00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  وثيقة للصلح تمنع الزيارات بين الأقارب

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

وثيقة للصلح تمنع الزيارات بين الأقارب

حضارة أبناء العم المجيدة

 

مصطفى فلاح

 

في سماء أحد مجموعات القرى الكبيرة و الشاسعة المسماة بأرض "زندكي هارمون" الشديدة في التقلب المناخي كنا نرى الأمطار تسقط وبعد ساعات نستيقظ على شمس شديدة الحرارة فعلى الرغم من أنها كانت معزولة تحيطها الجبال وساحل بحري من جهة ، كانت تحيطها أرض قاحلة وجرداء من جهة أخرى ، على مايبدوا أن هذا السلوك المناخي والجغرافي أثر أيضا على مزاج سكان تلك القرى ، فكان شعبها شديدي الأختلاف مع بعضهم البعض ، حيث كانوا يعملون قديما في تجارتين رابحتين الأولى صيد السمك واللؤلؤ حيث يمتهنها سكان القرى الشماليين ، والزراعة وتربية المواشي حيث يمتهنها سكان القرى الجنوبيين ، هذا البعد التاريخي والجغرافي خلق بمرور الزمن أختلاف ثقافي وأجتماعي كبيرين ، فصار لكل جهة خصائصها التي تميزها عن الاخرى فمثلا سكان الشمال يحبون القهوة والقارب ولايستيقظون مبكرا ، بينما سكان الجنوب يحبون الحليب والبقر ودائما مايستيقضون فجرا

وعليه كان سكان الجنوب يسخرون من سكان الشمال ويعتبرونهم شعب كسول لايقدس الوقت ، بينما الشعب الاخر كان ينعت أهل الجنوب بالديكة لأنهم يصحون على أصواتها ، وعليه تطورت الخلافات بتطور الاثنيات فكل شيء يحدث هناك كان يحدث بشكل معاكس على الطرف الاخر

حتى اشتد الأختلاف وبدأ الطرفان يميزان بعضهما عن البعض الاخر بطريقة ملبسهم وقدسية بعض اشيائهم التي توارثوها ، ورمزية بعض حاجياتهم ، وقوادهم المؤسسين

فكان أهل الشمال يذهبون للصيد بلباس شبه عار دليلا كما يعتقدون على شجاعتهم ، و كان الرمح وشباك الصيد في عقيدتهم رمزا لتاريخ شعبهم ومصدرا لقوتهم و لايخلوا بيت من تمثال أو لوحة تحويهما ، بينما كان شمشون الأب المؤسس للشمال وأخ الأب سحريب المؤسس للجنوب بمثابة الأله المقدس ، حيث تنتشر له المعابد والأضاحي ، و يجتمع أهل القرية ليلا في كل يوم وهم يتلون الصلوات من أجله ويدعونه بحفظهم وأن يمدهم بالصيد الوفير وينصرهم على أعدائهم ، أما سكان الجنوب فكانوا يلبسون الملابس الفضفاضة والأحذية العميقة العالية التي تقيهم من بعض النباتات والحيوانات السامة أثناء الزراعة ورعي المواشي ، وكان المنجل رمزا لكفاحهم ورأس الثور الغاضب برهان على ثوراتهم العنيفة ولايخلو منزل من رمزية لهم أو مقطوعة وهي تتغنى بهم :

" يا مناجل العشق ثوري .. بثيران المجد فرسانك

وأجعلي سحريب بركانا .. يثور بالغضب العظيم "

فكانوا كل صباح وعلى أصوات الديكة يتلون الصلوات ويتغنون في المعابد للأله الأب سحريب ، ويدعون أن يحفظهم و يمدهم بالخير الوفير وينصرهم على أبناء العم الأشرار !!

لكنهم وعلى الرغم من خلافهم واختلافهم عقدوا وثيقة للصلح ، أن لا يختلطوا ببعض وأن تمنع الزيارات فيما بينهم ، وأن تبقى التجارة فقط هي مصدر تواصل الشعبين ، وأي شيء خلاف ذلك هو معرض للقتل والتشريد ، فلايسلم المخالف حتى من أبناء جلدته فيعتبر ذلك الخروج خذلان و وصمة عار على جبين الأمة فلامناص من الخروج سوى الموت أو النفي

وفي مساء يوم من الأيام الصحوة المصاحبة لرياح متوسطة وقليل من حبات المطر الساقطة ، تسلل صبي من صبيان الشمال عابرا النهر الفاصل الى داخل أرض الجنوب ، عبر متخفيا أسمه إيلام (الأبن الأصغر لقائد الشمال تيران) ، لقد كان عبوره بداعي الفضول والأستكشاف.

نوم مبكر

ولكون سكان الجنوب ينامون مبكرا فعند وصوله للضفة المقابلة قرر أن يستكشف البلدة ، وأول ما راه مزرعة للعنب وبجوارها كوخ صغير فدخل أليها بحذر وعندما تخطت اقدامه بعض الأمتار سمع اصوات الكلاب وهي مسرعة نحوه وبردة فعل هستيرية ركض واختبأ داخل احد البراميل الموضوعة لعصير العنب فاضطر أن يبقى فيها حتى الصباح عكس الخطة المرسومة التي كانت تنص على خروجه قبل صياح الديكة وأستيقاظ السكان ، بقى إيلام داخل البراميل حتى استيقظ أهل المزرعة ، وأول مافعلوه بعد صلاتهم هو تحميل تلك البراميل ووضعها في عربات المزارعين لبيعها في سوق شمشون الكبير ، وفي تلك الأثناء كان حراس القصر وخدمه وحاشية الملك في الشمال يتوقعون نومه في غرفته لايعلمون بخروجه أو خطة هروبه ، وصلت العربات الى السوق الكبير ، وتوقفت أمام أحد المحال تمهيدا لبيعها ، وعند فتح صاحب المحل للبراميل تفاجئ بوجود صبي داخلها وانكشف أمر إيلام ، ظن صاحب المحل بدايةً أنه مجرد لص حاول الأختباء أو الفرار ، لكن سرعان ما اكتشف أمره فسكان الشمال يضعون على صدورهم وشم النسر (چيل آهي) الذي يسكن اعلى قمم الجبال ، والتي تمثل علامة تصور شعبهم وتميزهم ، وعليه قبض على إيلام وأودع في السجن تمهيدا لطقس التطهير ، وهو طقس يمارس ضد أي دخيل لقرى الجنوب ، ويقام ليلا بطعن الخارجي احد عشر طعنة (على عدد قرى الجنوب) ، وحرق جثته ورميها خارج حدود القرية ، سمي هذا الطقس بالتطهير أعتقادا بأن أي غريب مخالف لمعتقداتهم هو جالب للخطايا والاثام والكوارث وغضب الاله شمشون ولاحل في ذلك سوى التخلص من ذلك البلاء ، في تلك الأثناء لاحظ أهل القصر في الشمال غياب إيلام وبدأوا برحلة بحث كبرى ظناً منهم انه اختفى أو تاه في مكان ما بين الجبال او الكهوف ، ولايعلمون أن الجزار قادم لقبض الأرواح ، فصار الليل وتقدم القابض المسؤل عن هذا التقليد وثبت إيلام على شجرة للبلوط وسط تجمع الناس القادمين من كل القرى حولها ، وبدأ الحدث بالترنيم وسط صمت الناس ، و عدم مبالاة القابض بصيحات إيلام الأخيرة المتوسلة اليائسة ، وعند انتهائه أخرج سكينه وتقدم نحو الصبي ببطئ وبدأ بطعنه فتعالت أصوات المتجمهرين حتى وصوله للطعنة الأخيرة ، فمات الصبي وتم حرقه ورميه على النهر الفاصل .

جثة ايلام

وفي اليوم التالي سرعان ماوجد أحد السكان القاطنين على ضفة الأرض الفاصلة من جهة الشمال جثة إيلام ، وقام بتبليغ عمدة القرية ، فوصلت الأخبار بسرعة الى القصر ، فسرعان ما علم الملك تيران والد إيلام بالخبر ، وأعلن الحداد ، وحشد العباد ، ودعى الى تشييع كبير لولده المقتول ، وسماع النبأ العظيم ، فأغلقت المحال وجميع المصالح وجاء الناس من كل القرى ، وتجمعوا لتشييعه أمام القصر منتظرين النبأ ، فوقف الملك وقام بمخاطبة الشعب وأعلن الحرب الشاملة على الجنوب ، فلا خيار في الحرب سوى الأنتصار ثأرا لأبنه وللمملكة المقدسة

فتحشد جيش جرار على الضفة مستعدا للأنقضاض بشراسة ، فعلمت مملكة الجنوب بالأخبار متأخرة ، فعبر جيش الشمال النهر وتوغل في عمق الجنوب ، وتوقفوا في منطقة أسمها (شيم آري) وهي منطقة منبسطة لا أشجار فيها سوى أعشاب خضراء قصيرة حيث التقى الجيشان ، وأندلعت حربا طاحنة لاخاسر أو مغلوب فيها ، وكلما اشتدت أرسل الطرفان تعزيزات اخرى للمحرقة ، وأستمرت الحرب أيام طوال بلاهوادة ، ثم تحولت الى أشهر طويلة من معارك الكر والفر كان احتلال القرية فيها وفقدانها بعد أيام أنجازا عظيم يتغنى به الشعبان ، لم يربح فيها الطرفان شيئا نتيجة لمعتقداتهم وأفكارهم سوى الدماء والدمار ، حتى أنتشر وباء خطير أباد السكان نتيجة للجثث المقتولة والمرمية في كل الأنحاء ، وهرب الملكان وحاشيتهم خارج البلدان فتوقفت الحرب بالقوة ، وبدأ صراع جديد من اجل البقاء ، فلاعمران فكل شيء تحطم ، ولا موارد للعيش فلا مزروعات تبقت ولا مواشي ولا قوارب أو حتى مياه ، فكل شيء أحترق وتلوث و أصابه المرض ، فتحولت كل المدن العامرة الى مدن أشباح يتصارع فيها السكان المتبقين على فتاة الذرة وحبات المطر ، حتى صاروا يأكلون بعضهم البعض ويشربون بولهم نتيجة الجوع والعطش ، وصاروا يندبون حظهم وقدسياتهم الفارغة التي أوصلتهم لهذا الحال لكن بعد فوات الأوان ، واضطرار من نجا منهم للفرار ، فتركت أراضي كانت تنعم بالخير الوفير والأمان وصارت مرتع لمصاصي الدماء نتيجة الغطرسة والأستعلاء ، نتيجة للوهم المقدس والرمزيات الزائلة المتوارثة وانتهت حضارة أبناء العم المجيدة .

إن الايمان بالمعتقدات الوهمية هو الايمان بالدم بحد ذاته

ومن يدعو بأسم الرب للقتل والقتال فهو ليس بأنسان على أية حال..

فتقديس ما هو متوارث وزائل ومملوء بالدمار والدماء..هو إهانة لذواتنا وإنسانيتنا

وإن المسير خلف القطيع وجعل الافكار مربوطة بالأرباب والأوامر يقودنا الى العَدَم لا محالة.

عدد المشـاهدات 1435   تاريخ الإضافـة 04/11/2019   رقم المحتوى 33636
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأحد 2019/11/17   توقيـت بغداد
تابعنا على