00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  من ذاكرة الحرب

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

من ذاكرة الحرب

نداء الجنابي

مثل كل مرةٍ، وحينَ يعود أحمد من الجبهةِ ، تستقبلُه صديقتي سعادُ بشوقٍ ولهفةٍ وهي تُقَبِلُ رأسَه شاكرةً اللهَ على عودَتِه سالما. لن تنسى حكايتَها معه، كان إبنُ الجيرانِ الوحيدِ، يَعيشُ مع والدَتَه وأُختَه الأكبرُ منه وألتي تزوجَت فيما بعدُ وسافرَت مع زوجِها لأحدى المحافظات. عَشِقَها وعَشِقَته ونَشأَت بينهما أَجملُ قصةِ حبٍ تَكللَت بالزواجِ وانجابِ ابنَهُما محمدٍ وأختِه نسمة. بعدَ سنواتٍ، شاءت الأقدارُ أن يَمر البلدُ بأسوأِ حربٍ ضد إيرانَ فَأنقلبت حياةُ الشعبِ الأمنةِ إلى جحيمٍ. الجميعُ خائفٌ من القادمِ، الجميعُ متأهبٌ للدفاعِ عن الوطنِ، وأصبحَ الإستعدادُ للأسوأِ حقيقةً.

طَحنَتَ رحى الحربِ شبابَ البلدِ وعوائلهم بدوامةِ الموتِ والفقدِ والآسِر واليتمِ والترملِ والتشردِ. ولم تكن عائلةُ أحمدَ بمنأى عن الأحداث.

في تلكَ الليلةِ الصيفيةِ القائظةِ، أخبَر أحمدُ زوجتَه بضرورةِ تطوعِه للذهابِ الى الجبهةِ، فالبلدُ على مُفترقِ طرقٍ ويحتاجُ لتضحياتِهم لدرءِ خطِر الأعداء وقتَها، توقفَ الزمنُ ليضعَ سعادَ أمامَ الخياِر الأصعبِ، أما القبولُ ومساندتِه من أجلِه وأجلِ الوطنِ، او المعارضةُ بكل ما اوتيت من قوةٍ لمنعَه خوفاً عليه وحينَها ستواجِهُ ضميَرها وستكونُ قد وقفت بوجه رغبةِ زوجِها بالذودِ عن حدودِ الوطنِ ومستقبلِ أولادِهما. حين حملَ حقيبته مودعاً عائلتَه، نزلت دموعُ سعاد لتغسلَ خوفَها وهاجسَ الفقدانِ متمنيةً عودتَه ورفاقَه سالمين.

كانت تنتظِر إجازتِه بفارغِ الصبِر لتسمعَ حديثَه المشوقَ عن بطولاتِ المقاتلين وانتصاراتِهم متجاوزا الحديثَ عن عددِ الشهداءِ والجرحى.

أخذت الحربُ منحىً جديداً حين بدأت حربُ المدنِ وأطلاقُ صواريخِ الأرضِ أرضٍ من الجانبين على المدن وبصورةٍ عشوائيةٍ. سقطت عشراتُ الصواريخِ على العاصمةِ وأصابت أحياءً بكاملِها محولةً إياها إلى ركامٍ. ترك الكثيَر من سكان العاصمةِ منازلَهم وتفرقوا في المحافظات طلباً للأمانِ. ذهبت سعادُ مع أهلِها لمحافظة العمارةِ عند بعض الأقاربِ. وحين اقتربَ موعدُ عودةِ أحمدَ، صمَمت على العودة الى الداِر والبقاءِ في انتظاِره. فذهبت مع أخيها تاركةً الأولادَ مع والدتِها. كانت صدمةً قاتلةً حين وجدت حيَهم وقد تحول إلى أنقاضٍ، نظرت لبقايا داِرهم وهي ساهمةٌ مذهولةٌ دامعةُ العينين واذا بيدٍ تربت على كتفِها فاستدارت لترى أحمدَ بملابسِ القتالِ حاملا حقيبتَه على ظهره، فاختلطت أحاسيسُها بين حزنٍ بالفقدان وفرحةٍ برجوعِ زوحِها. لم يبقَ أحمدُ مع عائلته سوى يومين لإشتدادِ المعاركِ وحاجةِ الجبهةِ للمقاتلين. ودعَها قائلا: حتما سأعودُ وأعوضُك عن كل هذا الحزنِ وسيكونُ الوطنُ بخيٍر وسلامٍ، حينَها لمحَت نزولَ دمعةٍ من عينيه فحاول جاهداً إخفاءَها عنها.

هذه المرةُ، تأخَر أحمدُ بالعودة، قلقَت العائلةُ واتصلَت بالأصدقاءِ وحاولت معرفةَ الأخباِر دونَ جدوى. في المساءِ، طرقَ رجلٌ البابَ وأخبَرهم بأنه والُد صديقِ أحمدَ وقد وصلتهم أخباٌر بحصولِ معركةٍ طاحنةٍ استُشهِدَ وآسَر فيها الكثيُر وكان أحمدُ من بين الآسرى فقد تعرفَ عليه بعضُ الجنودِ. كانت سعادُ تذهبُ كلَ يومٍ لمركِز المعلوماتِ باحثةً عن خبٍر يُطفىءُ ناَرها ببقاءِ أحمدَ على قيدِ الحياةِ ولكن لاجديدَ، حتى أسمه لم يذكر مع الآسرى ولم يتعرفوا على جثتِه فعدوهُ مفقوداً.

أصبح حالها حالَ الكثيراتِ ممن تعودن على زيارةِ مراكِز المعلوماتِ لسنواتٍ باحثاتٍ عن بصيصِ أملٍ بلقاءِ من فُقِدوا.

كبَر الأولادُ وتخرجوا في الابتدائية وبدأوا بالنسيان. ذاتَ ليلةٍ، فاتحَها أخوها برغبةِ صديقه عادلٍ بالزواج منها ونصحَها قائلا: يجب أن تفكري بنفسك وبأولادك فأحمدُ لن يعودَ وأنا سوفَ أسافُر للعملِ وكما ترين والدتنا في حالةٍ صحيةٍ متدهورةٍ ولن يكونَ أمامَك فرصةٌ للنجاةِ والزواج خيرٌ من التشتت والوحدةِ. تزوجت سعادُ بجسدِها وليس بروحِها ،فقد سبقَ لها ان وهبتْها لأحمدَ منذ زمن.

كان عادلُ رجلاً ميسور الحالً جميلَ العشرةِ طيبَِ القلب مؤمناً رعى أولادَها بما يرضي اللهُ.

حين تَخرجَ الأولادُ في الثانويةِ، جاءَت فرصةُ عملٍ لزوجِها للسفِر الى تركيا وهناك بدأ الاولادُ أكمالَ دراستهم. كانت حياتُها مستقرةً هادئةً راضيةً لحدِ تلك الليلةِ ألني بدأت فيها كوابيسُها بمحاصرتِها وأوشكتْ على إصابتِها بالجنون. كان أحمدُ يأتيها كل ليلةٍ في أحلامِها باكياً شاكياً يطلبُ مساعدتِها ويخبُرها بمدى عذابِه واشياقه لهم. حين تستيقظُ تتوضأُ وتصلي طالبةً السلام لروحِه استمرت تلك الأحلامُ تقلقُ نومَها لشهوٍر. في يوم وهي في السوق، لمحت أختَ أحمدَ وزوجَها يتسوقون، هرولتْ نحوهم بكلِ لهفةِ اللقاءِ لتسأل عن أحوالهم وأخبار البلدِ، فما كان من الأختِ إلا أن تصيبَها نوبةَ بكاءٍ وعويلٍ قائلة :. قبل سنةٍ، عاد أحمدُ من الآسر، فبحثوا عن سعادَ وعائلتَها دون جدوى، وكان دون ذاكرةٍ، او صحةٍ، وهو معهم لعرضِه على طبيبٍ مختصٍ في تركيا. حين دخلت شقتهم، رأت سعاد بقايا إنسانٍ متكومةٍ على السريِر بنظراتٍ زائغةٍ حزينةٍ. بكتْ وبكتْ ولطمتْ خدودَها ثم عادت لتشكَر ربَها لعودتِه حتى وإن كانت هذه حالتَه. قبلتْ يديه ورأسَه وجلست لساعاتٍ عند قدمِه تخبُره عنها وعن أولادِه، عن تفوقِهم ونجاحِهم وحبِهم لأبيهم واحترامِ ذكراه، كان ينظُر نحوها بنــــــظراتٍ جامدةٍ تائهة.

ٍ صارت سعادُ تزورُ أحمدَ تقريباً كلَ يومٍ فأهملتْ واجباتٍها تُجاه زوجِها وبيتِها مما أدخلَ الشكَ إلى قلب زوجِها ألذي قرَر اللحاقَ بها ليعرفَ مكانَ قضائِها كلَ هذا الوقتِ. حين رأها وهي تدخلُ تلك الشقةَ الكبيرةَ، ساوره الشكُ وانتظَر لبعضِ الوقتِ ثم دقَ الجرسَ لينفتحَ أمامَه البابُ ويرى زوجته تقبلَ رأسَ رجلٍ يجلسُ على طرف السريرِ.

انتابتْ الزوجَ نوبةُ غضبٍ متسائلا عن تقصيره معها ومع أولادِها لتجازيه بمثل هذا الموقفِ. حين استمعَ عادلٌ لقصةِ أحمدَ، نزلت دموعُه وتألمَ قلبُه لقربِ الفراقِ. آخر ماسمعته عن صديقتي سعاد هو طلاقها من عادل تنفيذا لوعدٍ قطعَه على نفسه، انه سيطلقها اذا عاد احمد ،لتتمكن من العودة الى زوجها السابق.

عاد أحمد لحضن عائلته ورعايتها. لم يتعرفْ عليهم لسنوات حتى تلك اللحظة ألتي استفاقت سعاد على صوت عزيز على قلبها يناديها بأسمها.

عدد المشـاهدات 165   تاريخ الإضافـة 29/10/2019   رقم المحتوى 33435
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الثلاثاء 2019/11/12   توقيـت بغداد
تابعنا على