00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  بغداد في العهد العثماني (3)

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

بغداد في العهد العثماني (3)
القنصليات الأجنبية تتدخل في الشؤون الداخلية والنزاعات والصراعات

صلاح عبد الرزاق

كانت في بغداد عدة قنصليات تتولى شؤون رعاياها والإشراف على مصالح بلادها في بغداد. وكانت تراقب تحركات رعايا دولها القادمين لزيارة العراق سواء كانوا تجاراً أم رحالة أم منقبي آثار أم غير ذلك. وكانت علاقة الدولة العثمانية بتلك الدول تنعكس على علاقة الولاية بممثلي تلك الدول ودبلوماسييها في بغداد. ولم تكن كل الدول مهتمة بإقامة علاقة دبلوماسية أو فتح ممثلية لها في بغداد . فالعراق كان مجردة مستعمرة عثمانية معزولة ومتخلفة لا يوجد ما يجذب فيها سوى آثار الحضارات القديمة أو التسابق لاستكشاف النفط.

كان المقيم الأجنبي يسمى (رزينت) وأصلها Resident بالانكليزية ، كما يسمى المقيم بـ (باليوز) وهي لفظة أجنبية Baylos أو باليوس Balios أو باليوز Balioz وهي مشتقة من لفظة Balio الإيطالية (1).

كانت البعثات الدبلوماسية في بغداد هما القنصليتان الفرنسية والانكليزية . وكانت كل واحدة تهتم بشكل خاص بشركاتها ونشاطاتها وأسواقها ، أو في توفير ممرات آمنة لتجارتها الدولية وخاصة في الخليج. كان الإنكليز يمتازون بالجدية والعملية ، ولذلك حققوا نجاحات واضحة في العراق. أما الفرنسيون  فقد اهتموا بالمظاهر والمراسم والاحترام الرسمي والأبهة. كما أنهم فشلوا في إنشاء الطريق البري بين بغداد ودمشق بسبب عرقلة الإنكليز للمشروع على الرغم من نجاحهم في فتح أكبر ممر بحري دولي هو قناة السويس (2).

وكانت القنصليات الأجنبية في بغداد تبني علاقات مع المجموعات السكانية وخاصة غير المسلمين كاليهود والمسيحيين، إضافة إلى التجار والوجهاء وشيوخ القبائل. كما كانت تتدخل في الشؤون الداخلية أو النزاعات والصراعات. تأسست القنصلية الفرنسية عام 1742 م في بغداد. ومنذ ذلك التاريخ بدأ القناصل الفرنسيون يقيمون في بغداد.

إما إنشاء القنصلية البريطانية فقد جاء بعد نصف قرن على وجود الفرنسيين في بغداد. إذ تم تأسيسها عام 1797 م . وكان لها قنصلية أخرى في البصرة. كانت القنصلية البريطانية العامة في بغداد تقع على شاطئ دجلة . يصفها الرحالة جون أشر John Usser عندما دخلها عام 1864 بقوله (كانت بناية كبيرة كثيرة الغرف والمرافق. وكان البعض من أجنحتها مطلاً على دجلة ومؤثثاً بأثاث فخم جميل على الطراز الفارسي الذي يتميز بوجود الكثير من المرايا. وكانت البناية تعود لملك أودة في الهند. وكانت تتولى حماية القنصلية مفرزة من جنود السباه التابعين للجيش الهندي في بومبي يبلغ عددهم 60 حارساً، أما خدمها فقد كان معظمهم من الهنود كذلك. وكان المقيم البريطاني آنذاك هو الكولونيل كيمبل Colonel Kemball). وكانت القنصلية الإنكليزية في بغداد تمتلك امتيازات وشبكة علاقات .

كما كان تحت تصرف القنصل باخرة اسمها كوميت   Come  ترسو أمام القنصلية في نهر دجلة.

يصف الرحالة الانكليزي باكنغهام منزل القنصل البريطاني الذي زاره عام 1816 م فيقول (تتألف دار المقيم العام من جملة من الغرف ، وهي أكبر مساكن بغداد وأحسنها. وتتكون من ساحتين كبيرتين تحيط بها غرف وقاعات ، وسطوح ينامون فوقها، وعدد من السراديب لاتقاء حر الصيف الشديد خلال النهار . وهنالك أيضاً اصطبلات جيدة واسعة ومطابخ ومكاتب). ويضيف (ويلحق بدار المستر ريج (القنصل) جراح إنكليزي وسكرتير إيطالي وجماعة من المترجمين والانكشارية والسائسين كل يؤدي واجبه.وهؤلاء أخلاط من الترك والكرج (جورجيين) والعرب والإيرانيين والهنود . وكل شيء في دار المندوب السامي يوحي بالاحترام وينطق بالعظمة ويبعث في نفوس السكان شعور الهيبة. وكان المستر ريج يعتبر أقوى رجل في بغداد بعد الباشا (سعيد باشا 1813-1816). وكان البعض يرى أن الباشا يأخذ أحياناً بمشورته دون المجلس). ويصف باكنغهام القنصلية الفرنسية فيقول (تتكون القنصلية الفرنسية من القنصل العام المسيو فيكورو Vigoroux وهو رجل ذكي ، دمث الأخلاق ، ومترجم شاب من حلب، وبيت بسيط وبعض الخدم. وكانت الكنيسة المسيحية تحت الرعاية الفرنسية ويشغلها الأب الكرملي فنسينزا Padre Vincenza وزميله كاميللو ديجيسو Camillo De Jesu الذي غادر مؤخراً إلى أوربا. وكانت هذه الكنيسة تضم مختلف العناصر المسيحية من روم وسريان وكلدان) (5).

وخلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر بادرت دول أخرى بفتح قنصليات لها في بغداد مثل ألمانيا وروسيا وإيران. ففي عام 1893 كان مبنى القنصلية الألمانية يتخذ مكانه بجوار ضفة النهر (6). وهناك مصادر تشير إلى أن تعيين القنصل الألماني جاء عام 1894 بعد حادثة شهيرة في بغداد. إذ كان شاب ألماني يسكن بغداد من أسرة نبيلة. وفي ذلك العام قامت إحدى العوائل المسيحية العراقية برفع دعوى على هذا الشاب بحجة أنه لاط بغلام لها كان تلميذا في مدرسة الآباء الكرمليين.

وقد انقسم المجتمع البغدادي إلى فريقين: فريق وقف ضد الشاب وفريق معه. وقد استاءت الحكومة الألمانية من هذه القضية فقامت بتعيين الشاب قنصلاً لها ببغداد كي تثبت أن ريتشارز برئ من تلك التهمة. وكان بذلك أول قنصل لألمانيا في بغداد.

منصب الوالي في بغداد

بقيت بغداد تحكم من قبل الولاة العثمانيين ، وأغلبهم لم يكن سوى عسكري يفكر بذهنية قمعية ، وكانت القسوة والشدة هي المظهر السائد في إدارتهم للعراق. ولم يكن الناس يذكرون منهم بعد عزلهم سوى موقف شديد لهم في مواجهة ثورة أو إدارة أزمة كالمجاعة أو الوباء أو الفيضان. وفي أحسن الأحوال كانوا يتركون أثراً يتمثل في بناء قبة في جامع أو غيرها.

يلاحظ أن العراق بقي في دور خمول وتحجر وانزواء عن المسرح الدولي والحدث التاريخي طوال تلك الفترة. وبقي العراق يعامل من قبل الحكومة العثمانية على أنه بلد منزوي ليس مؤثرا سوى ما يجمع منه  من ضرائب أو يساق أبناؤه كجنود في الحروب العثمانية. وكان العراق يعد بلداً نائياً لا يرغب فيه الولاة إلا المرتشون والطامعون في جني ضرائبه نظراً لانتاجه الزراعي الهائل.

كانت الحكومة المحلية حكومة مطلقة ، يتصرف فيها الوالي حسبما يشاء. فلم تعد الرحمة موجودة لدى موظفي الحكومة والشرطة. وكان الوالي مسوقاً بدافع نفقاته الباهضة لديوانه إلى الضغط على الشعب عامة بطريقة جائرة (7). وكان تعيين الوالي يخضع لمساومات لمن يدفع أكثر من الواردات التي يجمعها من السكان المحليين العراقيين. وهي رشوة واضحة لأن المرشح يدفع مبالغ كبيرة لكبار موظفي الصدر الأعظم ومكتب السلطان نفسه. كما كان يجري تجديد تعيين الوالي سنوياً بشكل تقليدي، إلا إذا كان هناك منافسون يدفعون أكثر أو يجري عزل الوالي لإخفاقه في مهامه أو فشله في قمع انتفاضة أو غيره. وكان الوالي يقوم بتقسيم الأراضي الحكومية الزراعية إلى مقاطعات ثم يقوم بتأجيرها في مزايدات بين الإقطاعيين وشيوخ العشائر والتجار والوجهاء.

ولم يكن ذلك الأمر مقتصراً على الوالي العثماني بل يقوم ضباطه بمثل ذلك وخاصة في مناطق العراق الأخرى وخاصة الزراعية، حيث يقومون بتأجير الأرض وإجبار الفلاحين على دفع الضرائب، وعادة ما يوكل ذلك إلى جباة قساة (8).

وكان الوالي يقوم بجباية الواردات للسلطان بما فيها الواردات الحكومية والضرائب والرسوم ، وعائدات العتبات المقدسة . وهو المسؤول عن جميع الأعمال في الحكومة ودوائرها والشرطة، فكان يعيش كالأمير المستقل من حين استلامه منصبه ولحين مغادرته بغداد.

وكان السلطان يبعث الدفتردار المسؤول عن الحسابات، الذي يرفع تقاريره إلى  السلطان ، لكنهم كانوا يميلون لموقف وسلوك الوالي لأن حياتهم بيده، بل أن بعضهم كانوا يستغيثون بالسلطان أحياناً. كما كان هناك القاضي الذي يراقب أداء الوالي طوال فترة عمله وهي لمدة سنة واحدة، فيعود ويرفع تقريره إلى كبير القضاة (9).

كان الوالي هو الحاكم المطلق في الولاية (العراق) ، يصف الرحالة الأميركي وليم بيري فوك   William Perry Fog (1826-1909) هذا المنصب فيقول : إن باشا بغداد هو حاكم ولاية تبلغ ثلاثة أضعاف ولاية نيويورك، وتشتمل على سكان يبلغ عددهم المليونين. وهو حاكم مطلق مستبد، لا يخضع إلا لسيده سلطان تركيا ، وله القيادة لجيش كبير مستقر في بغداد، وفي المدن الكبيرة الأخرى التابعة لما يسمى بـ( الباشوية).

ويحده من الشرق إيران، ومن الجنوب الخليج.

وفي غير مرة وجد الرجال الطامعون الذين تبوأوا هذا المنصب أنهم بعيدون عن القسطنطينية (اسطنبول) ، فاتهموا بالعمل على إعلان أنفسهم حكاماً مستقلين، كما وقع من قبل لمحمد علي باشا مصر (10).

يصف الرحالة الإنكليزي جيمس باكنغهام James Silk Buckingham ( 1786-1855) (11)  الذي زار بغداد في تموز 1816 مجلس الوالي سعيد باشا (1813-1816)  فيقول: كان هناك مجلس يساعد الباشا في اتخاذ بعض القرارات. يتألف المجلس من عدد من كبار ضباط الحكومة وعدد من رؤساء دوائر الحكومة . ويجتمع المجلس أيام الجمع في الديوان الكبير (مكتب الباشا) للتداول ومناقشة القضايا الهامة . ويؤخذ رأيهم في الأمور التي يترتب عليها نتائج خطيرة. أما مجرى الأعمال الاعتيادية فيسير دون تدخل المجلس (12). نائب الباشا وهو سادن الحضرة الكيلانية (من سلالة الشيخ عبد القادر الكيلاني).

التقسيم الإداري

تطورت التقسيمات الإدارية في العراق بحسب التطور التأريخي والسياسي والدولة الحاكمة. ففي عام 1534 م احتل السلطان سليمان القانوني العراق بعد تغلبه على الجيش الصفوي، فقام السلطان بتقسيم العراق إلى (17) سنجقاً (كالمتصرفية)، وأفرد ستة سناجق لقيادات الجيش العثماني وهي الحلة وزنك آباد والجزائر والرماحية وجنغولا وقرداغ.

 وأصبحت بغداد ولاية تتبعها مقاطعات بغداد والبصرة والموصل، ويحكمها والٍ يعينه السلطان العثماني. وفي أوائل القرن الثامن عشر، انفصلت مقاطعة الموصل عن بغداد، وخضعت مدة من الزمن لولاية ديار بكر. وانفصلت بعدها مقاطعة شهرزور وكان مركزها كركوك. وقد استقلت كلتا المقاطعتين فترة ثم أعيدتا إلى حكم بغداد فيما بعد (13).

وعندما تولى الوالي العثماني مدحت باشا ولاية العراق كانت تتألف من مقاطعتي بغداد والبصرة وتنقسم إلى متصرفيات، والمتصرفيات إلى أقضية، والأقضية إلى نواحي. ويكون المسؤولون التنفيذيون هم المتصرف والقائممقام ومدير الناحية، كل حسب اختصاصه.

قسمت ولاية بغداد إلى سبعة سناجق وهي:  1- بغداد 2- الحلة 3- كربلاء 4- العمارة 5- المنتفك (الناصرية) 6- البصرة 7- نجد (في السعودية الحالية).

وكانت البصرة مركز سنجق (14) و(نجد) مركز قضاء ثم أصبحت سنجقاً مركزها الأحساء.

في عام 1880 تم تقسيم العراق إلى ثلاث ولايات هي بغداد والبصرة والموصل.

وتتبع كل ولاية مجموعة سناجق كالآتي (15):

ولاية بغداد    – سنجق بغداد : 10 أقضية ، 14 ناحية و47 قرية

– سنجق الديوانية : 3 أقضية ، 6 نواحي ، صفر قرية

–         سنجق كربلاء : 4 أقضية ، 6 نواحي ، صفر قرية

ولاية البصرة  – سنجق البصرة : 1 قضاء ، 9 نواحي ـ 111 قرية

– سنجق المنتفك : 3 أقضية ، 16 ناحية ، 6 قرى

–         سنجق العمارة : 3 أقضية ، 5 نواحي ، 14 قرية

– سنجق نجد : قضائين (القطيف وقطر) ، 4 نواحي ، 66 قرية

ولاية الموصل – سجق الموصل : 6 أقضية ، 7 نواحي ، 1138 قرية

–         سنجق كركوك : 5 أقضية ، 8 نواحي ، 1157 قرية

– سنجق السليمانية : 4 أقضية ، 7 نواحي ، 1036 قرية المجموع: 10 سناجق ، 41 قضاء ، 82 ناحية

قبل الحرب العالمية الأولى كانت ولاية بغداد تضم:

1- متصرفية بغداد ومركزها بغداد ، وأقضيتها: بغداد ، الكاظمية ، طريق خراسان (بعقوبة) ، خانقين ، كوت الإمارة (الكوت) ، مندلي، سامراء ، بدرة ، العزيزية، جزيرة الدليم  و عانة.

2- متصرفية الديوانية ومركزها الديوانية، وأقضيتها: الديوانية ، الحلة، السماوة والشامية.

3- متصرفية كربلاء وأقضيتها كربلاء ، الهندية ، النجف والرزازة (16).

الهوامش

1- عباس العزاوي (موسوعة تاريخ العراق بين احتلالين) / ج 7 / ص 334

2- عباس العزاوي / ج 7/ ص 335 قام المهندس الفرنسي دي ليبسس بشق قناة السويس في مصر عام 1869 .

3- كتاب (رحالة أوربيون في العراق) / ص 143 الطبعة الأولى ، دار الوراق، لندن : 2007

4- كتاب ( بغداد بأقلام رحالة) / رحلة باكنغهام / ص 124  الطبعة الأولى ، دار الوراق، لندن : 2007

5 – كتاب ( بغداد بأقلام رحالة) / رحلة باكنغهام / ص 125

6- محمد مكية ( بغداد) / ص 230 دار الوراق ، الطبعة الأولى ، لندن : 2005

7- ستيفن لونكريك ( أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) / ص 46 الطبعة الثانية، بيروت : 1949

8- ستيفن لونكريك / ص 47

9- ستيفن لونكريك / ص 46

10- كتاب (بغداد بأقلام رحالة)/ رحلة وليم فوك / ص 153

11- جيمس باكنغهام كاتب وصحفي إنكليزي . تجول في بلدان الشرق ونشر كتبه مثل (رحلة في فلسطين) و (رحلات بين القبائل العربية) .

12- كتاب (بغداد بأقلام رحالة )/ رحلة باكنغهام / ص 115

13- دليل الجمهورية العراقية لعام 1960 / ص 93 إصدار وزارة الإرشاد.

14- كلمة سنجق تركية تعني العلم أو اللواء ، ومنها تمت تسمية اللواء على الوحدة الإدارية الكبرى.

15- عبد الرزاق الهلالي (معجم العراق) (1953) ج 1/ ص 292-293

16- صلاح عبد الرزاق (التقسيمات الإدارية في بغداد منذ 70 عاماً).

عدد المشـاهدات 838   تاريخ الإضافـة 16/09/2019   رقم المحتوى 32415
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الخميس 2019/10/24   توقيـت بغداد
تابعنا على