00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  الفساد وأثرهُ في التنمية  الإقتصادية -2-

مقالات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

الفساد وأثرهُ في التنمية  الإقتصادية -2-

 حسن الياسري

لقد تحدَّثنا في الجزء الأول عن الفساد المصاحب للتنمية الاقتصادية ، والفساد المُعوِّق لها . وسنتكلم اليوم في أثر الفساد في التنمية الاقتصادية . وقبل الولوج في بحث الآثار التي يرتِّبها الفساد على التنمية الاقتصادية ، لابد من طرح السؤال الآتي : هل يولِّد الفساد آثاراً سلبيةً تؤثر في التنمية الاقتصادية فحسب ؟ أو بالإمكان أنْ يكون له بعض الآثار الإيجابية ؟ ولربَّما سيستغرب الكثيرون من طرح هذا السؤال ؛ بالنظر لكون الإجابة عندهم واضحةً ومعروفةً ، وهي أنَّ للفساد آثاراً سلبيةً فقط ، ولا يمكن أنْ تكون له أية آثارٍ إيجابيةٍ ؟ بيد أنَّ هذه الإجابة ليست دقيقةً ، إذْ على الرغم من أنَّ أغلب الآراء تكاد تجمع على الآثار السلبية للفساد ، وعلى أنه معوِّقٌ رئيسٌ للتنمية الاقتصادية ، وأنَّ وجوده في دولةٍ ما سيؤثر في اقتصاد تلك الدولة سلبياً ، وسيعوق النمو الاقتصادي فيها ، ويعرقل خطط التنمية . لكنَّ الحقيقة أنَّ ثمة اتجاهاتٍ في العالم تجنح للقول بوجود بعض الآثار الإيجابية للفساد. وبناءً على ذلك يغدو مهماً التطرق في هذا المقام إلى هذين الاتجاهين ، الاتجاه القائل بوجود الآثار الإيجابية للفساد في التنمية الاقتصادية ، والاتجاه القائل بعدم وجود مثل هذه الآثار البتة ، بل بوجود الآثار السلبية فقط .

الاتجاه الأول

الآثار الإيجابية للفساد في التنمية الاقتصادية

يذهب هذا الاتجاه إلى أنَّ عدم وجود الفساد إنَّما يكون في ظل النموذج المثالي لمجتمعٍ ما ، وهذا المجتمع غير موجودٍ ؛ ومن هنا فأنَّ الفساد ذاته لا يضرُّ المجتمع دائماً ، ولا يكون مناوئاً للتنمية الاقتصادية ، ولا سيما إذا كان الفساد يستشري في دولةٍ تسود فيها البيروقراطية والموظفون الإداريون غير الكفوئين ، أو إذا كان حكم القانون فيها ضعيفاً ، كما حدث سابقاً في روسيا والصين . وإنَّ وجود مستوىً معينٍ من الفساد في بعض الحالات لا يمثِّل عائقاً – بحسب هذا الاتجاه – ، بل على العكس قد يُسهم في تحقيق بعض المزايا الإيجابية على مستوى التنمية الاقتصادية ، التي يمكن إيجازها بالآتي :

1- يُسهم الفساد في تفادي الضوابط التنظيمية المرهقة والجهد القانوني والإداري المصاحب لنشأة الاستثمار.

2- تساعد الرشا التي تُدفع من قبل المستثمرين في التغلب على الحواجز والعوائق التي تضعها بعض الدول أمام التجارة الدولية ؛ ما يعني أنَّ الرشوة تفتح الأبواب أمام الاستثمار الأجنبي ؛ وكل ذلك يُسهم في توفير فرص العمل وتنشيط الحركة التجارية .

3- تخلق هذه الرشا نوعاً من التنافس بين الشركات ، إذ سيتم استبعاد الشركات الأصغر غير القادرة على دفع الرشى الضخمة ، وستبقى الشركات القادرة على ذلك ، وهي الأكبر والأكفأ والأقوى ، وهي أفضل للدولة من حيث التعامل .

4- أنَّ الفساد في هذه الصورة سيُسهم في استغلال الوقت للشركات والأفراد الذين يقيمون للوقت وزناً ، إذْ سيقوم أولئك الذين تكون لديهم تكلفة الفرصة البديلة للوقت مرتفعةً نسبياً بتقديم الرشوة لموظفي الحكومة رغبةً في قضاء مصالحهم والحصول على الموافقات والتراخيص في أقل وقتٍ ؛ ما يعني أنَّ الفساد أسهم بتوفير الوقت لمن ترتفع لديهم قيمة الوقت .

5- يُخفِّف الفساد العبء الضريبي على الوحدات الاقتصادية ، الأمر الذي يُشجع النمو الاقتصادي ؛ وذلك لأنَّ الحكومة لن تكون في ظل وجود الرشا والفساد بحاجةٍ إلى زيادة الضرائب لتمويل الزيادة في رواتب الموظفين .كما أنَّ ذلك سيساعد ، بحسب رأيهم ، في رفع المستوى المعيشي للموظفين ذوي الدخول المنخفضة.

6- وأكثر من ذلك كله ، يذهب البعض إلى أنَّ الفساد قد يؤدي إلى تحقيق نوع من التماسك السياسي ؛ وذلك لأنه يوفر للأحزاب والجماعات السياسية الموارد المالية اللازمة التي تمكِّنها من البقاء والاستمرار ، ومِنْ ثم تتوفر الظروف المناسبة لتحقيق النمو الاقتصادي .

ويخلص هذا الاتجاه إلى ضرورة تنظيم الفساد وجعله فساداً منظَّماً ، إذْ في ظله سيعرف المرء إلى أين يذهب ، وكم يدفع ؛ لغرض الحصول على خدمةٍ أو ميزةٍ ما ؟ بخلاف الفساد العشوائي – غير المنظَّم – الذي يفضي إلى ضياع الكثير من الوقت والجهد والمال . ولعلَّ هذا الاتجاه وما ورد فيه لم يكن ليُلتَفت إليه لولا النهوض الاقتصادي لما يُسمى بـ ( المعجزة الآسيوية ) وبزوغ نجم بعض دول جنوب شرق آسيا ، مثل إندونيسيا والفلبين وتايلاند . فقد حققت هذه الدول في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي نمواً اقتصادياً كبيراً على الرغم مِنْ تفشّي الفساد فيها – في حينه – .  وعلى الرغم من الوجاهة – الظاهرية  – التي يتحلَّى بها هذا الاتجاه ، والبريق الذي يحتويه ، والمنطق الذي يتبنَّاه ، ذلك المنطق الذي قد يبدو معقولا ً لدى البعض ؛ لكننا نجزم أنه ليس كذلك ، وأنْ ليس بوسعه الصمود أمام النقود التي يمكن أنْ نوجّهها إليه . وإجمالاً يمكن الرد عليه بمجموعة ردودٍ ، أهمها :

1- إنَّ القول بأنَّ الفساد يُسهم في تفادي الجمود القانوني والإداري قول ٌيفتقر إلى الدقة ؛ وذلك لأنَّ النقص الذي يعتري المنظومة القانونية يُعالَج بتعديلها أو تغييرها وإبدالها بأحسن منها ، وأنَّ الضوابط الإدارية الجامدة ينبغي إعادة النظر فيها وتعديلها بما يصبُّ في خدمة التنمية ، لا فتح الباب أمام الفساد . هذا مِن جهةٍ ، ومِن جهة أخرى أنَّ هذا الجمود إنَّما أوجده بعض المسؤولين والموظفين لغرض الحصول على الرشى ؛ ما يعني أنَّ الفساد هو أحد أسباب الإفراط في الجمود والبيروقراطية ، إذْ سيتفنّن بعض الموظفين في وضع المزيد من العراقيل ؛ بغية الحصول على المزيد من الرشى والعمولات .

2 – إنَّ القول بأنَّ الفساد يخلق نوعاً من التنافس بين الشركات وأنه سيبقي على الشركات الأكبر والأكفأ هو قولٌ مردودٌ ؛ إذْ ليس من الضروري أنَّ هذه الشركات هي التي ستُقدِم على دفع الرشى ، بل قد تفعل ذلك الشركات غير الرصينة – كما حدث في بلدنا مثلاً – ، كما أنَّ الفساد سببٌ لإحباط المشاريع الإنتاجية الأكثر جودة ً وكفايةً ، ثم أيّ تنافسٍ هذا الذي يخلقه الفساد !!

3- إنَّ القول بأنَّ الفساد يختزل الوقت هو قولٌ غير صحيحٍ أيضاً ؛ ذلك أنَّ الفساد قد يكون سبباً لإطالة الوقت لا اختزاله ، إذْ سيضطر الراشي إلى صرف المزيد من الوقت للتفاوض مع المرتشين ، وغالباً ما يكونون متعددين ،كما أنَّ هناك بعض الدراسات الميدانية التي أجرتها بعض المؤسسات الدولية تؤكد هذه الحقيقة ؛ وهي أنَّ الفساد لا يكون سبباً لاختزال الوقت .

4 – ويُردُّ على أنَّ الفساد وسيلةٌ لرفع المستوى المعيشي للموظفين الحكوميين بالقول إنَّ الوسيلة الطبيعية لذلك هي زيادة الرواتب وليس الاعتماد على الفساد . هذا مِنْ جهةٍ ، ومِن جهةٍ أخرى إنَّ متعاطي الفساد هم فئةٌ من الموظفين وليس جميعهم ؛ ما يعني أنَّ الفساد سيفضي إلى سوء توزيع الدخل ؛ إذْ سيستأثر بهذه المنافع – غير المشروعة – الموظفون الفاسدون الذين يتعاطون الفساد ، دون غيرهم مِن الموظفين النزيهين.

5 – وكذا ليس صحيحاً القول إنَّ الفساد يرفع الحواجز أمام التجارة الدولية ، بل على العكس سيكون سبباً رئيساً في نفور الاستثمارات الأجنبية ؛ إذ يتسبَّب في زيادة العبء والكلفة على الشركات الاجنبية الراغبة بالاستثمار.

6 – وأمَّا القول بالأثر الايجابي للفساد من حيث تسبّبه في تماسك الجماعات الحزبية وتمويلها فهو قولٌ مردودٌ أيضاً ؛ وذلك بسبب ما ينجم مِن الفساد مِن مشكلاتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ تعيق عملية التنمية الاقتصادية وتعرقل تطور المجتمع ، بل يعدُّ الفساد – على مستوى العالم – سبباً رئيساً لسقوط الكثير مِن الشخصيات السياسية والأحزاب والحكومات . ويكفيك أنْ تعلم أنَّ دول العالم باتت تُجمع على ضرورة التصدي للفساد ومكافحته ومحاسبة كل المتسبِّبين فيه .ولا استبعد أنْ يكون الباعث لهؤلاء المنظِّرين القائلين بالأثر الإيجابي للفساد هو التستُّر على الفساد الذي كان مستشرياً في دول جنوب شرق آسيا والمتزامن مع نهضتها الاقتصادية الكبرى ؛ إذْ راموا ، بحسب تقديري ، عدم إيقاف عجلة التنمية بدعوى وجود الفساد !

وتأسيساً على كل ما تقدم يغدو القول بالأثر الايجابي للفساد قولاً عقيماً لا قيمة له ، لا يستند إلى حجة ٍمنطقيةٍ تُسعفه ، ولا يركن إلى ركنٍ وثيقٍ يعضده .

وللحديث تتمة في الجزء الثالث إنْ شاء الله للكلام في الآثار السلبية للفساد في التنمية الاقتصادية.

عدد المشـاهدات 1370   تاريخ الإضافـة 01/10/2019   رقم المحتوى 32892
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الإثنين 2019/10/14   توقيـت بغداد
تابعنا على