00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  حبوب الأحلام الملونة

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

قصة قصيرة

حبوب الأحلام الملونة

عامر العيثاوي

أثناء عبوره نحو شارع السعدون حيث يعمل أجيراً بإحدى المكتبات، استوقفته حشود شباب متشحين بأعلام الوطن وسط ساحة التحرير، لم تكن بالظاهرة المستحدثة فقد دأب بالتطلع بملل لمخلفات معتصمين كانوا يتركون تحت نصب الحرية مستلزمات منامهم ولافتات مطالب تتهرأ دون رحمة تحت أشعة الشمس الحارقة. لكن حماستهم  هذه المرة جعلته يواجه ذاته بالسؤال الموجع: ما الذي حققه في نهاية عقده الرابع سوى منزل مستأجر وأجرة أسبوعية لا تفي أحياناً بمتطلباته وزوجته حتى نهاية الشهر إلا  بإجراءات تقنين صارمة. وانتهى للحقيقة المفزعة “فناء جسده بالموت لم يعد بعيداً”، والموجع أنه سيرحل وأمانيه لا زالت محبوسة في حقل التأجيل، أثار تبدل مزاجه انتباه زوجته “هند”، كان يجلس أمامها ساهماً وقد انطفأ بريق عينيه ولم يكد يمس طبق طعام العشاء، أمسكت بكفه:-

–  أحوالك تقلقني، حزين، تستيقظ فزعاً من منامك.

–  أيمكنك تصور حال المحكوم بالإعدام دون أمجاد، هكذا أنا.

صمتت قليلاً، ثم قالت:-

– لماذا لا تستشير طبيباً نفسانياً.

تأملها بنظرة عتاب:-

– هل أنا مجنون..؟ ثم أين أجد هذا النوع من الأطباء.

– معقول في القرن الحادي والعشرين وتفكر هكذا..! لنبحث عن أحدهم على “حجي كوكل”.

كتبت “طبيب نفسي في بغداد”، ضحكت:-

–  أنظر هذا أحدهم، أسمه “خالد محمد جاسم”.

أمال رأسه نحو شاشة الجوال، كانت صورة الطبيب على بطاقة ترويجية بملامح بيضاء وشعر كستنائي وفم أحمر مبتسم وحول رقبته سماعة طبية، قال مستغرباً:-

– هذه ليست بملامح مواطن عراقي.

قامت بالبحث مجدداً، واستقرت عيناها: (وجدته بملامحه الأصلية، وعنـــــــــــوانه وهاتف عيادته)، عاود النظر وهو يهز رأسه ضاحكاً:-

– الآن تمام، هكذا هم أولاد الملحة.

أشارت بيدها أنها تقوم بالاتصال، ردت عليها “سكرتيرة ” حجزت موعداً في العاشرة صباحاً، وضع راحة يده على جبينه، وتساءل أن كان سيجدي ذلك نفعاً، توجه لفراشه وغرق بنوم عميق.

بدا وكأن السكرتيرة تنظر نحوه بريبة وندم على الفور أنه أستمع لنصيحة زوجته، عندما حان دوره قفز مسرعاً لينهي تفصيلات هذه الورطة، تعرف على ملامح الطبيب كان أسمر البشرة نحيفاً ولكن ثمة عمق غريب في عينيه. أشار له بالجلوس مع ابتسامة، وسأله أن كانت الاستشارة له أو لغيره، توقف للحظة قبل أن يؤكد له وبحركة من رأســـــه: (أنها تخصني)، أنكب الطبيب على ورقة أمامه.

– أسمك وعمرك وعنوانك ومهنتك..؟

– أرغب بذكر مشكلتي فقط، ولتكن كنيتي “ع”.

أشار له بالموافقة، والاستمرار بالكلام.

–  استنزف الوطن أحلامي، وعندما اكتشفت ذلك كان الوقت قد مضى.

–  وكم عمرك..؟.

– على مشارف الخمسين.

– لا زلت شاباً، وهنالك دوماً فرصة للبدء من جديد.

–  أية فرصة، هل تصدق بأنه مضى على الاحتلال ما يقارب العشرون عاماً.

ناوله علبة زجاجية بداخلها تسعة حبات بألوان مختلفة، مؤكداً عليه تناولها قبل النوم وبالترتيب البيضاء، الرصاصية، الوردية، السوداء، الجوزاء، الصفراء، الحمراء، الرمادية، والأخيرة باللون الأخضر الزاهي.

الحبة البيضاء

تأملها باستغراب محدثاً إياها: أي معجزة بداخلك ستخلصني من عذاباتي، تناولها مع جرعة ماء، فجأة تقلص الزمان للماضي البعيد، أنه الآن يشاهد نفسه ملفوفاً بمهده الأبيض وسط ابتسامات أمه وأبيه، ومداعبتهما إياه، كان قرة عينهما فهو المولود الذي طال انتظاره، لكن طيف جديد كان يعلن حضوره، سمعهما يتحدثان، بأنه سيمضي غداً لجبهات القتال.

الحبة الرصاصية

كم هو غريب شكلها، وكأنها نسخة من رصاصة موت مدببة، تناولها وأغمض عينيه وغرق في هذياناته، ها هو والده وقد حلق ذقنه جيداً، وارتدى بدلته “الخاكية” يد نسائية تضع حقيبة الســـــفر على كتفه، بكت وحلفت عليه المحافظة على نفسه من أجلهم، وضع يده على كتفه، حدثه بصوت خافت: (خذ بالك من أمك أنت رجل المنزل بغيابي).

الحبة الوردية

بعد ثمانية أعوام ها هي الحرب تنتهي، ثمة مأدبة عشاء، والده ببدله مدنية وملامح أمه تطفح بالبشرى، أنها حفلة تسريحه من الخدمة الإلزامية، الكثير من المهنئين أقرباء وأصدقاء، ونظرة أمل بغدٍ وردي.

– مسكين والدي لم يكن يعلم بأنه وبعد أسبوع واحد فقط سيموت بأزمة قلبية من ضغط أعمال البناء الشاقة.

الحبة السوداء

أنها أعوام التسعين المنهكة المغموسة بأيام الحصار الاقتصادي، تعمل الوالدة بخدمة المنازل، وترفض بشكل قاطع أن يترك دراسته، كانت تخبره بأنه سيكون لها متسع من الوقت عندما يتم دراسته الجامعية، لأجلها كان يجتهد ويعمل في الأجازات، بكت كثيراً في حفلة تخرجه، وكأن الأحزان ترفض مغادرته، ترحل الأم قبل أن تفرح بوظيفته في سلك التعليم.

الحبة الجوزاء

بمكتبة صديق الدراسة الجامعية “يونس عمار” يبدو عليه الهم، لقد تهكم عليه صاحب عطارة الحي، بأنه يتعب نفــــــسه لأجل راتب زهيد لا يساوي ثمن ثلاثين بيضة، ولو ربى دجاجة لكانت أنفع له، ربت صديقــــه على كتفه بمواساة:-

–  ما رأيك لو تعمل معي سأعطيك أربعة أضعاف راتبك، وأنا بحاجتك فعلاً.

حدث أن زارتهم زميلتهم الجامعية “هند” دعاها للغداء بمطعم قريب، كان يخفي مشاعره عنها، صارحها بمشاعره القديمة ورغبته الصادقة بالارتباط ، بكت أمامه: (يالك من غبي، انتظرتك دهراً)، ثم قالت بين دموعها وابتسامتها: (بالأصل عمار هو من رتب هذا اللقاء).

الحبة الصفراء

في ذلك المساء الشتوي، ظل هائماً على وجهه، نتيجة التحليل لا تقبل الخطأ، وأخيراً مال نحو المنزل، وجدها منهمكة بأعمال المطبخ، وقف يتأملها بحزن عميق، ولا يعرف السبيل لمصارحتها، بعد تنهيدة عميقة:-

– “هند” أتركي ما بين يديك، واتبعيني للشرفة

ابتسمت وهي تلحق به.

– يا الله على ترتيباتك الرومانسية، تفضل كلي أذان صاغية .

بلع ريقه، وقال بصوت مرتجف:-

–   سأكون صريحاً معك، أنا عقيم، وأعطيك الحرية الكاملة لتبدئي..قاطعته وسط دموعها.

–  عيب عليك، وما أفعل بالأطفال دونك.

الحبة الحمراء

يتجول حذراً بين الأزقة المغلقة مداخلها بكتل خرسانية، الأضواء الكاشفة للهمرات “الأمريكية” تزيد الجو كآبة، يحمل أكثر من بطاقة شخصية، كلاً منهما تشير لطائفة مختلفة، عليه أن يكون حذراً عند نقاط التفتيش الوهمية، فخطأ بسيط بنوع الهوية الصحيحة سيعني هلاكه، لدى وصوله يجد “هند” تنتظره برعب، فأخبار الموت تملأ شاشات الأخبار.

الحبة الرمادية

أنها لا تشبه شيئاً، فهي مثل الوضع الذي بات يعيشه،يتناولها..يشاهد نفسه بمكتب أحد المدراء  وفي يده  عريضة عودة لسلك التعليم، يتأمله المسؤول بنظرة ازدراء:-

– لست من المفصولين السياسيين، لا يشملك قانون العودة.

–  هل هنالك اضطهاد سياسي أقسى بأن يكون راتبي لا يساوي ثلاثين بيضة.

يخرج غاضباً، يمارس موته البطيء، يتأمل يومياً بقايا لمظاهر اعتصام تتحلل تحت الشمس،  تتدفق الشوارع بموجات شبابية، يجعلونه يشعر بضآلته. يجلس أمامه ويسأله بحيرة.

– دكتور لم أفهم، ما شاهدته كان ترجمة لحياتي.

–  لم تفهم المغزى أذن، حياتنا رحلة سريعة، تستحق أن نعيشها بحلوها ومرها.

– والحبة الخضراء المتبقية.

– أنها الأمل بالمســـــتقبل، بالشباب.

استفاق على صوت “هبة” القادم من ضوضاء المطبخ:-

– “حبيبي” استيقظ لديك موعد في العاشرة مع الدكتور خالد.

عدد المشـاهدات 507   تاريخ الإضافـة 30/10/2019   رقم المحتوى 33476
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الثلاثاء 2019/11/12   توقيـت بغداد
تابعنا على