00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  من يدق أجراسنا

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

من يدق أجراسنا

اسعد عزيز  محمد

ترجمة:  عماد الناصح

 

رنَّ هاتفه رنة اشعار بأن رسالة قد وصلته . لكنه في تلك اللحظات كان بين يقظ ونائم وعيناه غافيتان . ثم رن الهاتف مرة اخرى ولكن هذه الرنة رنة اتصال فهناك على الطرف الاخر متصل يريد التحدث اليه واخباره بأمر هام والا فمن يتصل به في هذه الساعة مدّ وامسك وتناول الهاتف من على المنضدة التي بجانب سريره كان احد صباحات  فصل الخريف رائحة المطر كانت تفوح من اديم الارض وترابها مصحوبة بنسمة هواء عليلة . هل النوم قطعه عن الحياة ؟  ام ان متاعب الحياة قد افقدته لذة النوم  ؟ سؤالان خطرا على باله ولم يعرف الاجابة عليهما ولم يتمكن من التفريق بين الامرين . كان المتصل اخته ارادت اخباره بخبر وفاة  ( صابر ) ابن جارهم ابراهيم النجار . كان طفلا لم يتجاوز العشر سنوات من العمر لكنه كان حكاية لم تكتمل فصولها مثل الكثير من حكايات هذا الوطن . ( صابر ) لم يكن كبيرا الا ان براءته الطفولية طريقة تفكيره واسلوب حديثه جعلته يتصرف تصرف الكبار ( متى مات صابر ؟ ) سأل اخته وهو يسترجع ويتحسر .  انينه وانفاسه  كان واضحان عبر سماعة الهاتف. ( صابر ) مات هذه الليلة وقد كان الولد الوحيد لـ ابراهيم النجار مثلما تعرف . كان ولدا نجيبا محبوبا بين اصدقائه ذكيا مثابرا في المدرسة والجميع كانوا يحبونه . قبل سنتين من الان تعرض لحادث مؤسف غيّر ملامح حياته واصبح فيما بعد سببا لإصابته بمرض وبائي . قبل سنتين وفي احدى ليالي العطلة الصيفية وبينما كان يلعب مع اصدقائه لعبة الاختباء   ( الغُمّيضة ) ابتعد عن اصدقائه لكي لا يجدوه بسهولة ويعرفوا مكان اختبائه فاختبأ في زقاق حالك الظلام وشاء القدر ان لا يكون هو الوحيد المختبئ في ذلك الزقاق فقد كان هناك عددا من المجرمين والقتلة  مختبئون وكأنهم ينتظرون شيئا . ( صابر ) كان واقفا مختبئا في زوايا احدى الدور ولم يلاحظه او يشعر به احد . المجرمون كانوا ملثمين يحملون اسلحة مختلفة في ايديهم واقفين وسط الشارع . سيارة سوداء قادمة من بعيد ما ان وصلت اليهم حتى فتحوا عليها نيران اسلحتهم من كل الاطراف وكان في السيارة شخصان قد لقيا حتفهما على الفور . عاينت القتلة السيارة وبعد ان تأكدوا من مقتل ذلكما الشخصين داخل السيارة ركبوا سيارتهم وبسرعة جنونية غادروا الشارع الى جهة مجهولة .  الدماء التي سالت من السيارة تحولت الى جدول جارٍ على الشارع . وقف ( صابر ) مذهولا امام هذا المنظر المروع البشع ومن شدة الصدمة صرخ بصوت عال وبدأ يركض نحو البيوت فاقدا رشده وبدأ يقرع ابوابها ويدق اجراسها . قضى ليله مصدوما خائفا مرعوبا لم يستطع ان يخبر احدا بما شاهده . في اليوم التالي اخبر امه وابيه بما رأى وشاهد ولكن الرعب والخوف وهول الصدمة لم تغادر اعماقه لحد ذلك الوقت . منذ تلك الليلة وذلك الحادث لم يعد ( صابر ) كسابق عهده مفعما بالنشاط والحيوية بل بدا يذبل يوما بعد يوم . الخشية والهواجس اصبحتا تلازمانه الى مستوى يقلقُ مَن حَولهُ  . تغيرت سلوك وتصرفات ( صابر )  فقد صار كلما يمر بالأزقة يدق اجراس بيوتها عند حر الظهيرة وفي ظلام الليالي ثم يهرب راكضا . بعد اسبوع من الحادث كل من كان يرى ( صابر ) يعرف ان صحته تتدهور وانه يعاني من مرض معين . اخذه والده الى الطبيب واجريت له مختلف الفحوصات والتحاليل وكانت النتائج انه مصاب بمرض التهاب الكبد الوبائي . بسبب مرضه وحمايته من القتلة ابعدوه عن الانظار ولم يسمحوا باختلاطه بأطفال المنطقة .  حالته الصحية بدأت تسوء يوما بعد يوم . وبدا وجهه شاحبا اصفر اللون مثل الكركم حتى بياض عينيه قد شابه الاصفرار . فقد شيته للأكل فلم يعد يرغب في الاطعمة وقد كان يتقيأ احيانا عند رؤيته وشمه روائح بعض الاطعمة . المقربون منه وكل الذين يعرفونه كانوا متأكدين من ان تلك الحادثة كانت السبب في مرض ( صابر ) عرضوه على اكثر من طبيب ولكن دون جدوى ما عادت العلاجات والادوية تسعفه او تسكن الامه .   امرأة عجوز عاشت سنين حياتها صاحبة تجارب وخبرة نصحت اباه ( ابراهيم النجار ) بهذه الكلمات ( ابنك المريض هذا ليس بحاجة الى ادوية وعلاجات الخوف والصدمة هما السبب في مرضه . ولكي  يشفى وتعود  اليه صحته يجب ان يشعر بالهدوء والطمأنينة عندها فقط سيطيب صابر ) . اهله اقاربه اصدقاؤه وكل الذين كانوا يعرفون ( صابر )  كانوا يحاولون بشتى الطرق ان يساعدوا        ( صابر )   بالكلام اللطيف والجميل والتعامل والتصرف الجيد معه . كانوا يراعونه ويعتنون به على الدوام . حتى في المدرسة اضافة على وضعه امام ناظريهم كانوا لا يكترثون لهفواته ويسامحونه ويعذرونه اذا اخطأ او قصر في شيء . وكانوا يعرفون انه مولع بدق الجرس فكانوا يكلفونه بدق الجرس لبدء كل درس وانتهائه .فكان يحمل القطعة الحديدية المستطيلة وبكل قوته يضربها بالحديدة الاخرى المعلقة . وعندما كانوا يسألونه عن سبب دقه للجرس بهذه القوة فكان يقول (( اريد اسمع كل الناس وانبههم )) ولكن بعد مدة خارت قوته وضعف جسمه فلم يعد يقوى على دق الجرس بكل قوة مثلما كان يفعل. لكن صوت الجرس كان مطبوعا ومسجلا في اعماقه . كثيرا ما كانت تشده اصوات صافرات سيارات الاطفاء وسيارات الاسعاف .  (صابر ) الذي كان يحب الصمت والهدوء  اصبح بعد الحادث يصرخ ويعوي واصبح كثير الغضب . ايام الاحد من كل اسبوع كان يعجبه ان يصعد وحده فوق تلك التلة القريب من المقبرة التي كانت تقابل الكنيسة فكان يسعد ويفرح وهو يستمع الى صوت الناقوس . كثيرا ما كان يسأله اصدقاؤه لماذا تود سماع اصوات الاجراس ؟ ؟ وكان يقول لهم كل دقة جرس يخبرك وينبهك يقول لك هناك شيء يسترعي انتباهك وربما خطر يداهمك ولكن لا احد منا يبالي او يهتم لذلك. بعد ظهيرة يوم الجمعة حمل الرجال جثمان ( صابر ) المعروف بين الناس بـ (ضارب الاجراس ) الذي لم يكمل العشر سنوات من عمره ليواروه الثرى وهم مشغولون بمراسيم الدفن فإذا بنعش اخر على اكتاف رجال يدخلون المقبرة والمتوفى هو مؤذن جامعهم بعد المشاركة في كلتا المراسيمين   اراد ان يعود ادراجه الى البيت مشيا على الاقدام وعندما وصل الى المدخل الرئيسي للمقبرة التفت الى الوراء وقال في نفسه يا لعجائب الصدف في هذا اليوم نواري الثرى جثمانيْ ضارب الاجراس ومؤذن الجامع ثم مشى عدة خطوات اخرى فقال لنفسه من بعد اليوم سيضرب الاجراس ومن سيؤذن الى الصلوات في جامعنا ؟؟؟

بصوت الجرس واذان الجامع ولموت هذان الشخصان انتابت جسده رجفة توجس ثم ظلّ مستمرا في مشيه .

كركوك /2019

نشرت في ملحق ( الأدب والفن) للجريدة (كوردستاني نوي) التي تصدر في مدينة السليمانية

 

عدد المشـاهدات 1602   تاريخ الإضافـة 26/08/2019   رقم المحتوى 31899
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الإثنين 2019/9/23   توقيـت بغداد
تابعنا على