00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  هان شرّ زمان.. إشارة أولى عن الفوتوقص

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

هان شرّ زمان.. إشارة أولى عن الفوتوقص

نجاح هادي كبة

صدر عن مؤسسة ثائر العصامي مجموعة قصص قصيرة للناقد والقاص إسماعيل ابراهيم عبد وعلى الرغم من اهتمام القاص بشروط كتابة القصة القصيرة التي تهتم بالتكثيف والايجاز والايماءة والايحاء والرمز إلا ان القاص في مجموعته ( هان شرّ زمان ) تميز باشهار الصورة الادبية بل ركز عليها وجعلها محوراً للتعبير عما يجول في مخيلته من مضامين اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية واطلق الى جانب عنوان مجموعته هذه عتبة ( فوتوقص ) ليؤكد مسبقاً اهتمامة بالصورة الأدبية المركبة والبسيطة في توصيل مضامين قصصة القصيرة للمتلقي ( إن الصور تنفتح علينا وتنغلق لأنها نافذتنا على العالم ونافذة العالم علينا ، بل يمكن القول أنها تمثل عالمنا وتجربتنا الداخلية ؛ ولكنها في العالم المعاصر تتجه الى الاستحواذ على الحقل البصري ، وتحمل برسائل ، وتُضمنَ بمضامين ، وتشحن بعواطف ، إن المطروح على الفكر هو مسألة ليس الصورة فحسب ، بل ومسألة الوضع الانطولوجي للصورة ، أو ان شئنا القول مسألة وجودها وماهيتها ) . " فلسفة الصورة ، عبد العالي معزوز ، افريقيا الشرق – المغرب ، 2014 م ، ص : 144 " . لقد استطاع القاص تطويع الصورة الأدبية وتوظيفها لتوصيل مضامينه على نحو يجعلها مفهومه أو في الاقل قابلة للفهم من خلال اهتمامه بالزمان والمكان والصراع والحبكة ثمّ القفلة التي تنتهي بها قصصه جميعها بانسيابية تشعر المتلقي بضربة مفاجئة وبلغة بعيدة عن الغموض ولكن بشفافيه رمزيه تجعل المتلقي منشداً للتأويل ولاسيما ان الكثير من قصص المجموعة كانت شخوصها على لسان الحيوان والنبات ما جعل القصص اشهارية تستميل رغبة المتلقي الذاتية والموضوعية وتشبع نهمهُ فكأنما تعكس القصص لوحة تشكيلية باللون والضوء والحركة والشكل وتشجع المتلقي على الاقناع فتسهم كسلطة في صناعة الرأي العام ( ان العصر الحديث يخضع برمته للنظام البصري ، فـ " الكائن برمته – إذا جازلنا استعارة عبارة هيدجر – مشروط بثقافة وتكنولوجية وماهية الاتصال ) المصدر السابق ، ص : 155 " ولابد من الاشارة الى أن الصور في الأدب يمكن للقاص ان يوظفها بدلالات ورموز مختلفة وكثيرة يقصدها القاص ( ان الصورة في الفن تفوق الانماط الاخرى للصورة ، وتحتوي على فائض قيمة لا نعثر عليه بين أنماط الصور الاشهارية و الدعائية زالسياسية ) " المصدر السابق ، يتصرف ، ص : 169 " وفي القص فان الصور تسلط الاضواء على مدى التوافق بين الموضوع والصورة فهي تساعد على انتشار الموضوع بالصور وهذا ما كان في قصص المجموعة ولاسيما أنها تتماهى بالحكي بأسلوب حداثوي لايشعرك بأنه اسلوب منطقي في تسلسل الأحداث ثم ليأخذ بيدك الى التأثر والانفعال واستيعاب المضمون بصوره المتحركة والثابتة . ( وهذا يعني ان اللغة مهما اعتمدت على بلاغتها مجازاً او استعارة فلن تصل الى جمالية الصورة وقدرتها في التأثير ... لان ما يراه في هذا الكون هو صورة ترسم على شبكة العين عند النظر . فهل لدى الانسان قدرة على تجاوز الصورة او الاستغناء عنها ؟ ) " بدلاً من الخوف وجهة نظر في اشكاليات أدب الحداثة ، عبد العزيز إبراهيم ، دار الشؤون ، بغداد ط1  2019  ص  : 302 .

• إشارة أخرى عن تفكيك القص :

استند القاص في قصصه البالغة الخمس والستين قصة قصيرة الى أساليب الحكي المنطقي الذي يتصف بالتمهيد فالحدث والصراع والحبكة الدرامية ثم القفلة المفاجئة . لكن القاص يشعرك أن اسلوبه حداثوي من خلال مضامين مستجدة أحداثا وشخوصا بأسلوب لا يخلو من الرمز والفانتازيا وبصور حسّية ( فوتوقص ) إذ تسيطر الصورة على كل قصة وتنمو بالاحداث حتى القفلة ويلاحظ على اسلوبية القاص وعلى النحو الآتي :

1- توظيف الاسلوب الحكائي التراثي ؛ بشكل حداثوي : كما في قصة : نظافة ، ص : 111 وقصة الدخول ، ص : 104 وقصة لهو ، ص 90 وقصة يوم ليس أخير ، ص : 101 إذ جاءت كالآتي :

لقيه لم تمسسها يد .. يقال انها مخبأة تحت جذر بارز للسدرة ! ..

سمع بذلك قبل أربعين سنة ..

بعد أن كَبرُ كانت السدرة قد ماتت ، لكن جذرها الملتصق بالساق مايزال في مكانه يؤلف قرصنة مكورة يستدل على أنها تنام على شيء كالرمل ضخم ومكتنز وقابل للفض ..كانت معه عدسة ومثقب ، وكلاهما ينفذان بيسر في الأشياء الرخوة والشفافة .. حين أدخل المثقب وضع العدسة على طرفة الأعلى .. وعبر ثقب في أعلى المثقب كشفت عدسته منفذاً ضوئياً مابين الطرف الأسفل والأعلى .. راح يراقب حركة المثقب ، وحركة اضاءة منبعثة من فم المثقب الداخل في رقائق الجذر الصلبة ظاهرياً ، ..

ما أن وصل في المثقب دون منتصف عموده عمقاً توقف عن التوغل .. نظر اليه عبر العدسة .. كان الومض المتطاير وحده يبعث بنور آخر مخدَر !.

توجس حُيفة .. حاول الضغط على يد التحريك اللولوبي ، اندفعت يده بالمعكوس .. يئس ، وتراجع عن الحفر على أمل ان يعود ثانية في يوم آخر ! .

نسي الموضوع عشر سنين .

2 – تقليد إسلوب السيرة : كما في قصة ، دأب ، ص : 61  وقصة تودد، ص 59  وقصة عمي ، ص 58  جاء في قصة دأب :

  لا يشبع  ، لا يمل ، لا يتوانَ عن فعل ما يحتاج اليه !

ليله مثل مثل نهاره .. صيفه مثل شتائه .

أخذت التربة الرخوة ، الرطبة تخامر منخزيه ، يلذ له قضمها ورميها أشلاء مفككة ، يكاد يأكلها لوجاع فجأة .

ليس جائعاً .. وليس تعباً .. ولن .. يتوقف عن عمله هذا .. طوال الليل ..

يجوب الأرجاء الفسيحة ، الضيقة ، المتسخة ، النظيفة .. الأرجاء الواطئة ، الأرجاء التلالية ذات اللون الأسود ..

يبهره هذا اللون حتى لو كان صبغاً لفخ !.

يبهجه الضوء لنهار الصيف ، إذ يحبب له اللعب والغزل والتسلق بيسر ، وقد يجد لنفسه ( غذاء ) ثريا ..

يتلذذ يأكله لبرازه .

الصيف وقت طويل يغري بالنمو والتضخم والنهم لكل متطلبات البقاء .. لا يزعجه قصر النهار فالليل الطويل للشتاء القصير يعطيه فرصة ان يديم جولاته المسائية ، يخرج من القنوات المظلمة نحو الهواء الطلق !.

3 – توظيف أساليب أخرى متفرقة : كالتأثر بالقصص الحيواني مثل قصة شراكة ، ص 65 وتوظيف الحلم كما في قصة ظلمة قصية ، ص 89   وقصة سيحلم سادسة ، ص 91 . او التأثر بالقرآن الكريم كما في قصة خيّرتني ، ص : 138  إذ جاءت كتناص مع قصة النبي أبراهيم حيث أمره الخالق ان يذبح ابنه اسماعيل لأختبار صبره وطاعته لله سبحانه وتعالى . وجاءت قصة خيرتني كالآتي :

كنت تدرك ما تريد .. تعرف جيداً مابيني وبينها .. مسكت معصمي الأول ، قلت ربما سنجدها بعد رصيف أو رصيفين .. وعبرنا الرصيف الأول والثاني ولم نجدها ..

قلت قد نجدها بعد رصيفين آخرين ، واخترنا الرصيف الثالث والرابع .. قلت قد نجدها بعد ذلك التقاطع الواقع بعد الجسر .. وقدتني ضممت بيدك القابضة معصمي الثاني ..

حين صرنا بعد الجسر عجزت أقدامي عن الحركة شددت معصمي ، وبأقرب حفرة عند التقاطع وضعتني وأهلت التراب عليّ تخدر جسدي وتعتم نظري .. قبل هذا كنت قد خيرتني بين ابنتي وحياتي !.

ولابد من أن أشير الى أن قصص مجموعة ( هان شرّ زمان ) للقاص والناقد إسماعيل ابراهيم عبد جاءت كمحاولة للتجديد في السرد العراقي وأراه قد حقق ذلك بأسلوبه ( الفوتوقص ) الرمزي والواقعي والفانتازي.

 

 

عدد المشـاهدات 766   تاريخ الإضافـة 09/03/2020   رقم المحتوى 37552
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأربعاء 2020/5/27   توقيـت بغداد
تابعنا على