00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  الإنسان الحضاري في العراق

مقالات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

الإنسان الحضاري في العراق

عبد الكريم يحيى الزيباري

لا وجود له، وإذا كان موجوداً فوجوده كعدمهِ، بسبب صمتهِ المُطبَق وعجزه عن إحداث التغيير الحضاري، أو بسبب مسايرته للسلطة يُبرِّرُ أخطاءها: أهونُ الشَّرَّين! هذا أفضل من لا شيء! الأسوأ ينتظرنا! العدو الصهيوني يتربَّص! رغم ذلك فالسلطة مِنَّا وبِنا! سيكون الغد أفضل! وأمام هذا الضجيج، يخرج الإنسان النقدي، وحيداً ينَزَعُ ثيابه، يركضُ في الشوارع لا يعرف إلى أين، يصرخ: كيف تدهورت الحضارة؟ هل بقيَ من حضارة العراق غير الذكريات وكتب التاريخ؟

التغير الفكري والحضاري بطيءٌ وقد يستغرق قروناً عديدة، (ولا يكاد الذين يعيشونه ويعاصرونه يدركون آثاره، فليس من السهل فصل الناس عما ألفوا من عادات وتقاليد وما توارثوا من عقائد، والقرآن يصوِّر ذلك في مواضع متفرقة، مثل قوله تعالى: ” قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ” البقرة: 170 .

أينَ الإنسان (الحضاري/ النقدي)؟ لماذا تأخَّر ظهوره؟ لأنَّ (ظهور الإنسان النقدي الذي تكون بنيته مختلفة للغاية بالنسبة للإنسان الذي سبقه) . بنيته الحضارية مختلفة، لا تتقبل إلا الإنسان الذي يُفكِّر بغيره كما يُفكِّر بنفسهِ! ترفضُ إنسان بالروح بالدم نفديك يا وليَّ الدَّمْ! ترفضُ عَبدَة الأوثان المُعمَّمَة، الإنسان يَتبَعُ الحقُّ، الحق لا يتبعُ الإنسان مهما كان! وذكرَ البخاري (لمَّا سَمِع الإمام علي بمسير طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث عمار بن ياسر إلى الكوفة، فصعد المنبر، يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنها لَزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي). وانتهت المعركة، فجلس الإمام علي يبكي ثمانية عشرَ ألف قتيل من الطرفين، وجاءه الحارث بن حوط: هل تريدنا أنْ نظنَّ أنَّ طلحة والزبير في النَّار؟ فردَّ الإمام (يا حارث! إنّه ملبوسٌ عليك، إنّ الحقَّ لا يُعرف بالرجال، اعرف الحقّ تعرفْ أهله).

طَرحَ كانط ثلاثة أسئلة في ثلاثة كتب: نقد العقل المحض: ماذا أستطيع أنْ أعرف؟ سؤال المعرفة. نقد العقل العملي: ماذا أستطيع أنْ أفعل؟ سؤال البراغماتي. نقد مَلَكَة الحُكم: ماذا أستطيع أنْ أأمَلْ؟ سؤال الأنثروبولوجيا، ويأمل الإنسان دوماً أنْ يعيشَ حياةً أفضل. وقبل موت كانط بأربع سنوات كتب: هذه الأسئلة الثلاثة تعود إلى السؤال الرابع: ما هو الإنسان؟ هو الحضاري المعرفي الثقافي.

لأنَّ كل ما يمكن أنْ يعرفه ويعمله ويأمله الإنسان، مرتبط بطبيعته البشرية، التي يصنعها هو لنفسه. وكيف يعيش الإنسان حياةً أفضل، وهو يسعى جاهداً أنْ يجعلَ غيرهُ يعيشُ حياةً أسوأ، بسبب لونه أو قوميته أو طائفته؟ هذا السؤال المعرفي: مخيلة وفهم وعقل. المعرفة تظهر إلى الوجود بواسطة الفهم.

الإنسان النقدي انطلاقاً من مبدأ (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الموجَّه إلى عامَّة الناس وخواصِّهم، هذا المبدأ الذي أسَّسَ عليه المعتزلة أصولهم في العصر الأموي، لتقصيرها وانحرافها، ونشروا الأسئلة الحاسمة: هل يجوز استخدام السلاح ضد السلطة؟ من هذا السؤال انطلقَ الخوارج في حروبهم. واشترطَ عمرو بن عبيد لاستخدام القوة ضد السلطة مبدأ القدرة، لئلا تطول الحرب الأهلية ويفتتن الناس عن دينهم ومصالحهم، وجاء رأيه بعدما عاينَ بطش السلطة بالثوار. وكل ثورة سياسية لا بدَّ أنْ تسبقها ثورة فكرية، تبدأها النخبة بممارستها عنفاً رمزياً ضد السلطة: زهدهم مقابل ترف السلطة، عدالتهم مقابل ظلم السلطة، آمال الحرية مقابل استبداد السلطة، تحريض الناس ببث روح النزعة الثورية، سواء سَلباً بعدم التعاون أو إيجاباً بحمل السلاح.

عدد المشـاهدات 1367   تاريخ الإضافـة 07/08/2019   رقم المحتوى 31569
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الثلاثاء 2019/8/20   توقيـت بغداد
تابعنا على