00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  أحوالُنا في زمن كورونا وما بعدها

مقالات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

أحوالُنا في زمن كورونا وما بعدها

لويس إقليمس

 يعيش العالم عبر أكثر من 183 دولة، حالة صعبة من الهستيريا النفسية والعقلية بسبب نتائج جائحة فيروس كورونا المثير للجدل، سواءً في كيفية ظهوره أو إنتاجه أو انتشاره بسرعة فائقة لم تعرف حدود العرق واللون والدين والطائفة والمنزلة والصفة المجتمعية وما في هذه جميعًا من قدرات بشرية ومالية واقتصادية وعلمية لم تستطع جميعًا مقارعة الوباء. الصين بقدراتها البشرية والاقتصادية الهائلة، وهي البلد المتهم الأول بإخفاء معلومات عن تحديد زمن ظهور الوباء وكيفية علاجه أو الاتقاء منه، تعافت أخيرًا، ليس بطريقة شاملة ونهائية. إذ مازالت تترقب وتسجل حالات هنا وهناك، سواء تلك القادمة من خارج حدودها، أو البارزة من تحت الأنقاض المخفية من دون إثارة مخاوف بصدد هذه الحالات التي تعتبرها طارئة بعد إعلانها وضع حدود للانتشار الجارف للوباء منذ الإعلان عنه نهاية العام الماضي 2019. 

هناك مَن يرى في الوسائل والأساليب المتبعة من قبل أجهزة هذه الدولة الشيوعية بالرغم من وحشيتها أحيانًا وفرضها قوانين صارمة لا تقلّ قساوة عن سياسة نظامها الاشتراكي الماركسي في الحياة اليومية، أنه كان لا بدّ من استخدام شيء من القسوة والقوة والعنف للحد من انتشار الوباء قبل أن يتمكن من الفتك بشعبها الذي يتجاوز المليار ومائتي مليون إنسان يعتمد عليهم النظام في تشكيل قوة اقتصادية وتكنلوجية مرتقبة قادرة أن تجتاح الأسواق العالمية من دون منافسة في السنوات القليلات القادمات. حتى الطاغوت الأمريكي الجاثم على صدور سائر دول العالم، سوف لن يكون قادرًا في الحدّ من صعود هذا البلد الأسيوي الناهض من بعد انغلاقه الحزبي القديم بسبب تغيير منهجه الاقتصادي وانفتاحه الصحيح محسوب الخطوات على عالم اليوم مستفيدًا من تقنيات الأخير الحديثة المستجدة والمتجددة وكذا من قدراته البشرية وعبر منح شعوبه مزيدًا من مساحة الحركة والانفتاح والتعبير وبما لا يخرج عن سيطرة النظام المستبدّ في فكره وطريقة حكمه. ومادام الشعب راضيًا بطريقة حياته، فليكن ما يكون من أمر حكم قادته وطريقة سياسة البلاد والعباد!

أحوال الداء والدواء في العالم

في فلسفة الحياة هناك منطق للقول بأنّ "لكل علّةٍ دواءً ولكلّ كبوة قومةً"، إلا ما عصى على البشر من ذلك الخبيث مجهول المصدر وعاصي العلاج لغاية الساعة. ونحن لا نعتقد دخول فيروس كورونا ضمن خانة عصيان العلاج الممكن لهذا الوباء الجارف الذي أقعدَ نشاط العالم وشلّ حركة التنقل والسير وحجرَ ملايين البشر في منازلهم وجمّد الآلاف المؤلفة من المعامل والمصانع وأوقفَ تكتكة الماكنة الصناعية وعطّلَ برامج التنمية وألحقَ أضرارًا كارثية وخسائر اقتصادية فادحة في عموم دول العالم ولاسيّما الصناعية والنفطية. ولعلّ أشدّها هولاً وانكسارًا كانت على الدول التي تعتمد في بيع نفطها الريعي لسداد رمق العيش وتسيير الحياة مثل العراق. 

ونظرًا لكون التعمّق في البحث عن لقاحات أو أمصال تحظى بموافقة الجهات الصحية الدولية من حيث نجاعتها وكفاءتها الدوائية يتطلب استثمارات طائلة من قبل شركات ومراكز بحوث عالمية، فإنّ بعض هذه الأخيرة لا ترى في إيجاد لقاحات أو علاجات أو مضادات، جدوى اقتصادية كبيرة مثل صناعة الدواء الذي لا تنقطع طلباتُه العالمية وهو يخضع لمنافسة دولية شرسة من شركات إنتاج الأدوية التي لا تخلو بعضٌ منها من سمات الغش لتحقيق أرباح خيالية. وهذا هو السرّ في عدم تسارع وتيرة البحث عن إيجاد لقاحات تحدّ من قدرة هذا الفايروس المستجدّ بل المصنَّع والمطوّر بشريًّا وذاتيًا بحسب ما نقرأ ونسمع. وقد تطول فترة البحث أو اتخاذ القرار الحاسم بإقرار نوع وشكل العلاج الناجع، كما تطلع علينا يوميًا نشرات طبية وبحثية واستثمارية وتصنيعية متعددة. والحكم كما يبدو، يبقى بيد المختصين بالتأكيد، لكنه يدخل أيضًا في حسابات أصحاب القرار السياسي والشركات الاستثمارية الكبرى ومَن يسود العالم وعلى رأسهم أميركا التي لم تحسب حساباتها جيدًا فدخل الوباء من أبوابها الواسعة وليس من شبابيكها فحسب، بغير التوقعات وخارجًا عن الحسابات.

وإذا كانت جهات اختصاصية أو وكالات أو شركات لا تستشرف الوقوف على علاج ناجع وسريع للحالة التي تضيّق الخناق على أكثر من مليار من البشر، ومنها دول متقدمة في العلوم والتكنلوجيا، فيسجلُ العالم هذا الوباء حينئذٍ كونه من دواعي" القضاء والقدر"، كما حصل في سابقيه أيام الطاعون والملاريا والكوليرا والإيدز والسارس والحمّى وما سواها من أوبئة قاتلة حصدت أرواح الملايين من البشر في غابر الأزمان، حتى انتخت البشرية ولانت النفوس وتكاتفت الأيادي وتعاطفت القلوب مع ضحاياها. فكانت الكلمة الأخيرة للرحمة الإلهية التي ألهبت النفوس وليّنت القلوب وكسرت الحواجز بالعودة إلى رحمة السماء وحنان خالق الأرض وشعوبها الذي لا يرضى أبدًا أن يترك عبيدَه عزلاً وفي وحدة قاتلة يصارعون الموت، حيث تسارعت المعامل وشركات الأدوية لتقديم الأفضل في أنتاجها بل والدخول في منافسات عالمية شديدة. وربما ذات الموقف تسجله اليوم محنة جائحة كورونا التي فتحت أبواب الانتقاد على حكومات ودول دون غيرها بسبب سوء إدارة علاج هذا الوباء والشكوى من موقف عدد من الأحزاب الحاكمة التي أساءت التقدير في كيفية التعامل مع الأزمة وتخبطها الواضح واستخفافها الابتدائي بنتائجه وقدرته على إفناء البشر وإيقاف عجلة الحياةالمتمثلة فيما نراه ونشهده بأمّ أعيننا من كساد اقتصادي وأزمة مالية وربما لاحقًا من غلاء لا يحتمله الفقراء الذين لن يجدوا ما يؤمّنُ لهم خبزهم كفافهم اليومي إلاّ بصعوبة بالغة.

معالجة ازمات

من هنا، ليس من شكوك فيما يحذر منه خبراء في الاقتصاد والمال ومعالجة الأزمات من غياب التكاتف الدولي في المشاركة بالمعطيات والمعلومات التي ينبغي اعتمادها في محاصرة الأزمة الوبائية بجهود دولية استثنائية تعتمد الثقة والمصداقية في البحث عن مخارج علاجية سريعة قبل فوات الأوان والعمل على حصر المسببات للخروج سريعًا من الأزمة التي لم تفرّق بين دولة وأخرى أوشعب وآخرأو دين وآخر أو شخص وآخر، طالما أن الفايروس تنقل بكل يسر وسهولة عابرًا الحدود والدول من دون جواز سفر. ولو وُجد نظامٌ عالمي محترم من قبل الجميع لما تمكن مثل هذا الوباء من عزل ربع سكان العالم وحجرهم في بيوتهم مرغمين. وفي اعتقادي، ليس الوقت مناسبًا لإلقاء اللوم على هذا البلد أو هذه الجهة والتداول فيمن هو المستفيد من صناعة الفيروس وانتشار الوباء والمعرقل لسرعة اكتشاف المصل المضادّ. بل الحكمة والروية والرحمة والإنسانية تكمن في التكاتف الدولي والتعاون للخروج من الأزمة بأقلّ الخسائر البشرية. فالإنسان يبقى الأعزّ والأغلى، فيما الاقتصاد يمكن أن يتعافى والكساد يُعالج والمال يأتي ويذهب ولا يبقى منه إلاّ الأحاديث والذكر، كما يقول حاتم الطائي في عتابه لزوجته ماويّة. كما أنّ الأهمّ يبقى في الاستعداد لمرحلة ما بعد كورونا التي لن تقلّ شدّة في آثارها. فوجه العالم سيكون قابلاً لإعادة الهيكلة في العديد من مضامين الحياة. فما بعد الوباء لن يكون كما قبلها بالتأكيد!     

حالُنا في العراق 

إذا كانت البلدان المتقدمة علميًا وصناعيًا وإنتاجًا، ومنها دول الغرب وأمريكا والصين بشكلٍ أخصّ، يُشكّ في قدرتها على الصمود طويلاً أمام الأزمة الحادة التي أنتجها وفرضها وباء كورونا، فكيف بالدول النامية والفقيرة التي لا تتمتع بمثل هذه الحصانة العلمية والفكرية والثقافية والصناعية والإنتاجية والمجتمعية؟ هذا إذا أضفنا إلى هذه العوامل ما تتسم به بعض هذه الدول والشعوب ومنها دول المنطقة وبضمنها العراق، من واقع الجهل المجتمعي والعرف القبلي والعشائري القاتل وسيادة التقاليد والأعراف الدينية التي لا ترحم بقدر ما يستخفّ مروّجوها ومتولّوها بعقول أتباعهم للإبقاء على تخلّفهم وجهلهم بهدف السيطرة على إراداتهم الغائبة أصلاً في التفكير والتقدير والتعبير. لقد أثبت الواقع المجتمعي في العراق افتقاره إلى شيء اسمُه الامتثال لقانون فرض حظر التجوال منذ فرضه بتوصيات اللجنة العليا الوطنية لحين الاستنجاد بالأجهزة الأمنية لفرضه بالقوّة على مضض. ومن المؤسف أن يرى فيه بعض من هذه الأجهزة وسيلة جديدة للابتزاز والثراء وكسب المال بالتحايل على القانون المذكور وعدم تطبيقه بحذافيره على الجميع. فهل يُعقل أن يساوم بعض شخوص السيطرات الأمنية ما بين المحافظات وداخلها أصحابَ المركبات التي تنقل قوت الشعب والأدوية وسائر احتياجات العوائل المحجورة في منازلها من أجل السماح لها بالدخول للمدن مع البضاعة المحمولة؟ تلكم هي أقسى غايات الفاسدين الذين تعلموا هذه الدروس الفاسدة من أسيادهم الساسة في نهب المال العام وفي ابتزاز الشرفاء من رجال الأعمال والمقاولين واصحاب الشركات التي أذعنت بعضُها صاغرة لمساومات أحزاب السلطة وزعاماتها وذيولها بسبب ما تحمله وتتمتع به من سطوة ونفوذ وجاهٍ ومالٍ وسلاح.

كلّ هذا يُضاف إلى الحالة الاقتصادية المتهالكة لشبه الدولة العراقية المهزوزة التي تعتمد في سياستها على ريع بيع النفط الذي تدنت أسعارُه إلى أقلّ من الثلث قبل دخول البلاد في هذه المصيبة العالمية لتقف عاجزة بعد اشهر على دفع مستحقات موظفيها والمستحقين من المتقاعدين والمعتمدني على معونات الضمان الاجتماعي المتهالك أصلاً. فيما لم تبذل حكوماتنا المتعاقبة أية جهود لتدارك مخاطر هذه السياسة الخاطئة بسبب خلوّها وفراغها من أية مسحة استرتيجية أو رؤية بعيدة المدى. لذا بقيت ميزانية هذه الحكومات منذ السقوط في 2003 ولغاية الساعة أسيرة التذبذب في أسعار النفط العالمية تاركة غيره من الموارد في أيدي زعامات السلطة وميليشياتها تتقاسمُها وفق منهج كتلوي وحزبي وعرقي ومذهبي وطائفي مقيت في كلّ صيغه ووسائله. فالمنافذ الحدودية، جوًا وبحرًا وبرًا، يمكن أن تدرّ ما يعادل ثلث ميزانية البلاد فيما لو أُحسنتْ إدارتُها بأيادي نظيفة لمواطنين يعرفون قدر بلادهم ويحترمون سيادتها ويتبنون نهجًا وطنيًا في الانتماء والعيش والوظيفة. ومثلُها آلية جباية الضرائب التي ماتزال قاصرة ومقصّرة في واجبها وقوانينها ومفردات أساليبها وكوادرها الذين ليسوا استثناءً من تعرّضهم لإغراءات مادية تحدّ من نزاهتهم وتشكّل منهم أدوات للابتزاز المباشر وغير المباشر. وماذا نقول عن ابتزاز المقاولين في القطاع الخاص من جهات نافذة في السلطة لا تتورع في حلبهم مزيدة لهم ولغيرهم عناء البحث عن كسب غير مشروع، ومضيفة للبلاد شقاء الانتظار في إكمال مشاريع كان مصيرُها التلكّؤ بسبب تدخلات الساسة وسماسرتهم في الضغط للمزيد من الاستغلال على أرباب الشركات التي اضطرت لترك العمل بسبب هذه المنغصات. وللمزيد من الإيضاح، علينا بما سمعناه ونسمعه، ورأيناه على شاشات الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي من فضائح يندى لها الجبين بسبب خلوها من أية مسحة وطنية وإنسانية حين تعرّضها لقوت الشعب وخبز الفقراء الذين مازال يتاجرُ بهم ساسة الصدفة ولم يتعلموا بعد دروس الساعة! 

جهل مطبق

ناهيك عن حال الجهل المطبق الذي أفرزه احتلال البلاد منذ السقوط على يد أميركا التي تحكمت وماتزال تتولى رعاية العملية السياسية في البلاد متقاسمة الأدوار مع الجارة المحتلة إيران ودول إقليمية وعالمية وأخرى مجاورة تفرض شيئًا من السطوة بأيادي محلية ملطخة بالفساد والدم والجهل. وهذا الأخير ليس من صنع غرباء، بل فرضته أجندات دينية وطائفية وغيرها من تلك المتأسلمة بغطاء الدين  والمذهب لتفرض شكلاً من أشكال السطوة المجتمعية والطائفية بهذا الغطاء الذي ساهم علنًا وخفية في حلب ثروات البلاد والاستيلاء على ممتلكاتها بوسائل وطرق غير نظيفة بفحوى النفوذ والجاه والمنصب وفرض السلاح المنفلت.

طامة كبرى  

وهنا الطامة الكبرى! ففي كل مرّة، يصحو الشعب على وتيرة الغطاء الديني ليسكت عن الحق الذي يتغافل عنه في غفلة من الزمن الغادر ليعود أسيرًا لخرافات وخزعبلات أصحاب العمائم الموغلين بإبقاء أتباعهم أسرى ترّهاتهم المذهبية والطائفية بلطع الأبواب والشبابيك والحيطان والدروج وما سواها من المحروسة والمقدسة والمطهّرة بحسب نهج وتعليمات وتخاريف وكلاء وعّاظ السلاطين والموسومة بالقدسية والطهارة. ولا أدري من أين أتت هذه الطهارة وهذه القدسية لتكون هذه المواقع والمزارات حصينة ومحصنة ضد أنواع الوباء مثل كورونا وغيره. والمثير للسخرية والضحك في هؤلاء الأتباع من جهلة الشعب والمتخلّفين بينهم، الهرولة الطوعية بكلّ جهلٍ وراء بعض أصحاب العمائم ورجال الدين ضاربين عرض الحائط خطورة الوباء وتعليمات الجهات الصحية التي حذرت وماتزال محذرة من خطورة الموقف في حالة عدم الانصياع للتعليمات والحجر المنزلي قدر المستطاع. والأنكى من هذا وذاك، خروج بعض المعمّمين أو ممثلين عنهم للتشجيع بعدم الانصياع للجهات المعنية بحماية صحة الشعب وحفظ البلاد من القدر المحتوم. 

إنه التخلّف، بل الجهل بعينه! وكأنّ البطولة واحترام القدسية لا تكمن إلاّ باتباع الأسياد صغورًا وتقبيل أيادي أصحاب العمامات واللطع والتقرّب من مواقع أصحاب الكرامات بالطريقة التي يحددها وكلاء الأئمة الذين لو عادوا اليوم لنفوا كلّ علاقة لهم بهذه التخاريف، ونهوا عن مثل هذه السلوكيات التي إنْ صلحت بالأمس فهي لم تعد مقبولة في هذه الأيام. فالبعران والأحصنة والحمير والفيلة وما سواها من وسائل النقل قبل أكثر من 1400 عام استبدلت بالطائرات والقطارات والسيارات والدراجات وما إلى ذلك من وسائل حضارية متقدمة. ويا ويل مَن يبقى أسير دياجير الأمس الجاهلي. فمصيرُه الهزء به وافتقاده لأدنى احترامات العالم وأمم الأرض. وويلي على أمة ضحكت من جهلها الأمم! وحذار حذار من الإيغال في الاستخفاف بالجائحة ونتائجها الكارثية. ففي حالة عدم الانصياع للتعليمات والتوجيهات والمناشدات، فما ينتظرُنا أكثر حلكة وظلمة وسوادًا. ووقانا الله من شرّ البليّة.

 

 

عدد المشـاهدات 84   تاريخ الإضافـة 09/04/2020   رقم المحتوى 38268
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأحد 2020/5/31   توقيـت بغداد
تابعنا على