00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  إسطنبوليات (3)

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

إسطنبوليات (3)

ميناء امينونو .. خاصرة إسطنبول  وحزامها الذهبي

كاظم المقدادي

عندما .. تجلس عند الغروب ، على ضفاف مضيق البسفور  .. تجد  نفسك وسط عالم من المتعة و الخيال ،  ربما ستظن انها هي المدينة الفاضلة ، التي كتب عنها  أفلاطون  ،  وأشـــــاد بها الفارابي .عشرات البواخر تتحرك امامك ، ذهابا ، وإيابا ،  وهي تبحر نحو القسم  الاسيوي من اسطنبول .. ومن بعيد تتلألأ الاضواء الملونة ، حول جسر البسفور  ، وكأنه في فرح ازلي .. وترى  البواخر  وهي تنقل اليه مئات السياح  ،  صباح مساء ، وبسعر زهيد وسط اجواء من الالفة ، والانبهار  .امامك في الضفة المقابلة .. وعلى تلة شارع الاستقلال ، يطل عليك برج گلاطة ، معلنا سهرته اليومية .. مع المئات من السياح الذين يصعدون الى مطعمه  الزاخر  بكل الاصناف من الاطباق  الشرقية والغربية .. بعض السياح يفضل البقاء  في المقاهي الممتلئة ، والتي تحيط  بساحة  البرج المدورة . في احدى  سنوات  السفر الجميل الى اسطنبول .. صعدت انا وزوجتي الى برج گلاطة .. فاذا بالنادل يسألنا .. من اي بلاد انتم..؟  قلت له من العراق .. غاب عني ثوان ، وجاء  بالعلم العراقي ووضعه على طاولتي ، وهكذا فعل مع بقية الزبائن  .. وماهي الا دقائق معدودة .. حتى تبدل شكل  القاعة ، وكانها من قاعات ( الامم المتحدة ) بسبب  تنوع اعلام البلدان .. وسط موسيقى و اغاني ايام زمان .

شواهد حضارية

على ضفاف امينونو .. اينما تولي وجهك ، ستجد الجمال والسحر  يحاصرك .. ومن  خلفك سترصد العشرات من الشواهد الحضارية ماثلة بتاريخها و عبق تراثها … هذا هو (  السوق المصري ) القديم بعمارته وأقواسه  الجميلة ، وبمداخله  الستة المزحومة  بالناس ،  وهم يتوزعون على 140 متجرا معظمها تختص بالعطارة  .. وسمي بالسوق المصري لان معظم البضائع  كانت تصله  من مصر عن طريق البحر  ،  وتاريخ بنائه ، يعود الى مطلع القرن السابع عشر  ، على يد السلطان مراد الثاني.

وامام السوق يرتفع بخشوع الجامع الجديد .. الذي تم بناؤه في القرن السابع عشر ايضا ، بطلب من صفية والدة السلطان مراد الثالث .. وقد تم تصميم هذا الجامع بشكل فريد ، حيث توزعت القباب الصغيرة ، والكبيرة على محيطه بهندسة معمارية تلفت فضول الرائي  . . وعلى يسارك تشاهد جامع السليمانية  على تلة مرتفعة .. شيده السلطان سليمان القانوني في النصف الثاني من القرن السادس عشر ، الذي حكم الدولة العثمانية اكثر من خمسين سنة .. وجامع السليمانية يعد افضل ما قدمه المعمار  سنان من تحف هندسية خلال عمله مع السلاطين .وعلى بعد أمتار من ميناء امينونو ،  تعثر على بناية البريد القديم .. ثم محطة  سيركجي القديمة .. والتي منها يتحرك المترو  الى القسم الاسيوي داخل نفق  تحت البحر ..  افتتحه الرئيس اردوغان  واطلق عليه اسم (أوراسيا)  لانه  يربط اسطنبول بشقيها الاوربي والآسيوي .

وعلى مسافة من ضفة البسفور .. تمشي لتجد امامك  جامع السلطان احمد .. وكنيسة ايا  صوفيا ، التي بناها البيزنطيون قبل تاريخ فتح  اسطنبول سنة 1453 على يد السلطان العظيم محمد الفاتح ، تحولت الى جامع في عهده ، واعادها كمال اتاتورك بعد اعلان الجمهورية ، الى مرفق سياحي   يقصده السيــاح الاجانب .

كنيسة ايا صوفيا

وتشكل النافورة الوسطية الملونة .. حلقة مائية بين جامع السلطان احمد .. وكنيسة ايا صوفيا ،. ومكان استراحة وتأمل لهيبة المكان وقدسيته

وتمشي قليلا من خلف ايا صوفيا.. فتجد نفسك  امام (الباب العالي )  وهو السراي القديم للحكومة .. وتدخل الباب ، فاذا بك  بالمتحف العثماني  الكبير ،  يختزل تاريخ حروب الدولة العثمانية .. ويعرض للزائرين كنوز ومقتنيات الدولة العباسية.. وشواهد حضارية من بلدان اوربية وآسيوية ، كانت خاضعة للسلاطين  ،  في قرون عزهم ، ومهابتهم .

عدت أدراجي الى ميناء امينونو الجميل  ..  واطلعت على معلومة تقول / ان هذا الاسم يعني ( امام الامانة ) .. اي امانة الكمارك ، التي كانت من اول المؤوسسات الحكومية التي تم بناؤها في حزام امينونو  .

المعروف .. ان التطور الكبير لهذا الميناء التجاري المهم حدث اثناء .. حكم السلطان عبد الحميد الاول ، وقد شهدت امينونو تغييرات متواصلة  ،  بسبب توسيع  مقتربات السوق المـــــــــــصري القديم  ،  وبسبب بناء جسر گلاطة الذي يربط امينونو بالجهة المقابلة (كارا كُوي ) وشــــــــهد الجسر اول قاطرة ترامواي في اسطنبول تصل بالركاب من الضفتين .ونعود الى ذاكرة الجسر .. هو جسر الصيادين وجسر السمك .. وليس (السنك) لكثرة المطاعم التي تختص بتقديم  الأسماك كوجبة رئيسة .. ولهذا الجسر ذكريات رومانسية  في حياة العشاق الاسطنبوليين .. فمنه كانوا يشترون بطاقات الحظ واليانصيب  بسحبة أسبوعية .. وعليه كانت تــــتم المواعيد العاطفية .

بطاقات اليانصيب

تم تشييده من قبل  السلطان عبد المجيد الثاني في سنة 1845 وكان صنعه من مادة الخشب .. مما جعله عرضــــــــــة للتلف والانـــــــــدثار .. لهذا باشر امير البحرية حسن احمد باشا .. بإعادة تشييده  ليكون الجسر من مادة الحديد .

وقبل هذا التاريخ  .. وفي القرن السابع عشر تحديدا ، كان السلطان  بايزيد قد طلب من النحات الايطالي ميكيل أنجيلو ، مهمة بناء جسر يربط ضفتي مضيق البسفور ، واصطحب معه الرسام دافنشي ..  لكنهما  منعا من إتمام  الرحلة وعادا واللذين الى إيطاليا ،  وكانا  منشغلان بتقديم اعمال  مدهشة .. كانت علامة فارقة لعصر الباروك ، الذي كثرت فيه بناء الكنائس ، والجسور ، والتماثيل العملاقة .. كرد فعل وتعويض لما فات أوربا من نهضة عمرانية إبان القرون الوسطى .. ولذلك عد العصر ، عصرا للنهضة بامتياز  .

ويذكر  الرحالة (اوليا تشلبي)  ..ان منطقة امينونو اشتهرت ببناء القصور الفخمة  لرجال الدولة ، وازدهر فيها العمران لقربها من سراي الحكومة .. اضف الى ذلك وجود الآلاف من البحَّارة والتجار والعمال الذين يعملون حول دائرة الكمارك القديمة .

وقد ازدهرت امينونو  ايضا في زمن السلطان عبد العزيز .. ففي عهده أســــــست  الجمعية الخيرية  للنقل البحري ، و تاسيس اول ترامواي  تجره الخــــــــــيول ، والذي تطور فيما بعد الى ترام كهربائي .وفي هذه الايام السياحية .. تزدان   امينونو  بأجواء رومانسية رائعة  لانخفاض  درجات الرطوبة .. وتراها وقد تحولت  الى كرنفال يومي ، ملون ، وبهيج يمتد من مضيق البسفور .. وحتى القسم الاسيوي الذي ازدانت  ضفافه هي الاخرى  بتجمعات بشرية لاحدود لها  .امينونو  وحدها ، تستوعب يوميا  بحدود مليون سائح   .. مع كثرة المطاعم والمقاهي والفنادق والمولات والمحال التجارية .. ووجود اكبـــــر سوق للهواتف الذكية ،  والاجهزة الالكترونية .. ولهذا  الاسباب تناقــــــــــص عدد القاطنين  من سكان امينونو القديمة  .. لحساب توسع  الرقعة السياحية ..

 يتبع

عدد المشـاهدات 822   تاريخ الإضافـة 15/09/2019   رقم المحتوى 32376
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الإثنين 2019/10/14   توقيـت بغداد
تابعنا على