00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  مجتمع الجثة ما بعد الخراب

مقالات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

شهق الناس

مجتمع الجثة ما بعد الخراب

 

ياس خضير البياتي

 

أستطيع ان أقول بلا مقدمات تفصيلية، هناك كتب تقرأها ولاتجد فيها كيمياء الحياة، فلا لون فيها ولا رائحة ولاطعم، وهي السائدة اليوم مع الأسف، بينما هناك كتب تفجر لك الحياة بطريقة علمية، وتكشف لنا قيما جديدا من أنقاض الظواهر الاجتماعية، وتؤسس لنا خريطة طريق للنجاة من مشكلات العصر. ويؤسفني ان أقول ان هناك كتبا مهمة، وخاصة في علم الاجتماع صدرت ولم يكشف النقاب عن محتوياتها، رغم خطورة الموضوعات واهميتها في مجتمع تفككت روابطه الاجتماعية، وانهارت قيمه الاجتماعية، وانسحبت منه صفة التحضر لصالح عباءة القيم الريفية، كأننا نرى المدينة العراقية اليوم بطابع ريفي، حيث تصحر المدينة العراقية المتحضرة بتقاليد الريف المريضة.  كتاب عالم الاجتماع العراقي د. فجر جودة النعيمي المقيم في لندن (ثقافة الموت-صورة المجتمع العراقي في مرحلة ما بعد الخراب) يفجر قنبلة فكرية في تحليله للظواهر الاجتماعية في المجتمع العراقي، وهو كتاب في دراسة الشخصية العراقية وقيمه الاجتماعية بعد احتلال العراق عام 2003 مع دراسة أسباب ظاهرة الإحباط الاجتماعي لدى الشباب، والنزعة الهروبية في الثقافة العراقية. وأهميته تكمن في رصده للواقع الاجتماعي، وتفكيك الظواهر المجتمعية، وتشريح الشخصية العراقية بطريقة مبتكرة بمنهج علمي دقيق، وخروجه باستنتاجات عملية ذات بعد سياسي واجتماعي، مقرونة بدراسات ميدانية ذات بعد وصفي وتحليلي، مقرونة بدلائل واقعية، وبرموز حياتية تعكس حقيقة سلوك الانسان العراقي في مواجهة السلطة والحياة.  

ما يثيره الكتاب، وما يفجره من حقائق مريرة، تتجسد في الحقيقة التي يراها الباحث من ان الاحتلال ورجال السياسة استطاعوا ان يحولوا المجتمع من بناء شامخ بقيم نبيلة الى جثة باردة ماتت من سنين، وهم يعلمون ان الجثة لا تملك حق النقض او الاعتراض على نوع القبور التي تلقى فيها، وبسبب معرفتهم بأن الجثث لا تملك حرارة الاحياء تفننوا في تنويع القبور، حتى لم يعد أحد يحلم بحفرة في باطن الأرض، صارت الحفر في بطون الكلاب الجائعة، وفي قعر المزابل وعلى الأرصفة. كما يرى المؤلف بان الصورة المأساوية لمنظومة القيم وهي تنحرف او تتراجع او تتدنى او تسقط لن تعني ان المجتمع العراقي في ازمة، انه في الواقع في خطر، ولو كان هناك شيء ابعد غورا من الخطر لحذرنا منه، ولكن ليس وراء الخطر الا الخراب، ويبدو اننا في مرحلة ما بعد الخراب.  والحق ان خطوط الدفاع عن القيم الاجتماعية التي كنا نحتكم اليها، ونحتمي بها قد تساقطت تباعا تحت ضغط المصالح والاهواء والمنافع التي جاء بها القادمون الجدد الذين فتحوا الباب لمن شاكلهم من المنحرفين والسوقة وارباب السوابق، وخريجي معاهد السوء الذين اسسوا لمنظومة جديدة تمجد النفاق الاجتماعي والغش والكذب والخديعة والخيانة والفساد، وكل ما من شأنه الإساءة لمكارم الاخلاق.

ومن حقنا ان نتساءل، ونحن نقرأ كتاب النعيمي، ان صناعة التجهيل التي ابتكرت كمنهج حياتي لأخضاع الفرد والسيطرة عليه، هي التي أيقظت في المجتمع إحساس البلادة في فهم الدين، وثوروا نزعاته الطائفية، وارعبوه بالأموات ليحقنوه بمادة العنف والكراهية، ليصبح مريضا ساديا من اجل البقاء، وهي المادة الخام التي تنسج شرورا لا آخر لها. صحيح ان الخراب الذي حل بالمجتمع وأفقده عذريته الأولى، لم يكن بسبب الجهل والتجهيل وحده، سببه انقلاب مسلح احدثه الغزاة منذ ان أطلقوا يد اللصوص والعابثين وتجار الفاحشة على مفاتن المجتمع وموارده وفضائله. لقد استمكنت الامراض منه حتى بات عاجزا مشلولا ومخذولا، وصار الدنيء سيدا والشريف دنيئا، فانقلبت الدنيا انقلابا، وصار اهله اشبه بفصيل من البغايا تقوده عاهر محترفة. نعم صنعنا ميثولوجيا للتخريب، واعرافا مبتكرة لقتل الدين، فبدأنا بالجهل لننتهي بالتجهيل، شعب غريب في طعامه وقيلولته وافكاره المتناقضة حد الحزن، لا يريد ان يتعلم من الحاضر، ومغرم بالماضي ومخيلاته المريضة، وعاشق سيمفونية الموت، لا يريد الاستظلال بظل شجرة الحاضر، وان يأكل ثمارها، بل يجني منها ما هو فاسد ومعلب باليورانيوم.

إذا ثار اشتعل سريعا وانطفأ سريعا كأنه يجسد فكرة الازدواجية، فأي شعب هذا الذي نريد منه ان يسقط اصنامنا الدينية، وهو منفصم بين الحنين للماضي والعاشق لطقوسه واحزانه، والمتردد في فهم الحاضر والناكر لمنجزاته؟ بالمقابل هل يمكن القول اجتماعيا إنّ شيوع ظاهرة القهر هو الذي دفع الإنسان العراقي إلى التعلّق بالبطل الشعبي أو الإيمان المُفرط بالأئمة والشيوخ والأولياء الصالحين، ذلك لأنه يتطلع إلى منقذ يخلّصه من المحن والرزايا التي تحاصره من كل حدب وصوب. يبقى كتاب النعيمي، المليء بالتفسيرات العلمية لثقافة الموت والعنف والخراب والإحباط الذي أصاب المجتمع العراقي مرجعا علميا رصينا، وشهادة اجتماعية وسياسية لأسباب تفكك المجتمع، وانهيار قيمه ومنظوماته الاجتماعية، مثلما هو كتاب يستحق المناقشة والقراءة، لأسلوبه العصري الرشيق، ولغته العلمية، ورصانة منهجه العلمي، ودقة عباراته ورموزها التي كررها أكثر من مرة: ان اسدا يقود ألف ثعلب خير من ثعلب يقود ألف اسد!

عدد المشـاهدات 520   تاريخ الإضافـة 07/09/2019   رقم المحتوى 32231
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الثلاثاء 2019/9/17   توقيـت بغداد
تابعنا على