، وتحديد لحظة السجود، وقتاً لتنفيذ العملية هو توقيت دقيق جداً للأسباب التالية:

أ- هي اللحظة الملائمة جداً كون الجميع متجهون بأنظارهم إلى الأرض وفي شغل عن الآخرين بإقامة الصلاة مما يقلل إلى درجة الصفر تقريباً توجيه الأنظار نحو مُنفذ العملية هذا إذا أخذنا بنظر الاعتبار رواية الدينوري والتي يؤيده فيها المقدسي والمسعودي من ان اتخاذ الحرس في المساجد جاء بعد تلك العملية.

ب- هذه اللحظات أي لحظات السجود هي لحظات استرخاء كامل للشخصية المتآمر عليها إذ لا تستطيع فيها الدفاع عن نفسها أو التحرك باتجاه تلافي الضربة لحظة وقوعها.

ج- تكون الضربة أكثر إيلاما إذ يكون المجني عليه بين جهتين تضغطان بشكل معاكس وهما السيف والأرض.

د- تكون وسيلة النجاة أسهل بعد القيام بالعملية، وبالرغم من هذا لم يتمكن أي منهم من الإفلات وهنا لابد من وقفه لنقول ان عدم استطاعة أي من الثلاثة الإفلات يعني واحدا من أمرين أولهما ان العلمية أحدثت ضجة قوية بالشكل الذي جعل من المصلين او قسم منهم على الأقل يهرعون للقبض على الجناة، خاصة إذا أخذنا بالحسبان أن الصلاة تقام دائماً في مقدمة المسجد والذي يصلي بالمصلين يكون هو ابعد الجميع عن مدخل المسجد وهذا يعني ان عملية الإفلات تتطلب ان يجري بسرعة فائقة كي يتخلص من الناس ويخرج سالماً من الباب، وهذا ما جعل عملية الإفلات مستحيلة.

وثانيهما ان العملية ربما كانت عملية فدائية ولكن هذا الاستنتاج لا يصمد طويلاً أمام رواية مهر الرباب بنت قطام  فمهر الرباب يعني من جملة ما يعنيه ان ابن ملجم قائد العملية كان ينوي الهرب بعد العملية كون الرباب وما تحمله من سحر وجمال تتنظره في الخارج وعليه فأنه كان أكثر المتحمسين لضرب ضحيته في لحظة السجود كون هذه اللحظة تساعده على الهرب (رغم صعوبته) أكثر من أي لحظة أخرى هذا من جهة ومن جهة أخرى والكلام لازال بخصوص رواية الدينوري، فأن استقراء سريعاً للشخصيات الثلاثة نســـــتنتج ما يلي:

إن الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام  (ولا نريد ان نبخس الاخرين شجاعتهم) هو اكثر الشخصيات الثلاثة شجاعة بشهادة الجميع على اختلاف ميولهم واتجاهاتهم يقول ابن ابي الحديد (واما الشجاعة فانه انسى الناس فيها ذكرا من كان قبله ومحا اسم من ياتي بعده ومقاماته في الحروب مشهورة يُضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة، وهو الشجاع الذي ما فرّ قط ولا ارتاع من كتيبة ولا بارز أحدا إلا قتله، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى ثانية نهج البلاغة ج1 ص38 ثم يضيف ابن أبي الحديد قائلاً ولما دعا علياً معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل احدهما قال عمرو بن العاص لمعاوية (لقد انصفك الرجل ، فقال معاوية ما أغششتني منذ نصحتني إلا اليوم أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم انه الشجاع المطرق أأراك طمعت في إمارة الشام بعدي)؟  .وفضلاً عن الشجاعة المنوه عنها والتي مقرها القلب، قلب المؤمن الصادق، الشجاعة المطعمة بالمرؤة والبعيدة عن التطرف والتهور فأن الإمام كان يتمتع بجسد قوي تدعمه أجهزة مؤدية لوظائفها بشكل جيد مع عظام قوية جداً أثرت فيها ايجابياً ظروف البيئة الطبيعية من هواء نقي وتغذية خالية من الشراهة مع تمرس شديد على الحروب منذ الصغر مما زاد من قوة تحمله يقول النويري كان علي بن ابي طالب (شديد الساعد واليد وان امسك بذراع رجل امسك بنفسه فلا يستطيع ان يتنفس)نهاية الارب ج2 ص2

عمق الجرح

ومن الدلائل القوية على ان ضربته كانت أثناء السجود هي عمق الجرح، فعمق الجرح يدل على ان الاصابة كانت مباشرة دون ان يكون الإمام متيقظاً لها وليس كما يقول الدينوري انها أصابت الجدار، ولو كانت أصابت الجدار كانت اقل شدة واقل تأثيرا، يقول السيوطي (وضربه بالسيف فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه) تاريخ الخلفاء ص 164 وهذا دليل كما قلنا على قوة الضربة ولكن مع هذا فالوفاة لم تحدث بسبب الضربة بل بسبب السم الذي طعم به ابن ملجم سيفه .        

وهذا كله وغيره مما لم نذكره يجعل من المتآمر عليه كائناً من يكون ان يحسب له ألف حساب، ولغرض ان نغطي على الموضوع بشكل عام نسأل الدينوري والمسعودي وغيرهما من الذين نقلوا رواية ضربها خارج الصلاة سؤالاً مفاده، لماذا الإمام بالذات تم ضربه خارج الصلاة بينما الشخصان الآخران المستهدفان بالمؤامرة تم ضربا وهما في الصلاة وإثناء السجود والمؤامرة واحدة بكل جوانبها التشريعية والتنفيذية فإذا كان الجواب بأن معاوية وعمرو بن العاص لهم حرس والإمام لا حرس له مثلاً. فهذا غير صحيح، ويتنافى مع رواية الدينوري نفسه عندما قال منذ ذلك الحين تم ايجاد الحراس في المساجد. وقد اكد ذلك كما قلت المقدسي والطبري، وابن كثير، وحتى لو نفرض كان هناك حرس لكل من معاوية وعمرو بن العاص فأين كان الحرس لحظة ضربهما بالسيف، أليس من واجب الحرس أن يقف على رأس محروسه حتى أثناء الصلاة أما الإمام فإذا لم يكن له حرس كما يقول اغلب المؤرخون، فهو على الأقل رجلاً اجتماعياً ودوداً لطيفاً مع رعيته ولا يتعامل تعاملا فوقيا معهم ولا يمشي بمفرده أبدا وإنما معه دائماً من يؤنسه ويستأنس به يقول الديار بكري (خرج علي يمشي وابن الذباح المؤذن بين يديه والحسن بن علي خلفه، فلما خرج من الباب نادى يا أيها الناس الصلاة الصلاة كذلك كان يصنع كل يوم يخرج ومعه درته يوقظ الناس) وهذا يعني أن الإمام لم يكن وحده فضلاً عن ابن الذباح والإمام الحسن( عليه السلام) كان هناك من هم كانوا نائمين وأيقظهم الإمام للصلاة وهذا يعني أيضا أن هناك جمهرة من الناس كانت تحيط بالإمام. وهنا نقول أيهما أفضل لأبن ملجم أن يضربه في هذه اللحظة أم في لحظة السجود.وعليه فان الأشجع وأكثر قوة ورجولة من بين أقرانه هو الذي يؤخذ أخذا وهو الذي ينتظر منه ان يسجد لله خاشعاً ذليلاً مطيعاً باكياً، حتى تستغل هذه اللحظات الإيمانية من قبل رجل غير مؤمن لتنفيذ خطته، وبالفعل تمت هذه الخطة وراح ضحيتها أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين الإمام علي بن ابي  طالب  عليه السلام شهيدا عظيما .

عدد المشـاهدات 55   تاريخ الإضافـة 13/05/2020   رقم المحتوى 39187
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الثلاثاء 2020/5/26   توقيـت بغداد
تابعنا على