00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  أغلال كورونا

مقالات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

أغلال كورونا

نهاد نجيب 

جلست كعادتي وراء نافذة غرفتي ووجدت الشوارع والميادين خالية من المارة..وألقيت نظرة على حديقة بيتنا وقد كفت الخمائل عن الضحك..والطيور عن الغناء..وتعرت الأشجار في وجه السماء بلا حياء..وتثاءبت قبل الضحى الشمس الكسول..لا شيء إلا صار يوحي بالافول...

وقررت أن احتجب  عن مباهج الحياة من حولي مرغما بسبب وباء الكرونا..وفجأة  وجدت نفسي أحن حنينا ممتعا إلى أن التقيكم عن بعد أيها الإخوة و الاصدقاء في محجري الاختياري هذا..من أي سبيل..متحدثا إليكم اي حديث..في أي موضوع..المهم أن ألتقي بكم والسلام..فهلا تقبلتم مني حديثا مرتجلا  ..غير مرتب الذي لم يسبقه طول تفكير..أو تدبير..أو إعداد..إنها مجرد خواطر وتأملات ومطالعات..بعضها له مناسبات..وبعضها الآخر لا مناسبة له على الإطلاق..وأنا اكتب لكم هذه السطور من محجري البيتي الذي هو أشبه  بغربال من الحاجات العديدة المتناثرة بين أثاث ومكتبة وكتب وأوراق مبعثرة..ولوحة الموناليزا الفاتنة التي ترمقني بنظراتها الثاقبة  أينما توجهت ووليت وجهي..

شمس ساطعة

أكتب إليكم  من وراء نافذتي وأشاهد بحسرة الشمس الساطعة التي تتراقص فوق قنوات المدينة الجميلة في غير أوانها..فتبعث البسمات السعيدة إلى الثغور والصدور المختفية وراء الجدران في ذهول وهي لا تملك إلا الدعاء إلى خالق السماوات والأرض أن يخفف عنها حمل هذا الابتلاء..

وقد قال الله تعالى في كتابه المبين( إن نشأ ننزل عليهم من السماء أية فظلت أعناقهم لها خاضعين...)

نعم أيها الأصدقاء أقر وأعترف بصدق أنني ساخط على وباء الكرونا..هذا الإرهابي المتخفي الذي لا يرى بالعين المجردة..وعينايا تلمعان ببريق اللهفة الصادقة باليوم الذي تتاح لي فيه الفرصة لا لكي أخرج  من محجري مجرد خروج..وإنما لكي أرى نهاية هذا البلاء الغامض الذي جعل العالم برمته أسير المحاجر بصورة مفجعة..في حياة حالكة الظلام..والشوارع والمباني والرياح اللاذعة تلفها ولا يهن نشاطها..والأشجار في كل مكان مجرد هياكل سوداء عارية الأغصان وكأنها خيوط أو خطوط رسمت بالحبر الصيني الذي نشر لنا الوباء على صفحة الأفق ليلوث الطبيعة الصامتة ويمحو عنها الربيع بحلته الوارفة من الأوراق الخضراء والازاهير الملونة..

مزيج غريب

ولوباء الكرونا مزيج غريب من المفارقات..فهو يجمع بين الهلع الموغل في النفوس..والحديث المتطرف عن نشأته ومنابع انتشاره بحيث يصعب علينا أن نصدق أننا نعيش حقا هذه المشاعر الضيقة الملتوية المرصوفة بالقلق والحزن على ما تقترفه مخالب هذا الوباء المفترسة لآلاف الضحايا وفي تصاعد مخيف..وكأننا نعيش في كل لحظة سلسلة أفلام رعب للمخرج هتشكوك..لقد أفرغ العالم من محتواه الحياتي..واختفى سائر البشر من المدن وطرقاتها..وأغلقت المحال التجارية والمطاعم والمقاهي والفنادق ونوادي اللهو..ودور العلم والجوامع والكنائس....وكأن الحالة حالة يوم القيامة..الكل خائف..والكل عاجز..وقال الله تعالى  (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله…)

  اين الجميع الذين كانوا يختالون في أجمل زي وابهى منظر..والنساء منهم على درجة من أناقة الثياب واكتمال الزينة  ونصاعة المظهر..بحيث كنت تخال أبسطهن عملا ثريةمن عميلات(كريستان ديور ) ملك الأزياء...!!!!

لقد اعتنق الجميع فكرة الاختفاء القسري داخل محاجرهم البيتية..وقد خفتت أصواتهم..ولبس الجميع الحجاب وتنقب خوفا من وباء لايرى وقد وقف الإنسان منا عاجزا عن الحراك يحملق بدهشة فيما يجري والقلب يكاد أن يتوقف ساكنا في جوفه..وخطر له أن الوباء أيا كان يتبعه ولا بد وهو في محجره  تزداد بشرته برودة..وينتصب شعره لهذه الفكرة..ويقف وساقاه ترتعشان تحته..ثم تبعث من الصمت الرهيب تلك الأنباء البطيئة عبر التلفزيون عن عدد الإصابات والوفيات ارتفاعا ونزولا..ولم يعد ثمة مجال للشك أن شيئا مجهولا يتبعه ويزداد اقترابا  في كل دقيقة..حتى بدا يتخيل الوباء وكأنه( الكنغارو) واثبا الى الأمام في وضع منتصب على ساقيه الخلفيتين القويتين  وساقاه الاماميتان مرفوعتان  أمامه في إنحناء..

فكرة كئيبة

حقا إنها فكرة كئيبة أن يرى المرء الوباء مخلوقا مختلفا تمام الاختلاف يفزع الناس  بسرعة مطاردته لهم الأخطبوطية وهو يتحرك قدما ويقرب بانفه من الارض.. ويشم أثر الإنسان..إنه زمن محفوف بالخوف حتى أنني ساذكره ما بقيت ذاكرتي..زمن أصبحت فيه أغلى أمنيات البشر العودة إلى الحياة العادية التي كانت لا تعجبهم وقد كانوا في نعمة لم يقدروها..حتى فقدوها....

وهكذا كان من الخير للإنسان يقينا أن يلتزم جانب البيت محجرا بعد أن لم يكن بوسع اية شجاعة أو أية آلة من الات الإنسان أن تقاوم هذا الوباء الذي قد لا يكون أكبر منا ولكنه أشد ضراوة منا..وأصبحت فرصنا خليقة بأن تبدو ضئيلة إزاء الابتلاء ولو تسلحنا بحرب عالمية ثالثة وباسلحة الكون كله....

وبات قمينا بأن نحظى بفرصة البقاء في جوف صمت محاجرنا البيتية وفي ظل جو مدلهم ولكنه أهون من ظل الفضاء الخارجي الأشد ادلهاما أسود غامض غير واضح المعالم.

وباء مليء بقوة وحشية..ووعيد..عجز الجميع عن أن يعينوا نوع هذا البلاء بأي تاكيد  في خضم قرائن متخبطة بين كونه فيروسا أو سائل(السارين القاتل ) قد يكون متسربا من مختبرات معينة..على أمل أن مزيدا من الدلائل  قد تساعدنا في الغد القريب على أن نحدد نوعه..والى ذلك الوقت نستطيع أن نحظى بقسط من الراحة النفسية والإقامة الاجبارية..ونحن في أشد الحاجة إليها لنأمن على أنفسنا بين جدراننا المحصنة التي لا يلجها ملامس للوباء اللعين.....

 

عدد المشـاهدات 75   تاريخ الإضافـة 09/04/2020   رقم المحتوى 38269
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأحد 2020/5/31   توقيـت بغداد
تابعنا على