00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  مكابدات الكرملي ومسرّاته في إصدار أعرق مجلة ثقافيّة ببغداد (1-2)

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

مكابدات الكرملي ومسرّاته في إصدار أعرق مجلة ثقافيّة ببغداد (1-2)

عطّلتها الحرب الكونيّة الأولى 12 عاماً وأوقفها كساد الثلاثينيّات العالميّ

 

 

حسين محمّد عجيل

 

 

طالع أدباءُ بغداد ونخبةُ متعلّميها، صبيحةَ السبت الأوّل من تموز 1911 العددَ الأوّل من مجلّة جديدة جاء في ترويستها أنّها شهريّة أدبيّة علميّة تاريخيّة، وكان اسمها "لغة العرب"، وهذا الاسم يبدو مثيراً للتساؤل، وربّما القلق في ولاية تابعة للدولة العثمانيّة، التي أصبح يمتلك سلطة القرار فيها منذ بضع سنوات حزب الاتحاد والترقّي المنتهج للنزعة الطورانيّة بتشدّد، وتقوية استخدام اللغة التركيّة وترسيخها في كلّ ولاياتها بآسيا وإفريقيا وأوربا، بوصفها اللغة الرسميّة للدولة المترنّحة والموشكة على التفكّك، فخيّب الحزب بهذا آمال العرب والشعوب غير التركيّة بعد فرحتها القصيرة بإنهائه الاستبداد وإعلانه الدستور والحريّات سنة 1908.

لكنّ نخبة أدباء المدينة لم يستغربوا اسم المجلّة، حين قرؤوا اسم صاحب امتيازها والقائم بمهام رئيس التحرير، الأب أنستاس ماري الكرملي (1866-1947) فهم يعرفون ذلك الراهب البغداديّ العاشق للغة الضاد، المقيم طوال حياته المديدة في دَيْر الآباء الكرمليّين مقابل منارة سوق الغزل وسط بغداد القديمة، وسبق أن قرؤوا له منذ سنة 1886  عشرات المقالات عنها وعن تاريخ العراق وأمّهات مدنه وتراجم أدبائها وكتّابها ورجالاتها في أشهر صحف اسطنبول العربيّة كـ "الجوائب" والضياء"، و "البشير"، ومجلّات مصر ولبنان وسوريا، كـ"المقتطف" و"الهلال" و"الزهور" القاهريّة، و"المشرق" البيروتيّة، و"المقتبس" الدمشقيّة..

كتابات بالفرنسيّة

كان حجم المجلّة الجديدة من القطع المتوسّط، والعدد الأوّل كان يقع في أربعين صفحة، طبع في مطبعة الآداب ببغداد، وكان الفارق ملموساً بين المحتوى والشكل لغير صالح الثاني، وظهر اسم الأديب والشاعر الشاب كاظم الدجيلي تحت اسم الكرملي بصفته المدير المسؤول للمجلّة. ولفت انتباه جميع القرّاء شيء آخر جديد، إذ كُتب باللّغة الفرنسيّة على الغلاف الأخير للعدد اسم المجلّة والجهة التي أصدرتها وصاحب امتيازها، وكلّ البيانات الخاصّة بها كبدل الاشتراك في بغداد وكذلك في الديار العربيّة اللسان، ثمّ في الديار الأجنبيّة، كما ظهر في ختامها فِهرست موادّها بالفرنسيّة، فضلاً عن صفحة ونصف الصفحة تُرجمت فيها مقدّمةُ الكرمليّ للتعريف بالمجلّة وخطّتها، وكان هذا التقليد غير مألوف آنذاك في ما صدر ببغداد من صحف كثيرة ومجلّات لم تزد عن ثلاث فقط، ولائحة الاشتراك الخاصّة بالحواضر العربيّة والأجنبيّة المسعّرة بالفرنك الفرنسيّ، تعني أيضاً أنّ المجلّة ستصل إلى عواصم دول أوربا فضلاً عن الحواضر العربيّة، وهذا أيضاً ممّا لم يعهدوه في صحافة العراق الوليدة، فالمعتاد آنذاك أن العراقيّين يتلقون ما يصل كبرى مدنهم من مجلّات وصحف شهيرة تتركّز معظمها في ثلاث مدن عربيّة سبقت بغداد وحواضر العراق بدرجات مختلفة في الاتصال الحيويّ بحضارة العالم الحديث، فإن كان طموح صاحب "لغة العرب" أن يراهن على جودة منتجه الصحفيّ في أوّل ظهوره، ويقتحم به هذه المدن العربيّة الثلاث المصدِّرة للثقافة الجديدة (القاهرة وبيروت ودمشق) وسواها، ويتجاوزها إلى عواصم العالم الكولنياليّ الكبرى في أوربا وغيرها، حيث أهمّ الجامعات ومراكز الأبحاث الاستشراقيّة، فهذا حدث غير مسبوق عراقيّاً.

معركة الحداثة

وأثار نظر الجميع أنّ أولى مقالات عدد المجلّة الأوّل جاءت بعنوان "فضل أهل العراق على سائر أقوام الآفاق في جمع شتات لغة العرب"، بقلم الكرملي نفسه، التي نادى فيها باستيحاء إنموذج مدرستي البصرة والكوفة اللّغويّتين، وإنشاء أكاديميّتين على غرارهما تتنافسان على إعادة الحياة للغة العربيّة، والمقالة تبثّ رسالة حداثيّة جليّة وغير معهودة، عن توجّهات المجلّة وصاحبها، وتعلن تبنّيه خيار التحديث، ودعوته هذه غير المسبوقة بهذا الطموح العالي، تثبت أنّ ما كتبه الرجل في كلمة التعريف بالمجلّة بقوله: "رأينا من المناسب، أن ننشئ مجلّةً تفي بما في الأمنية ليدخل العراق في مصاف الربوع المعروفة بين الأمم المتمدّنة المتحضّرة"، لم يكن مجرّد إنشاء، في المسائل التي يجيدها في الأقل، فهو قد أعدّ العدّة مبكّراً لخوض غمار معركة طويلة لتكون العربيّة لغة الحياة والإدارة والقضاء والتعليم في البلاد التي قعّدت أصول علومها في النحو والصرف والإملاء والمعاني والبيان، وتعهّدت شعرها ونثرها جمعاً وتبويباً، وجمعت مفرداتها خاليةً من اللحن، من أفواه أبناء القبائل المختلفة والأعراب في البوادي، ووضعت لها أوّل معجم هو كتاب "العين" مأثرة الخليل بن أحمد الفراهيدي البصريّ الذي شرع الكرملي بنشره قبل اندلاع الحرب الكونيّة الأولى، ووضعت كذلك أوّل كتاب فذّ يكشف أسرارها للراغبين هو "الكتاب" لسيبويه البصريّ تلميذ الخليل، لكنّ الكرملي لم يلبث أن دفع وشيكاً ثمن ريبة العثمانيّين به لمناداته بلغته العربيّة، برغم ابتعاده المعروف عن السياسة وانقطاعه التامّ للبحث العلميّ وتأدية طقوسه الدينيّة، وذلك حين نفوه مع بعض زملائه الأدباء في بدء اندلاع الحرب الكونيّة الأولى سنة 1914 إلى مدينة "قيصري" في الأناضول لمدّة 22 شهراً، فكانت هذه التجربة المريرة، مع تداعيات الحرب العالميّة الأولى، سبباً في تعطيل مجلّته عن الصدور طويلاً، حتّى استمرّ 12 عاماً، بعد أن كان أصدر منها ثلاثة مجلّدات وبعض المجلد الرابع، وتوقّف كذلك مشروعه الرائد في نشر كتاب "العين" للفراهيديّ، ليتأخّر تحقيق هذا المعجم الفريد ونشره أكثر من ستة عقود على يد تلامذة تلاميذه، وببغداد أيضاً. 

بين السرور والشقاء

لا شكّ في أنّ الكرملي كان مدركاً لمثل هذا المآل المتربّص به، وإن عمل جاهداً على تفاديه من دون أن يحيد عن تنفيذ خطّته، وهو يعلم تماماً بمصير صديقه الصحفيّ الرائد الجريء عبد اللطيف ثنيّان، الذي أصبح أحد أبرز كتّاب "لغة العرب" في بداياتها، حين نشر خبراً في العدد 1712 من جريدته "الرقيب" البغداديّة الصادر في شهر آذار من سنة 1909 زفّ فيه بشرى للعرب، فحواها أنّه علم من مصادره الخاصّة عزم الدولة العثمانيّة على جعل العربيّة اللغة الرسميّة الثانية في ولاياتها كلّها، فما كان من والي بغداد التركيّ سوى أن بعث بجندرمته فجلبوا ثنيّان إليه، فعاقبه بنفسه على نشر الخبر ضرباً مبرّحاً بعصاه، فهرب ثنيّان بعد ذلك إلى الموطن الأصليّ لأسرته في بلاد نجد، ولم تتحقّق بشارته بعد ذلك أبداً، مع أنّ العربيّة هي لغة الدين الرسميّ للدولة العثمانيّة، ويتعبّد بها معظمُ مواطنيها ونظامُ حكمها ذو الصبغة الإسلاميّة والمتخذ اسم الخلافة، ولم تنس السلطة أن تضع ثنيّان في صدارة قائمتها السوداء، فنفته سنة 1914 ستة أشهر، مثلما فعلت بالكرملي وسواه.

تجربة متواصلة

هكذا كانت حال الكرملي متأرجحةً بين السرور والشقاء في تجربة مواصلة إصدار المجلّة الأعرق في تاريخ صحافة البلاد وثقافتها، وهي تجربة ثريّة تستحقّ الوقوف عندها طويلاً ودراستها، لأن "لغة العرب" كانت في مطالع نهضة العراق الحديثة، الدوريّة العراقيّة الأكثر شهرةً في الفضاء العربيّ ونخبة الفضاء الأوربيّ المهتمة بالعرب ولغتهم وتاريخهم وتراثهم، ولأنّ مجلّداتها التسعة ما زالت تشكّل مرجعاً لا غنى عنه لدراسة الأدب والثقافة والتاريخ العراقيّ القديم والإسلاميّ والحديث، وأشتات من تاريخ محيطه العربيّ والإسلامي المجاور، ولا سيما إمارات الخليج وحواضرها وصراعات أمرائها وقبائلها، فضلا عمّا احتوته من مباحث تتناول اللغة العربيّة وتطوّر صياغة مصطلحاتها، والتصويب اللغويّ، والتعريف بالمخطوطات النادرة، ودراسات تعالج شؤون الأديان والأقليّات وطقوس المذاهب، وخصائص العاميّة العراقيّة والفلكلور والآثار والتراجم وتاريخ المدن المندثرة والحالية، والتعريف بالكتب الصادرة ونقدها.. ولأنّها أيضاً المدرسة التي تخرّج فيها كوكبة من كبار الأدباء والكتّاب والصحفيّين العراقيّين، معظمهم كانوا شباباً وأخذ الكرملي بأيديهم، ولنا أن نذكر قائمة تطول من الأسماء البارزة كان للكرمليّ دور مبكر في حثّهم على الكتابة وترصين قاعدتهم المعرفية، ومنهم: الدكتور مصطفى جواد، ويعقوب سركيس، والأخوان الشبيبيان: محمّد رضا ومحمّد باقر، وعبد الرزّاق الحسني، وروفائيل بطّي، وعباس العزّاوي، وعلي الشرقي، وإبراهيم حلمي العمر، وكاظم الدجيلي، وأحمد حامد الصرّاف.

سجلّ يسرد قصّة المجلّة

ومن حسن الحظّ أنّ الكرملي ترك لنا سجّلاً وثّق فيه على نحو مجمل جوانبَ من مكابداته ومسرّاته وهو في خضم هذا المعترك الذي منحه جلّ وقته وجهده، فقد اعتاد على أن يفتتح العدد الأوّل من كلّ مجلّد بمقدّمة يذكر فيها ما يواجهه من منغّصات مختلفة يذكر بعضها ويسكت عن بعض، كتلك المتعلّقة بتخلّف وسائل الطباعة في العراق وغلاء الورق والحبر، ومن عقبات ناتجة، على الأرجح، عن ضعف البنية التحتيّة اللّازمة لتسويق المجلة وتوزيعها في الداخل والخارج، من تأخّر وسائل النقل والبريد وتداول الحوّالات الماليّة، وغياب وكالات التوزيع.

وفضلاً عن التدخّلات البشريّة السلبيّة التي كان يلمّح إليها أحياناً، عانى كذلك، وبشدّة، من قتامة الظروف الاقتصاديّة المزمنة الناتجة عن الحروب والصراعات الدوليّة غالباً، ولم يجد بدّاً من التكيّف معها والصبر على تحمّل الخسائر المترتّبة عليها، أملاً في سدّ العجز بتدابير كان يجهد نفسها فيها، وهذه تحديات جديّة ما كان بإمكانه تجاوزها لو لم يكن متوفّراً على إرادة قويّة تدفعه لمقاومتها بضراوة، يشجّعه على ذلك الصدى الطيّبُ الذي كانت المجلّة تلقاه من النخب الثقافيّة بالعراق وفي معظم مدنه الكبيرة نسبيّاً، ولا سيما النجف والموصل وكربلاء والحلّة والبصرة وأربيل فضلاً عن بغداد، وبالعالم العربيّ وبالأخصّ في مصر التي كان لكثير من كبار كتّابها وأدبائها وشعرائها مقالات وأبحاث وقصائد في المجلّة، وكذلك لبنان وسوريا، ثمّ فلسطين والحجاز، وبالعالم الإسلاميّ كايران والهند (قبل انشطارها)، إذ كان لبعض الكتّاب والباحثين الإيرانيّين المتقنين للعربيّة إسهام في رفد المجلّة بما يزيد عن 60  مادة، أكثر من نصفها لمحمّد مهدي العلوي، فضلاً عن الترحيب الكبير بها لدى أوساط المستشرقين في معظم دول أوربا، كفرنسا وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا وهولندا والنمسا وإيرلندا والمجر وأسبانيا وروسيا، وهؤلاء كانت حماستهم منقطعة النظير للمجلّة، وحاجتهم إليها ماسّة، وكانت اشتراكاتهم فيها تعوّض شيئاً من الخسارة الماليّة التي كانت تتكبّدها جرّاء الأزمات الاقتصاديّة التي تزيد من سعر الورق والطباعة وأجور البريد، حتّى أدّت أزمة الكساد الكبير التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكيّة أوّلاً سنة 1929 لتظهر ارتدادتها الكارثيّة مطلع ثلاثينيّات القرن الماضي في أوربا والعالم كلّه، إلى توقّف المجلّة عن الصدور نهائيّاً مع نهاية سنة 1931 بعد اكتمال صدور مجلّدها التاسع والأخير.

لم ينتبه معظم دارسي الصحافة العراقيّة، إلى أهميّة مقدّمات الأب أنستاس الكرملي المتسلسلة التسع لمجلّدات "لغة العرب" الـتسعة، الصادرة في السنوات 1911  و1912 و1913 ثمّ 1926  و1927 و 1928 و1929 و1930 و1931 التي تسلّط أضواءً كاشفة على رحلته المضنية واللذيذة أيضاً مع مجلّته الشهيرة، والتي صنع فيها تاريخاً جديداً لصحافة العراق وثقافته وأدبه، كما لم يتوقّف عندها مَن كتبوا عن تاريخ حياة الرجل الكبير، بوصفها مجموعة حلقات تكمل كلّ واحدة سابقاتها، حتّى تتكامل وثيقةً مختصرة تسرد قصّة المجلّة وصاحبها طوال تلك السنين، وسأستعرض هنا صفحات من هذه القصّة بأطوارها المختلفة.

حاول جسيمات الأمور

هذه العبارة، التي هي جزء من بيت استشهد به الكرملي في مقدّمته للعدد الأوّل من "لغة العرب"، الصادر يوم السبت 1 تموز 1911 كانت البؤرة التي تنشدّ إليها تلك المقدّمة كلّها، وهي توضّح طبيعة المغامرة التي شرع فيها الكرملي، بإصدار مجلّته الجديدة، لتكون رابع أقدم مجلّة عراقيّة، بعد "زُهيرة بغداد" التي صدرت سنة 1905 واستمرّت مدّة قصيرة وكان هو محرّرها، ثم مجلّة "العِلْم" التي أصدرها هبة الدين الشهرستاني بالنجف سنة 1910  ومجلّة "خردلة العلوم" التي أصدرها تلميذه رزّوق عيسى سنة 1910 أيضاً ولكن ببغداد، فبعد أن عرّف الكرملي بهدف المجلّة وخطّتها، وتحدث بأسهاب عن أبوابها، شكا بأسف من صعوبات فنيّة وتقنيّة واجهته، في فقرة بعنوان "أسفنا" قال فيها: "نأسف لكوننا لم نجد في حاضرتنا دار السلام كاغداً كبير الحجم لنصدر هذه المجلّة بقطع سائر المجلّات العربيّة في الديار الشاميّة والمصريّة.

نأسف لكوننا لم نجد حرفاً كحرف سائر المجلّات وسط الكبر، ليكون طبع هذه الصفحات رائقاً للنظر، لا ضخمَ الحرف ولا دقيقَه.

نأسف لكوننا لم نر هذا الحرف كامل التنقيط في ياءاته ولا كاملاً في بعض تصاوير حروفه. لاسيما:...".

وحين ذكر الفقرة الخاصّة بياءات التنقيط هذه، أراد أن يقدّم مثالاً على ذلك بعد لفظة "لا سيما"، فجاء السطر فارغاً، لعدم قدرة مجمّع الحروف في المطبعة على أدائها، ولعلّه رسمها بيده ولم تظهر عند الطبع.

ويختتم الكرملي تأسّفه المتكرّر، بقوله: "نأسف لكوننا لا نستطيع أن نضبط بعض الكَلِم بالشكل الكامل من حركات وعلامات لعدم وجودها، فنضطر للضبط إلى ذكر التلفّظ بالحرف بكلام يطيل البحث بدون أن يزيده فائدةً تذكر".

 

 

عدد المشـاهدات 251   تاريخ الإضافـة 08/03/2020   رقم المحتوى 37505
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأربعاء 2020/5/27   توقيـت بغداد
تابعنا على