00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  رحلة تجديد إجازة سياقة.. مواطن يرفض إعتماد أساليب الغش والفساد

أخبار وتقارير
أضيف بواسـطة admin
النـص :

رحلة تجديد إجازة سياقة.. مواطن يرفض إعتماد أساليب الغش والفساد

صادق خضر

معاناة المواطن الشريف في مراجعة دوائر الدولة في العراق تتجسد بصور صارخة في تلك الدوائر التي يفترض أنها (خدمية) وتمس حياة الناس مباشرة،وذلك في ظل الاجراءات الروتينية المعقدة وانتشار الفساد في كل المفاصل دون معالجات حقيقية من قبل المسؤولين الذين لا يقدرون كرامة الانسان ولا يشعرون بمعاناته ومتاعبه،وهناك قائمة طويلة معلنة من قبل الحكومة تضم أربعين ظاهرة للفساد تعشعش في زويا إدارية مظلمة لم يجتاحها الضوء حتى اليوم! من بين تلك الدوائر سوف نختار قصة معاملة يفترض أن تكون سهلة وسريعة وخالية من التعقيد والفساد وهي إصدار أو تجديد إجازة السوق التي تسمح للمواطن بقيادة عجلة في الشارع بطريقة قانونية وأمينة، مثلما يجري في مدن العالم المتحضر!

قانون قسوة جديد!

في العراق يعاني النظام المروري من أنهيار مريع منذ سنوات،بسبب تهالك الطرق وعدم انشاء جسور وأنفاق جديدة وغياب التقنيات الحديثة،واعتماد النظام المروي بكامله على وقوف شرطي المرور وسط التقاطعات والطرقات واعتماد وسائل بدائية في تنظيم سير المركبات وعدم وجود تعاون من قبل المواطن  في ظل ضعف تطبيق القانون!

لا يوجد بالطبع حل سحري لهذه الفوضى السائدة،وقد أصدر مجلس النواب العراقي قانوناً جديداً للمرور وأصبح نافذاً اعتباراً من يوم6102019 ومن أبرز سمات هذا القانون القسوة في العقوبات والمبالغة في الغرامات المفروضة على المواطن ومعاقبته وتحميله وحده ثمن الانهيار المروري،رغم النقص الفادح في مستلزمات الطريق الآمن التي يفترض أن تكون في مقدمة الخدمات التي توفرها الدولة لحفظ الأرواح والممتلكات وتنظيم الحياة!   تحت طائلة القانون الجديد وقسوته وقبيل موعد تطبيقه، هبت حشود من المواطنين لمراجعة دوائر المرور التابعة لوزارة الداخلية  من أجل إصدار أو تجديد وثيقة تسجيل السيارة(السنوية) وإجازة السياقة،وقد أعلنت مديرية المرور عن افتتاح مقرات عديدة لاستقبال المواطنين وإصدار الوثائق المرورية خلال مدة قصيرة،كما تزعم الحملة الاعلامية التي رافقت تلك العملية،وسوف أروي قصة رحلتي الشخصية لتجديد إجازة السياقة عبر مقر المرور في منطقة الرستمية في بغداد في جانب الرصافة، والتي ابتدأت من يوم الثالث والعشرين من أيلول(سبتمبر) الماضي وانتهت في السابع من تشرين الأول(أكتوبر) الحالي،وهي رحلة مؤلمة لأكثر من أسبوعين، قد لا تسر القاريء وربما تثير غضبه،أضعها أمام الجهات الرسمية المعنية وبخاصة وزير الداخلية ومدير المرور العام ومجلس مكافحة الفساد،لعلهم يسمعون صوت المواطن بدون حواجز،ويعملون وفق أمانة المسؤولية وشرفها على معالجة الظواهر السلبية التي ترهق المواطن وتزعجه وقد تدفعه للتذمر والاحتجاج!

ثلاثة مظاهر للفساد

لا يفوتني أن أؤكد قبل سرد القصة أنني كنت أستطيع تجديد إجازة السياقة بسهولة من خلال الواسطة أو الرشوة،وهما وسيلتان متوفرتان،ولكني وجدت الكثيرين مثلي يرفضون ركوب الباطل،ويراهنون على بقايا ضمير عند من يعنيهم الأمر،ويمكنني أختصار هذه الرحلة القاسية في ثلاثة مظاهر:

1- الاجراءات الإدارية الروتينية الورقية المعقدة وتعدد التواقيع والأشخاص والأماكن والحلقات الزائدة.

2- ارتفاع كلفة إصدار أو تجديد إجازة السياقة حيث تتراوح بين خمسين إلى مائة ألف دينار.

3- الإهانة والتأخير التي يتلقاها المواطن في كل خطوة بين (الكرفانات) التي يصعب وصفها بأنها دائرة حكومية وتفتقر لأبسط وسائل الاستقبال والتنظيم والراحة،سواء للمواطنين أم الموظفين!

 وسوف أشرح بالتفصيل تلك المظاهر.

حضرت إلى موقع الرستمية جنوب شرق بغداد،فصدمني منظر(الكرفانات) المتناثرة بطريقة عشوائية وسط ساحة متربة،وفوضى عارمة في دخول السيارات الى ساحة ترابية مجاورة تسمى(كراج) يقف عند بوابته مجموعة من الصبية الذين يفرضون على السيارات الداخلة مبلغاً مقداره ثلاثة آلاف دينار، في كل مرة،وبسبب اضطرار المواطن للمراجعة أياماً عديدة،فإن دخول(الكراج الوهمي) قد يكلف حوالي خمسة عشر ألف أو أكثر، وهذه الكراجات المزعومة إحدى بوابات الفساد الواضحة للعيان لمن يريد أن يشاهد الفساد عارياُ أمامه دون رداء في أغلب وزارات و دوائر الدولة وليس دوائر المرور والجوازات والجنسية فقط!..قطع أراض متروكة أو أرصفة خربة أو أزقة ضيقة تشهد ابتزازأ وتسليباً علنياً للمواطن الذي يحتار في العثور على مكان منظم لإيقاف سيارته!

 الفساد في الواجهة

عند مدخل مجمع الرستمية (الكرفانات) تنتصب أكشاك لمكاتب الاستنساخ والعرضحالجية والمعقبين،وهؤلاء يستقبلون المراجع بزفة عجيبة من الترحيب،ويعرضون خدماتهم الخاصة مقابل ثمن، حسب نوع المعاملة،وبطريقة علنية، وعلى مسمع ومرأى ضباط المرور،ولا بد أن تبدأ المعاملة عند تلك المكاتب بشراء ملف(فايل) أصفر واستنساخ المستمسكات الأربعة،بمبلغ خمسة آلاف دينار(الكلفة الحقيقية لا تزيد عن ألف دينار!)،ثم تجري عملية المساومة على تسهيلات خاصة، وقد عرض علي أحد المعقبين في تلك المكاتب تجديد إجازة السوق مقابل مائة ألف دينار فضلاً عن الرسوم الرسمية للاستمارة وغرامة التأخير وفحص البصر التي يكون مجموعها مائة ألف أخرى فيكون مجموع مبلغ الصفقة المطلوب (200)  مائتي ألف دينار فقط،ووعدني ذلك المعقب باستلام الإجازة،في غضون يومين، دون أن أضع قدمي في داخل تلك الدائرة،وأختصر رحلة البهذلة والمعاناة! هنا تبرز ظاهرة ثانية صارخة لا تحتاج إلى شهود، أو مفتشين وهي موجودة في بوابة كل دائرة حكومية(العرضحالجية والمعقبون) وهؤلاء هم المفسدون الذين يستغلون المواطن ويبتزونه ويشاركون الموظف الفاسد الغنائم القذرة،بلا خوف من القانون، فهناك من يحميهم دون شك!..فهل يعلم مجلس مكافحة الفساد؟! حدثتني نفسي الأمارة بالموافقة لكنني صحوت فجأة ورفضت، وخطفت الملف من يد المعقب ودخلت متوغلاً تائهاً بين الكرفانات المتناثرة مثل معسكر في جبهة الحرب حتى عثرت على شباك في أحدها،يقف أمامه صف طويل من المواطنين،وهناك موظف يقبض من المراجع مبلغ عشرة آلاف دينار ويمنحه الاستمارة التي تمثل محور المعاملة كلها! بعد ختم وتوقيع الاستمارة من قبل العقيد مدير الموقع أو من ينوب عنه،تنطلق رحلة أخرى نحو فحص البصر، في إحدى العيادات الصحية الشعبية، وقد اخترت الذهاب إلى عيادة بغداد الجديدة في عصر اليوم نفسه،وهناك وجدت مشهداً آخر من المعاناة لا يوصف بسبب الزحام الشديد،وهو مظهر متكرر لفوضى الكراجات ومكاتب الاستنساخ والمعقبين، وستكون أمام خيارين،فأما أن تدفع للمعقب خمسة وثلاثين ألفاً وتجري الفحص بدون تأخير ولا تقف في الطابور، أو ترفض الرشوة وتكون شريفاً وتقف في طابور طويل،ساعات عدة، أو تدفع خمسة وعشرين ألفاً لعملية فحص بصر وهمية، حيث لم يقم أي طبيب أو مساعد طبي بإجراء فحص حقيقي لنحو ألف مراجع كنت أحدهم في ذلك اليوم،وهذه مفسدة واضحة يضاف إليها مبلغ الفحص نفسه (25 ألف) في حين أن فحص البصر الاعتيادي في أي مستشفى أو عيادة خاصة لا يكلف أكثر من خمسة آلاف فقط، أي أن مبلغ الفحص الوهمي المروري يساوي خمسة أضعاف مبلغ الفحص الحقيقي..وكل مواطن يشهد على ذلك ويقبل خاضعاً مضطراً ذليلاً!

 فحص طبي زائف

ترسل نتيجة الفحص الطبي البصري الزائف بالبريد خشية التزوير(هههههه) وينبغي الانتظار أكثر من ثلاثة أيام لوصول نتيجة الفحص لموقع المرور،وعندما راجعت بعد تلك المدة أحد الكرفانات في موقع الرستمية وجدت استمارة الفحص الطبي وضممتها إلى الملف،ثم وقفت في طابور أمام كرفان آخر لغرض دفع مبلغ مقداره عشرة آلاف دينار يضاف إليه مبلغ غرامة مقداره ألفي دينار عن كل عام تأخير، فقد تعين علي دفع غرامة مقدارها أربعين ألفاً،فدفعت خمسين ألفاً كاملة، وقد أصبح مجموع المبلغ المدفوع حتى الآن بدون أي رشوة كما يأتي(5 آلاف ملف واستنساخ+10 آلاف استمارة+25 ألف فحص طبي+10 آلاف استمارة+40 ألفاً غرامة+15 ألف كراجات= 105 مائة وخمسة آلاف المجموع)!!  بعد توقيع المعاملة وختمها من قبل ضابط التدقيق،جاءت الخطوة الحاسمة ما قبل الأخيرة وهي(التصوير)،فهنا أمام كرفان يقف طابور  خرافي للدخول والجلوس أمام موظفين يستخدمون جهاز كومبيوتر وكاميرا لتصوير الوجه والمستمسكات الورقية تمهيداُ لإصدار الإجازة، وقد كان رقم تسلسي كما أشره مساعد المدير وختمه يقرب من أربعمائة،وبعد انتظار طويل عند بوابة ذلك الكرفان انتهى الدوام دون أن يدركني التصوير،وكان يوم خميس،فتأجلت عملية التصوير إلى يوم السبت، ذهبت مبكراً وبعد نحو ساعتين من الوقوف في الطابور الترابي دخلت إلى مكان التصوير وخرجت فرحاً فلم يبق سوى الطبع ومن ثم الاستلام،بعد نحو أسبوع فقط! كنت أتخيل أن الاستلام سيكون سهلاً  سريعاً،وتنتهي هذه الرحلة المثيرة،فحضرت إلى كرفان الاستلام مبكراً متفائلاً، لكنني ذهلت لهول ما رأيت من فوضى في قراءة الأسماء من قبل عدد من الضباط والموظفين،وكان هناك حشد من المراجعين يتزاحمون ويتصايحون ويتدافعون، وبعضهم يجلسون على كراسي مطاطية قذرة متفرجين على هذا المشهد السوريالي، وعندما أُعلن إسمي بعد نحو ساعتين، كدت أسقط مغشياً من شدة الفرح والألم في آن معاً! تسلمت إجازتي بيميني وخرجت مسرعاً من مجمع الكرفانات نحو مكاتب الاستنساخ ثم إلى ساحة الكراج الترابية،وكانت تلك مدة أسبوعين كاملين في حين أن الإعلانات الرسمية تقول أن إصدار الإجازة خلال ساعتين! هذه القصة ليست موجهة إلى المواطن لكي يقرأها لتمضية الوقت، ولكنها تجربة أضعها أمام المسؤول الشريف لعل ضميره يتحرك فيقول..تباً للفساد وكفى قهراً للمواطن المظلوم في بلد الخيرات والثروات والكفاءات والحروب والنكبات!!

عدد المشـاهدات 2156   تاريخ الإضافـة 29/10/2019   رقم المحتوى 33433
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأحد 2019/11/17   توقيـت بغداد
تابعنا على