00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  قراءة واقعية في أسباب إنتفاضة تشرين
56583.jpg - 770*511 - 158 KB

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

لماذا تتداعى الدولة وينهار النظام السياسي؟

قراءة واقعية في أسباب إنتفاضة تشرين

أمان مفقود ونظام صحي بائس وجيوش جرارة تتخرج إلى البطالة

 

عمار طاهر

 

فجرت انتفاضة أكتوبر مراجل الغضب المكبوت في صدور أبناء بلاد ما بين القهرين، لتمحو كل خطوط الخوف التي تمترست خلفها معظم القوى السياسية على مدى عقد ونصف، بل تجاوز ذلك الى المساس بالمقدس من رموز دينية ظلت الى وقت قريب خطوط حمر لا يفكر أحد مجرد الدنو منها.. فهل ما حدث له أسباب موضوعية ام هو نتيجة منطقية؟ لماذا هزّ اعتصام شبابي نظاما سياسيا ظل يؤسس لنفسه على مدى أعوام، فراح يتداعى في ايام، كأنه قلعة رمال عصفت بها أصوات واجسام غضة، فقدت الامل بالحياة، فغدت تستقبل الموت بصدور عارية على الجسور وفي الساحات العامة.

من المسؤول؟

شباب يبحثون عن وطن يحترم فيه المواطن، ويحظى بحقوقه المدنية على أساس المساواة والعدل، تحت مظلة الدستور والقانون، لا مكان فيه لتنظيمات مسلحة خارجة عن الدولة.. وطن يقدم تعليما رصينا، ويوفر خدمات صحية عالية الجودة، في بيئة نظيفة، وشوارع زاهية، ومؤسسات خالية من الفساد تستقبل المراجعين.. تهيئ لهم سبل الراحة، وتنجز معاملاتهم دون رشا او محسوبية.. فهل فشلت الحكومات المتعاقبة في ذلك؟ ومن المسؤول؟ السلطة ام المواطن؟ ام كلاهما معا؟

 لقد أسس النظام السياسي بعد عام 2003 مبدأ تقسيم المجتمع وتشظيه عبر إقرار الدستور على أساس المكونات وليس المواطنة، لتوزع الأحزاب الماسكة بالسلطة البلد الى حصص، وتنظر الى ثرواته كغنيمة يجب ان ينالها الفرقاء السياسيون عبر تقاسم مناصبه التي تصل الى رئيس قسم في دوائر المحافظات بغض النظر عن الكفاءة والخبرة والنزاهة.

المفارقة ان هذه الأحزاب لا تمثل الا نفسها والمحسوبين عليها، وليس لها علاقة بمكونها الأصلي، فهي تقدم ذاتها كمدافع ومساند لجماهيرها، وفي الوقت نفسه تهمش قواعدها من الناس، ولا تمنح المؤهلين منهم الفرصة، ليصبحوا واجهات مشرقة لها، حيث زرعت المنتمين اليها، واغلبهم من عديمي كفاءة.. متصيدي فرص.. لا يؤمنون بمبدأ او ايدولوجية.. همهم الأكبر الامتيازات والكسب السريع غير المشروع.. هؤلاء تقتصر مهمتهم على ضرع الوزارات والدوائر كبقرة حلوب، وتحويل الأموال الى اللجان الاقتصادية..

هيمنوا على معظم المراكز المهمة المدنية والعسكرية بما فيها حتى التنظــيمات المهنية والنقابية، لينتشر الفشل في معظم مفاصل الدولة.

نشر مسؤول كبير في احدى دول البلقان مذكراته، وكانت على شكل اعترافات صريحة، تحدث فيها عن المهمة الرئيسة التي أوكلت اليه من دولة كبرى، مهدت له طريق السلطة، واشترت ولاءه المطلق.. أكد ان واجبه هو وضع العاجزين، ومسلوبي الإرادة في المناصب الحيوية، لضمان عدم نهوض البلد، وبقائه متخلفا وضعيفا، حيث يضحى الفشل مزمنا، والاخفاق دائما، ويتجذر الخطأ، ويصبح بنيويا لا يمكن استدراكه او إصلاحه.

خط الشروع نحو نقطة الانهيار كانت وماتزال المحاصصة، والاقبال على المال العام، كما تقبل الإبل الجائعة على عشب الربيع، فلا تبقي ولا تذر، الى درجة وصلت ان تباع مناصب الدولة وتشترى في مزادات علنية تقام بدول الجوار بطريقة لا تختلف كثيرا عما كان يحدث اذبان حكم الدولة العثمانية، حيث يُرسل الوالي الى بغداد مقابل مبلغ مقطوع يقدمه سنويا للباب العالي، فيسابق الزمن، ويسرق الناس، لها ولنفسه.. على شكل ضرائب واتاوات ورشا.

بلد خارج الزمن

المواطن العراقي وجد نفسه بعد 15 سنة وريثا لبنى تحتية متداعية.. كهرباء غير مستقرة مقابل هدر مليارات الدولارات، ماء غير صالح للشرب يختلط مع المياه الثقيلة.. محافظات بلا مجارٍ.. شوارع بلا انارة مملوءة بالمطبات والحفر.. مدن خارج الزمن.. عشوائيات تغزو الاحياء السكنية.. مواطنون تحت خط الفقر يعتاش بعضهم على مكب النفايات.. مؤسسات حكومية ذات بنايات غير صالحة للموظف والمراجع على حد سواء.. مكتظة دائما.. روتينية ابدا.. يشعر فيها الناس بالإهانة، فلا مقاعد للجلوس والانتظار، ولا يمكن ان تنجز المعاملة في العادة الا بدفع المقسوم.

الكثير من هذه الدوائر الحكومية عبارة عن دور سكنية، لذا ليس من المستغرب ان تجد الموظف يجلس في المطبخ، وهو يستقبل المواطنين، ويضع ملفاتهم على الحوض، مثلما شاهدت ذلك بأم عيني في احدى الدوائر الخدمية، ولا اعرف لماذا لا ينتفض هذا الموظف على مكان عمله البائس او يعترض ذلك المراجع؟ مع ان الدولة وبسهولة ممكن ان تشيد لمؤسساتها الخدمية قاعات حديثة في الأراضي المترامية الأطراف، تتوفر فيها سبل الراحة، فضلا عن مرأب وقوف السيارات

إزاء كل ذلك.. كيف تتوقع الحكومة واحزابها ان لا تثور عليها الناس؟ وقد سعت الى محو خطوط الهوية الوطنية، واضعفت قيم الانتماء، بعد ان ارست ثقافة الفرقة، وادبيات الفساد، وحولت الدولة الى شركة مفلسة مثقلة بالديون، تعاني العجز المتواصل في الموازنة العامة، حيث وظُف النظام الديمقراطي، ونفذ من نقاط ضعفه مئات الفاسدين واللصوص، وإذا استعرضنا السنوات السابقة، والاسماء العديدة، نجد الكثير من الوجوه ظهرت ثم اختفت.. جاءت من الخارج لإنقاذ الوطن من الديكتاتورية، وبناء العراق الجديد، فسلبت ونهبت وعادت من حيث أتت.. رجعت بجوازها الأجنبي، حيث تقطن العائلة، وتتراكم الأموال المسروقة، فضلا عن استلامها راتبا تقاعديا من عيار الدرجات الخاصة.. تراه استحقاقا عن خدمة لا تتجاوز بضع سنين.. وأحيانا بضعة أشهر.

طبيعة النظام السياسي، وسماحه بالأثراء السريع والسهل وغير المشروع، جعله هدفا لأصحاب المطامع، ممن يجيدون بامتياز مهارة خداع الناس، واستقطابهم نحو صناديق الاقتراع.. يظهرون اوقات الفوضى.. يحتلون شاشات التلفزيون، ويقدمون أنفسهم بأطلاق الاتهامات، وتبرئة الذات، والتهويل والزعيق والتهديد، وهم قادمون من المجهول.. بعضهم بلا شهادة اكاديمية او شهادة مزورة.. إذا فتشت عن تاريخهم الشخصي، تجده قاتما جدا.. يتسللون الى إدارة الدولة عبر ممرات رسمية، ويعبثون بمقدراتها.. لا تردعهم الكوابح السماوية أو السنن الأرضية ولا وازع الضمير او الاخلاق.. يسعون في الأرض خرابا.. يتجاوزون على كل السياقات والإجراءات الرصينة للدولة، ويشرعنون ذلك بقوانين وتعليمات نافذة.

تعليم متخلف

ولأنهم منشغلون بمكاسبهم وامتيازاتهم الشخصية، يحاولون إرضاء الناس باي طريقة، وان كانت هدامة، يضغطون بقوة للدخول الشامل الى الامتحانات الوزارية، ويقرون الأدوار التكميلية في المدارس، ولا يلتفتون ابدا الى الواقع المزري للتعليم الابتدائي او الثانوي، فبنايات الطين ماتزال شاخصة في القرى والارياف والمدن النائية.. التلاميذ يفترشون الأرض، ويقضون حاجتهم في العراء.. عدد قليل من المدرسين يقدمون المحاضرات في جميع المواد، والأطفال والصبية يقطعون مسافات طويلة على اقدامهم او ما تيسر من وسائل نقل للوصول اليها كونها محدودة، اما أيام المطر فتغلق المدرسة أبوابها، لتعذر استخدامها او الوصول اليها

ولا تختلف مراكز المحافظات والاقضية والنواحي في تخلفها، فالدوام ثلاثي، والابنية بائسة بلا نوافذ.. الكثير من المقاعد محطمة.. لا توجد فيها ساحات مؤهلة لممارسة النشاطات اللاصفية، والمرافق الصحية لا تصلح للاستخدام البشري.. اغلب المدرسين لا يؤدون واجباتهم بالشكل المطلوب لضعف المهارة والخبرة، وعدم المعرفة بطرائق التدريس، او لغياب تقنيات التعليم الحديثة، او لانشغالهم بالدروس الخصوصية، بحيث ان بعضهم يحث الطالب على الاتفاق معه ومراجعته بعد انتهاء الدوام، وبعضهم الاخر أصبح له معاهد خاصة تستقبل الطلبة على مدار العام الدراسي بصفوف مزدحمة، مقابل مبالغ طائلة ترهق كاهل العائلة، فطالب السادس الاعدادي بحاجة اليوم الى 5 او 6 ملايين لاجتياز المرحلة، وتحقيق المعدل المطلوب.. المناهج بدورها قديمة ومتخلفة، وتشوبها الأخطاء التي تبين بعد حين انها متعمدة من اجل إعادة طبع المقررات الدراسية خارج العراق، والحصول على عمولات في أكثر من فضيحة تناولتها وسائل الاعلام على مدى السنين السابقة.. المفارقة ان وزارة التربية نائمة، والدولة غير مبالية، والمحاسبة غائبة، فعندما تتطلع الى نتائج الامتحانات النهائية للمدارس الثانوية نجد ان نسبة النجاح لدى معظمها لا يعبر 20  بالمئة وبعضها صفر بالمئة ولكن لم نسمع يوما ان المدير او الإدارة او المدرسين قد خضعوا لمسألة ولو أخلاقية عن هذه النتائج.. لم يقصَ او يعاقب مدير، او تتوقف علاوة مدرس، او تسكن درجته الوظيفية، نتيجة النسبة المنخفضة جدا للنجاح.. ومن امن العقاب اساء للمهنة بالغياب، والتقصير، والدروس الخصوصية.. ما يحسب لوزارة التربية رغم انحدار التعليم الى معدلات خطيرة انها ظلت محافظة على مستوى ثابت للأسئلة الوزارية، ومع ذلك نسمع في كل عام من سياسي او مسؤول او نائب مبجل عن ضرورة مراعاة الطلبة بمستوى الأسئلة!!

ما أسقط هيبة التعليم أيضا الاعتداءات السافرة من الأهالي على المعلمين والمدرسين لأسباب مختلفة، حيث سجلت حالات اعتداءات عديدة من متنفذين على إدارات المدارس والملاكات التدريسية، وحررت شكاوى ودعاوى عديدة مقابل ضعف الدولة على توفير الحد الأدنى من الحماية، مما اضطر وزارة التربية الى اجراء الامتحانات الوزارية في الجامعات على اعتبارها محصنة أكثر، في واقع يدل على ضعف الحكومات المتعاقبة في تلبية ابسط متطلبات العملية التعليمية.   

دولة الامارات العربية المتحدة ألزمت مدارسها الحكومية في العام الدراسي الحالي اعتماد اللغة الإنكليزية في جميع الدروس، ناهيك عن استخدام الوسائل التعليمية الحديثة، في الوقت الذي يقرر منتدى دافوس العالمي ادراج العراق خارج التصنيف الدولي، معتبرا ان هذا البلد بلا تعليم أصلا،  اذ يتوفر فيه أبسط  معايير الجودة في هذا المجال نتيجة.. الإهمال الحكومي.

جامعات فضائية

مخرجات مدارسنا التي هي خارج التصنيف العالمي تصب في التعليم العالي.. القطاع المهمل أيضا من الحكومة، ففي حين تخصص الدول المتقدمة نسبة معينة من ناتج الدخل القومي في خدمة التعليم العالي، قد تصل أحيانا الى 5 بالمئة حيث الاكتشافات العلمية وبراءات الاختراع، نجد ان الأساتذة والطلبة يجمعون فيما بينهم مبلغ المواد الأولية لإجراء التجارب في مختبرات أجهزتها اكل عليها الدهر وشرب، دون أي مبادرة للتحديث والتطوير بما يتناغم مع ما موجود في جامعات العالم.

الحكومة لا تخصص ميزانية للبحث العلمي، وتطالب الجامعات بتحقيق مراتب متقدمة في التصنيفات الدولية، فالموازنة تشمل رواتب الاساتذة والموظفين فقط!! لا مبالغ للمختبرات العلمية، او لإجراء التجارب البحثية، او تطوير المكتبات، اما المشاركة في المؤتمرات العلمية داخل وخارج العراق، فيدفعها التدريسي من ماله الخاص. فضلا عن اجور المؤتمرات العلمية، او النشر في المجلات العالمية. 

موقف الحكومة السلبي من التعليم العالي والبحث العلمي، عززه مجلس النواب بقراراته البعيدة عن الرصانة ومعايير الجودة، فالدور الثالث، وعودة المرقنة قيودهم، وسنة عدم الرسوب، والتوسع في الدراسات العليا، كلها قرارات لا تخدم البلد، وتقود العملية التعليمية نحو الهاوية، وتتطلب من يتصدى لها بالموقف الشجاع، والكلمة الجريئة. عزز هذا التراجع سماح وزارة التعليم العالي لأحزاب، وسياسيين، ومستثمرين، ورجال اعمال، بافتتاح جامعات خاصة منذ عام 2011 دون قيد او شرط، ليغدو التعليم الجامعي مجرد مشاريع تجارية، لا تتوفر فيها ابسط مقومات التعليم او البحث العلمي، من قاعات دراسية كافية، ومختبرات حديثة، ومستلزمات متعددة، فالكثير منها منازل سكنية، او فنادق مهجورة مستأجرة، يقع بعضها في اماكن نائية، او مناطق صناعية مكتظة، تفتقر الى اشياء عديدة، بما فيها الشروط الصحية.. بعضها لا ترتقي بناياتها الى المدارس الثانوية، وبعضها ربما لا يصلح حتى لرياض الاطفال.   

هذه الكليات تستقبل سنويا في الدراسات الصباحية والمسائية اعداد هائلة تفوق طاقتها الاستيعابية، ولا تواجه مشكلة في الواقع، فالطلبة على مقاعدها لا يتجاوزون اصابع اليدين اثناء العام الدراسي، وتستثمر جميع ارجاء المكان في الامتحانات النهائية، حيث يتوافد عليها المسجلون في قوائمها من كل حدب وصوب للنجاح والتخرج. ما الملاك التدريسي فعبارة عن اسماء وهمية تستعين بها هذه الكليات لغرض الحصول على موافقة التأسيس، ثم تلجأ الى حملة شهادة الماجستير من الخريجين الجدد، او المحاضرين الخارجيين، وإذا علمنا ان جامعة بغداد لا تسمح للمدرس المساعد بألقاء المحاضرات حفاظا على مقاييس الجودة العالمية الا في الاختصاصات النادرة، ندرك مدى الفجوة الكبيرة بين التعليم الاهلي والحكومي.

معظم الجامعات الخاصة اصبحت تجارة تبيع الوهم لطالب فشل في الامتحان الوزاري، والدرجة معيار مهم، فتمنحه شهادات كانت في احلامه، فهي تفوق بكثير مستواه العلمي والفكري، كما تقدم وصفات الخيال لعوائل كانت ترى في ابنائها مستقبلا واعدا، فتمني نفسها بان التعليم الاهلي هو الملاذ، بعد ان ضاقت بها السبل، وتبددت احلامها، وذهبت ادراج الرياح.

الوجه الاخر للقضية اقبال موظفي الدولة على الدراسات المسائية في التعليم الاهلي بغية الحصول على الشهادة لغرض تحسين الراتب الشهري، فيختارون اختصاصات سهلة، لا تخدم دوائرهم، ويغدو الامر بعد التخرج اجراءات روتينية، دون اي اهمية للحاجة الفعلية، وبلا مراعاة للهيكل الوظيفي، او التخطيط القريب او البعيد.. ان وجد.. وقد شمل ذلك حتى المؤسسات الأمنية، فنجد ان الكثير من ضباط وزارة الداخلية بالوقت الحاضر قد وضع امام رتبته كلمة الحقوقي، بعد ان نال شهادة القانون من دراسة مسائية في كلية أهلية! 

الكليات الخاصة لم ترقن قيد طالب منذ ان تأسست وحتى الان ولن ترقنه.. لا بالغيابات، ولا بالغش، لأنها تنظر الى الطالب على انه قسط سنوي لا أكثر.. هذه النظرة المادية القت بظلالها على تعاملها مع الهيئات التدريسية، سواء ملاك ام محاضرين، فالعطلة الصيفية بلا راتب او بنصفه، ومواعيد الصرف على المزاج، وحينما حاول الوزير الحالي التصدي لبعض ما في هذه الكليات من خراب، ظهرت صورته في اليوم التالي كأحد رموز الفساد!!    

رغم الزيادة المضطردة لعدد سكان العراق، الا ان الجامعات ظلت على حالها دون تطوير او استحداث او إضافة، ومن السخرية ان نرى عشرات الجامعات الاهلية وهي تتكاثر يوميا، مقابل عجز حكومي على ايقاف توسعها الافقي غير المدروس، او إطلاق جامعة واحدة في كل محافظة، ولكن يبدو ان صوت المال المدعوم سياسيا اقوى بكثير من صوت الحكومة الهامس، فمن السخرية ان تطلق تعينات مركزية لبعض الاختصاصات في الجامعات الخاصة فقط، ولا يشمل خريج الجامعات الحكوميــــة مع ان الفرق في معدل القبول قد يتجاوز 35 درجة.  وللإجهاز على التعليم أطلق مجلس النواب الدراسات العليا في الجامعات الاهلية، وراح يضغط باتجاه التوسع في القبول، وفتح قنوات ليس لها علاقة بالمعرفة، ليكرر تجربة النظام السابق الذي كان يضيف درجات على المعدل بغض النظر عن مستوى الطالب، لذا بدأت الجامعات تستقبل طلابا غير مؤهلين للحصول على درجة الماجستير والدكتوراه، فمعدلاتهم منخفضة جدا، ويفشلون في اجتـــــــــياز الامتحان التنافسي، في النهاية يقُبلون لانهم المرشحون الوحيدون في قناة القبول، وبعد اكـــــــــمال الدراسة على الوزارة تعيينهم، ليصبحوا ضمن الهيئات التدريسية في الجامعات !!

اقتصاد منهار

الجيوش الجرارة من طلبة الجامعات تتخرج سنويا الى البطالة في بلد اقتصاده ريعي، تعتمد موازنته بشكل كبير على تصدير النفط.. لا توجد فيه سياسة اقتصادية واضحة، حيث تتحكم ايدٍ خفية في مزاد العملة، وسط انتشار عشرات المصارف المحلية والأجنبية، بعضها مجرد صيرفة، وبعضها الاخر مغلق على نفسه، لا يتعامل مع الزبائن، مهمته الأساسية المشاركة في المضاربات، وغسيل الأموال، او تهريبها الى الخارج، كل ذلك والحكومة تراقب بلا حول ولا قوة، في ظل شائعات تزعم ان بعض المتنفذين يغضون الطرف مقابل عمولات ضخمة. اما الصناعة فهي مجرد وزارة بلا مؤسسات إنتاجية ضخمة، تظهر في اروقتها ملفات فساد بين الحين والأخر.. الدولة لم تهتم مطلقا بهذا القطاع، في حين تفتح الأسواق امام البضائع الأجنبية، ولاسيما من دول الجوار، فتَغرق بالسلع المختلفة دون أي منتج محلي، مثلما تدهورت الزراعة، وقلت غلتها بشكل ملحوظ، فهي لا تنافس المستورد من حيث الجودة والسعر بكل الأحوال، بدون أي مبادرة لاستصلاح الأراضي، او دعم المنتج المحلي، او حتى الاستفادة من المياه العذبة التي تهدر يوميا في الخليج العربي.

نظام صحي بائس

النظام الطبي بائس جدا، فالسياسيون لا يعلمون ان المستشفيات الحكومية عبارة عن محاجر للموت الجماعي، خالية من الشروط الصحية، بنايات متهالكة، وأجهزة قديمة عاطلة، وادوية غائبة، وعلاجات مفقودة، وأطباء يفضلون العيادات والمستشفيات الخاصة، حيث يمارسون هواية جمع الأموال، بعد ان جردوا هذه المهنة المقدسة من انسانيتها، فهم شركاء بنسب معينة مع المختبر والصيدلية وأصحاب المذاخر.. بعض الأطباء لا يترددون في وصف ادوية مهما تكن رديئة مقابل سفرات سياحية، لتكون الصورة الاخيرة في بغداد.. مرضى لا يؤمنون بقدرة الاطباء، ويوقنون بجشعهم، يراجعون الصيدلي، والمعاون الطبي، لوصفة مجانية ناجعة.. العاصمة التي كانت مشهورة بأسماء لامعة في العديد من التخصصات الطبية، اضحت معروفة بدكاكين مضمدين، يقبل اليها الناس من كل الانحاء، فيجدون الوصفة والعلاج وحتى الدواء، مقابل اجر زهيد، وشفاء مضمون.

رجال الحكومة واحزابها لا يعلمون بهذه التفاصيل لأنهم ببساطة يسافرون للعلاج في الخارج إذا أصيبوا بنزلة برد ولا عزاء لملايين الفقراء فهذا القطاع الحيوي أصيب بالتدهور السريع نتيجة لعدم الاهتمام ومغادرة خبرائه او هجرتهم لتزدهر السياحة الطبية في الهند وتركيا ولبنان على حساب الطبقة الوسطى بعد ان فقد المواطن الثقة بالنظام الصحي تماما في حين كان بالإمكان بناء عشرات المستشفيات والمراكز المتخصصة لو استثمرت هذه الأموال بشكل صحيح.دعوة مفتوحة نوجهها لرجال الدولة والاحزاب، لمعايشة عذابات الشعب الذي يمثلونه، عن طريق زيارة صباحية للمستشفيات الحكومية، ليروا سحائب الموت وهي تخيم على اجوائها.. الاف الفقراء تغص بهم الردهات والممرات، اما بوابتها المزدحمة، فيخيل الي مكتوب على جبهتها بالخط العريض، عبارة الشاعر الايطالي دانتي وهو يصف الجحيم.. أيها الداخلون اتركوا وراءكم اي أمل في النجاة.

الأمان المفقود

ويبقى الامن والأمان هو حجر الأساس في أي استقرار ورفاهية تسعى الدولة الى ارسائها، وذلك لا يتحقق الا بإيجاد مؤسسة امنية واستخباراتية عالية الكفاءة تعتمد على الخبرة العالية المقترنة بالتدريب، والاخلاص المهني، والولاء التام للوطن، الا ان الواقع كان خلاف ذلك، فقد تم اقصاء معظم ضباط الأجهزة الأمنية وتهميشهم تحت مسوغ عدم الانتماء الى النظام الجديد، وزج مدنيين بطريقة (الدمج)، ووضعهم في أماكن حساسة، لتشهد العاصمة والمدن العراقية استباحة لم يشهد لها مثيل في التاريخ، حولت العراق الى ساحة عمل لمخابرات العالم.. يصحو المواطن ويمسي على وقع الانفجارات والاغتيالات والخطف والسلب والسرقة.. يهرب الناس بأرواحهم طلبا الى الأمان.. تغادر رؤوس الأموال، ولا يغامر المستثمرون، ويغدو البلد الأخطر في ارجاء المعمورة، المشهد الأخيرة في الوضع الأمني الغائب، اختطاف مدير في وزارة الداخلية برتبة لواء مع حمايــــــته في وضح النهار، وعلى بعد عدة أمتار من المجمع الرئاسي.  

اعلام ام دعاية؟

يعد الاعلام في أعتى ديمقراطيات العالم ضرورة مهمة من ضرورات الامن القومي، فالحرية المطلقة بدون قيود او كوابح عبارة عن فوضى عارمة.. النظام السياسي يفتخر بتحرير الانسان العراقي من قيود الاستبداد، واغلال العبودية، لذا يروج دائما ان المجتمع يعيش اليوم عصر حرية الرأي والتعبير، على اعتبار ان ذلك أحد أوجه العراق الجديد، الا انه بمؤسساته التنظيمية والرقابية لا يفرق بين الاعلام والدعاية، فقد استخدم هذا الحق بأبشع صوره، ولا غرابة في ذلك، لان من يرسم سياسة المؤسسة الإعلامية هو الممول، وأتحدى معظم القنوات الفضائية او المحطات الإذاعية او الصحف او المواقع الالكترونية ان تكشف عن مصدر مواردها المالية، في ظل صرفيات عالية، وغياب تام للإعلانات.

عندما تمول دول اجنبية او عربية لها مصالح في العراق، او تسهم في تمويل مؤسسات إعلامية محلية، بعلم النظام السياسي، لتحقيق اجندات معينة، مقابل صمت مريب من الجهات الرقابية، فان البلد يعيش في حالة كبيرة من عدم التوازن، ويصبح فضاء مفتوحا لترويج الشائعات، وتسقيط الخصوم، والتقاطع والتناحر بين القوى السياسية، والضحية هو المواطن الذي فقد الثقة بالإعلام الوطني، وراح يبحث عن الحقيقة في مواقع التواصل الاجتماعي، ليجد جيوشا الكترونية تلاحقه.. تروج وتهاجم.. تشيد وتنتقد.. تقلب الحقائق، وتستهين بمشاعر الناس، من اجل تحقيق مصالح شخصية وحزبية ضيقة. ان الانفتاح الاعلامي بعد عام 2003  وظهور عشرات المؤسسات الاعلامية المرتبطة بهذه الجهة او تلك، وغياب المعايير المطلوبة التي تعتمد التقاليد المهنية، شوه صورة الاعلام العراقي وأسقط الاعلامي في فخ الاذعان للسياسي، فتحول الى مجرد مؤد ضعيف، يفتقر الى ابسط مقومات المهنة.. ليصبح معظم صحفيي اليوم اسماء مستعارة للرغيف.  لم يعد الاعلام مؤثرا في المشهد العراقي في ظل النظام السياسي.. ولم تعد للإعلامي مكانته الاثيرة كما هو الحال في معظم بلدان العالم، لأنه تخلى عن دوره، وخضع لإملاءات شخصية، ورغبات نرجسية، لا تراعي الوطن او المواطن.. أصبح ممتهنو الاعلام يلبونها في زمن فقدت فيه الكلمة عذريتها، واصبحت أرخص من لا شيء.

دبلوماسية غائبة

سوداوية صورة البلد في الخارج لا تقل قتامة عن الوضع بالداخل، بعد ان عجزت الدبلوماسية في أداء مهامها، وتقديم العراق كدولة عريقة، فقد تحولت السفارات الى مقرات عمل.. اما لسياسي فاشل، او أقارب مسؤول.. اغلبهم لا يجيد التحدث باللغة الإنكليزية او أي لغة حية، ولا يملكون أي خبرة.. يخالفون الأعراف، ويرتكبون الأخطاء، وأحيانا الفضائح.. نلمس الضعف الواضح بالدبلوماسية العراقية عندما تستباح الحدود، ويتجول مسؤولون او سفراء أجانب في المحافظات العراقية، ويلتقون الناس علانية، او يحضر رئيس دولة دون ان يشعر الحكومة بقدومه.   

عراق بلا ثقافة

اما الثقافة والفنون فقد تراجعت بشكل خطير، فلم تعد العاصمة تمتلك دورا راقية للعروض المسرحية، او دارا للسينما، او تقيم امسيات شعرية، او معارض تشكيلية.. الدراما غابت او غيبت.. والموسيقى والغناء رجس من عمل الشيطان، مقابل انتشار الالحاد بين الشباب في الجامعات كرد فعل على الصبغة الدينية التي غلفت النظام السياسي، ومخدرات يروج لها بشكل خطير.. تذكر إحدى الاحصائيات ان عدد الموقــــــــوفين في مراكز الاحتجاز الخاصة بالمتعاطين بلغ  6672 شخصا، نسبة 10منهم من   الاناث.. إضافة الى انهيار القيم الاسرية والمجتمعية، وانتشار البطالة، والشــــــــذوذ والبغاء وبشكل علني بمناطق معروفة في بغداد.

فجر جديد

لقد استبد القنوط بالناس لفرط ما انتظروا خلف قضبان الصبر بلا جدوى، فغريزة البقاء لا إرادة البناء، هي من تحرك القائمين على النظام السياسي، وكأنه ملك لا يبلى.. خرج الشباب الى ساحة التحرير.. والى الشوارع، وهم بلا امل، وقد دب الياس في قلوبهم، بعد ان أصبح الغد رجما بالغيب، فالدولة تحتضر، والنظام السياسي في غرفة الإنعاش، والبلد يتصدر تصنيف الأسوأ بالنظافة والامن وجواز السفر، ويبقى السؤال الكبير بلا إجابة.. من المسؤول.. السلطة التي تنتحر نتيجة لتراكم اخطائها ام المواطن الذي كان شريكا في اختيارها، ومشاركا في خطاياها؟ ان الهزة العنيفة التي يتعرض لها المجتمع الان ربما تعيد له ذاكرة الدولة، والحكومة الرشيدة.. نعم.. لعله الصبح في سورة التكوير، فيتنفس العراق فجرا جديدا، تباشيره قد بدأت فعلا تلوح في الأفق.

{ اكاديمي عراقي

عدد المشـاهدات 782   تاريخ الإضافـة 01/12/2019   رقم المحتوى 34268
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الإثنين 2019/12/9   توقيـت بغداد
تابعنا على