00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  ذاكرة المكان ..  التكتك وجبل أحد والخرساء

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

نموذج التنميط الإعلامي

ذاكرة المكان ..  التكتك وجبل أحد والخرساء

خليل الطيار

هل يمكن للمثقف ان يغض النظر عن مخرجات وقراءة مشهد التظاهرات ؟

وهي ترصن وجودها بهذا الزخم من مخرجات جماليات المكان ، المفضي إلى تأشير  دلالي وحفر معرفي وعصف ذهني، للتأمل في عناصرها الدرامية ، مأساوية كانت مشاهدها ام كوميدية او ملهاة سوداء.

ربما لن تسعف اصوات قنابل الصوتيات وتصاعد دخانها وزخم رشقات حجارتها،وخراطيم المياه وأصوات الجموع الغاضبة قراءة تفاصيلها على عجالة الانطباعات السريعة.

بل ستبقى مؤجلة لما تنفتح عليها مخرجات تداعياتها ونتائجها ، لتشكل  خامة لذاكرة مكانية، لا شك ستستثمر بمختلف ألوان السرديات والمرئيات والمسموعات .

 بعد ان تنهي التظاهرات مخاضها ويعود كلا الطرفين لخندقه ،الحكومة والشعب،ليبدأ مشوار المثقف والاديب والنخب الواعية ودورهم لقراءة محتوى واقعة سيحفر توقيتها التاريخ الجمعي للإنسان العراقي وسجلات الأحداث نتيجة ما تركته من اثر نوعي، من الاستحالة والسذاجة ان لا يكون قد انتج وعيا وإحساسًا ورعبًا فرض مشهده بقوة لينمط بقراءات متعددة الأوجه لن تسكن لوعتها لسنوات .

لكن على عجالة ما تركه المشهد من اثار ملفتة وانطباع مثير  استوقفنا عند ثلاث حالات تم تنميطها اعلاميا عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام  بشكل دقيق ...

سرعة البرق

الصورة الاولى لمشهد تجسد بحركة دراجة (التكتك) التي استحضرت بسرعة البرق شهرة وأثر الدراجة النارية في الحروب العالمية، حين كان لها دور في قلب معادلة السوق العسكري بعد عرقلة وعجز الالية العسكرية من سهولة التحرك بسبب الخنادق والمتاريس والموانع وباتت الدراجة حلًا مثاليًا كأحد أهم ادوات التواصل بين القادة والجنود

لتبرز التكتك وتجسر حضورها بقوة في مشهد التظاهرات حتى غدت العلامة الابرز في الحركة والتنقل وسلبت قوة وحضور مركبة الإسعاف ، وسجلت عنوانها بقوة في بانوراما مشهد التظاهرات وتنمطت مفردة  التكتك وأستحضرت دلالتها في مساحة الاعلام بقوة كعلامة بارزة في مشهدها  سيترك اثره على سعرها وهيبتها وفرض احترامها في المكان الذي تتواجد فيه مستقبلًا ،ولا مناص من اعتراف مؤسسة المرور بعنوانها كمركبة تفرض حق ترقيمها وجدولة وتهذيب حركتها وخط سيرها

 وإلا فان مواجهة قوتها في الشرع مستقبلا سيتطلب إبرام اتفاقية مع الهند لإيقاف تعاظم تصديرها للعراق!

الصورة الثانية هيمنت على ايقونة جماليات مكان التظاهرات وانتزعت لأيام  قوة وتاثير نصب الحرية الأشهر عالميا رغم ان رمزيته شكل خلفية تتماثل  مع هدف ما يطالب به المحتجون وتركوه خلفهم كمسند دلالي ليتحولوا الى أيقونة أخرى .

انها عمارة أطفيء بريق موقعها جراء تعرضه لهجوم صاروخي ابان اجتياح بغداد من قبل قوات التحالف .

انها بناية ماعرف بالمطعم التركي الذي ظل لسنوات مظلما صامتا يئن تحت وطئة الإهمال رغم مركزية موقعه في ابرز واهم موقع بإطلالته في ساحة التحرير  يقابل بوجعه نصبها الخالد

هذه البناية  التي شكل حراك ومناورة المتظاهرين عليها، تاثيرا مكانيًا فريدًا ليتخذ كموقع استراتيجي باتت السيطرة عليه بمثابة انتصار عسكري لمن يبادر اعتلاء قمته فنمط اعلاميا ليوصف (بجبل احد) الذي كان الثبات والنزول منه قد غير معادلة حسم كفة النصر  وفرز قدرة وعي المحارب للالتزام باوامر قادته وعدم تركة بمغريات ما تخلفه ساحة المعركة من مغانم فيسرق عنوان الظفر فيها!

المطعم التركي (جبل احد) سيبقى خالدًا في الوعي الجمعي العراقي لن تمحى صورته لسنوات مالم تبادر الدولة لاعادة جمالياته المكانية وتشكيل أيقونته  ليكون معلما سياحيا بارزا قبل ان يشكل قلعة يتوقف على احتلاله حسم  اي مواجهة بين الحكومة والشعب مستقبلا!!!

استبدال النطق

الصورة الثالثة  تجسدت باستبدال النطق بالخرس ولغة العيون والجسد وديناميكية الحركة المقلقة .

فكم من امراة تحركت في التظاهرات وكم من صوت وصراخ علا الا ان صمتا واحدا وصف بالخرس تنمط في الاعلام بمشهد اثار الدهشة لامرأة تمكن خرسها الناطق من تركيز قوه حضورها بالمشهد

امرأة مفجوعة  تتحرك لاهثة توزع مناديل ورقية على الجرحى والمصابين مجانًا دون ان تنطق بحرف لكنها تربعت على مشهد الخرس الاعلامي بصمتها الناطق  انها الناطقة الخرساء( دنيا) التي استبدلت فقرها وعوزها الدنيوي بغنى النفس وجبروت الإيثار والتضحية والنخوة فكانت حاتم طائي عصرها بلا منافس رغم ما بذله البعض من ملايين  وهم يتوارون في ظلام دسيسة دوافعهم !!

وبالرغم الدوافع النفعية لاستنطاقها بحوار تلفزيوني كشف ان فعلها الصامت كان أقوى تاثيرا وهي تتحدث بمشاعر صادقة لاستلام مكافئة مالية عن ما قدمته من فعل نبيل اثبت بساطة حديثها ان عفوية الفعل الصامت اقوى حضورًا وتاثيرا في النفس البشرية من النطق المشترى بالمال !

مشاهد ومواقف إنسانية وأخرى نفعية وحالات شتى سيتاح الوقت  لتسجلها سردياتنا ومرئياتنا وتحاكيها مسموعاتنا وسنقرأ يومًا مجاميعها القصصية او نتابع مشاهد دراماها او نستمع لأنين ونحيب أوجاعها، كل ذلك سيحصل حتما بعد ان يعالج رجال الحكم والساسة ،باجراءات حقيقية فاعلة القضايا التي خرج الناس للمطالبة بتحقيقها.

عندها سينزل الرماة بعد ثباتهم على (جبل احد) لتستقبلهم الدنيا الخرساء  بمناديلها الورقية يمسحون بها عرق الانتظار والتعب وهم يرمقون من بعيد نصب الحرية يخبروه ان كسر قيود حريتهم لم يعد ممكنا الا بالخلاص النهائي لمعاناتهم يركبون  بعدها التكتك لتنزوي بهم بعيدا داخل ازقة واحياء مدينة عصية على الموت وتتربع على عرش ذاكرة التاريخ ، اســمها بغــداد.

{ عن مجموعة المركز العراقي للتنمية الاعلامية

 

 

 

عدد المشـاهدات 287   تاريخ الإضافـة 02/11/2019   رقم المحتوى 33518
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الثلاثاء 2019/11/19   توقيـت بغداد
تابعنا على