00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  الواقعي والمتخيّل في رواية بوغيز العجيب

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

الواقعي والمتخيّل في رواية بوغيز العجيب

عـلاء لازم العيـسى

(1)

لحظة انتهيت من قراءة رواية (( بوغيز العجيب )) للروائي ضياء الجبيلي ، في طبعتها الثانية ، الصادرة عن دار المكتبة الأهليّة في البصرة / 2019  شعرت بأنّها عمل يتوسّل التأويل ، فقد قدّم لنا الكاتب روايته من نقطة محدّدة ومركزيّة ، ترتبط بتاريخ منطقة من مناطق العراق الجنوبيّة لي معرفة وثيقة بها وبتاريخها هي البصرة ، ومنذ العنوان ، والمقطع الاستهلالي وهي المقدّمة التي بلغت (11)  صفحة من صفحات الرواية الـ (88) التي بيّن فيها الكاتب كيفيّة حصوله على أصل الرواية المخطوط بواسطة المستشرق الفرنسي فرانسوا ديروش ، وشروعه بإعادة كتابتها بأسلوب عصري ولغة معاصرة ، جعلني الكاتب أهتمّ بتفاصيل روايته .

(2)

  وكما أنّ النصوص الأدبيّة على اختلاف نماذجها وأنواعها ومستوياتها ، تُنتَج وفق أهداف معيّنة مخطّط لها مُسبقًا بما في ذلك عنوان النصّ ، فإنّ القارئ حينما يواجه نصًّا من هذه النصوص فإنّه لا يواجهه وهو خالي الوفاض ، وإنّما يستعين بتجاربه السابقة ، وبما تراكم لديه من معارف  تجمّعت لديه كقارئ متمرّس قادر على الاحتفاظ بالخطوط العريضة للنصوص السابق له قراءتها ومعالجتها . وأول ما يجب أن أتوقّف عنده هو عنوان الرواية وأتساءل بمعزل عن السياق : ما معنى كلمة ( بوغيز ) في المنظومة الكلاميّة ، وهل أنّها تمتلك دلالة معجميّة ذاتيّة يمكن استنطاقها ، أم أنّها مجرّد اختيار عشوائيّ من قبل الكاتب لإثارة فضول القارئ واستثارة توقعاته ليس إلّا ، وإذا امتلكت ( بوغيز ) دلالة ذاتيّة فما هو جذرها ، وهل هي عربيّة الأصل ، أم أنّها حبشيّة ، أو عثمانيّة ، باعتبار أنّ أحداث الرواية لها علاقة بالعهد العثماني ؟ وبعد البحث في معاجم اللغة العربيّة وقواميسها وجدت أن (( بَغزَ )) فعل يدلّ على النشاط والحركة السريعة والضرب والإقامة على الفجور ، لكنني لم أعثر على بوغيز الذي ذكر في العنوان ، أمّا في المعاجم التركيّة فوجدت لفظة       bogaz ولم أصل إلى نتيجة قطعيّة في معناها ، فهي من المشتركات اللفظيّة التي تحتمل أكثر من عشرين وجه ، وبهذا يبقى المعنى في قلب الكاتب .

(3)

   ابتدأ الكاتب روايته بحادثة قتل ، واختتمها بحادثة قتل أخرى ، وبين حادثة القتل الأولى وحادثة القتل الثانية ، شيّد ضياء الجبيلي متنه الروائي على سرد متسارع خال من الحوار تقريبًا ، جمع بين عالم الواقع وعالم العجائب والأساطير والقرابين ، فاقترب بعض الشيء من الواقع ، وحلّق كثيرًا في أجواء الخيال واللاواقع . جرت أحداث الرواية في محلة قديمة من محلّات البصرة العثمانيّة مليئة بالتناقضات الاجتماعيّة ، مقشّرة من انسانيّتها ، غارقة في شهواتها سمّاها الكاتب ( الكرّخانة ) ، والكرّخانة هي غرفة كبيرة تضمّ معصرة معدّة لاستخراج مادة الرهش ـــ كما يسمّى في البصرة ـــ أو الراشي ودهن السراج من موادهما الأوليّة ، وكانت الكرّخانات تنتشر انتشارًا كبيرًا في البصرة ، ومنها المحلّة التي ذكرها الرحّالة نيبور في رحلته بصيغة الجمع ( كوارخين ) عند ذكره لمحلات البصرة .

(4)

  لقد حوّلت حادثة القتل الأولى ، وهي اغتيال كبير المحلّة ( عزّت رفقي باشا) محلّة الكرّخانة إلى جحيم لا يطاق ، فقد (( أقفلت المقاهي والدكاكين  عُطّلت الكتاتيب ، وفسدت الثمار في بساتين النخل والعنب ، أكلت الطيور ما تيبّس منها على الأشجار العطشى ، في حين نسجت العناكب بيوتها في المخادع وعلى أسرّة النساء )))  ص (18 وأجّلت مراسيم دفن الجثّة حتى يتمّ العثور على الجاني ، ووضع رجال القرية عقولهم في آذانهم فانطلت عليهم حيل شيخ القرية ( غالي ) وهو والد نظلة زوجة الباشا القـتيل (ص50 ) الذي استغلّ شعورهم بالذنب المكبوت في اللاوعي لعدم عثورهم على قاتل الباشا ولي نعمتهم وكبير محلتهم ، الذي يُعدّ مصدرًا نوعيًّا للسفالة والإجرام والاختلالات النفسيّة والشعور بعقد النقص (( لكنه في نظر الأهالي يبدو بطلًا يفتخرون به ما دام أنّه يحميهم ويراعي تقاليد الدخالة والنجدة ، فضلًا عن امتهانه اللصوصيّة بسطوه على قصور الأثرياء والتجار ، ونهبه قوافلهم وفرض الإتاوة  عليهم )) ( ص 43) فراح الشيخ يحدّد معايير سلوكهم وأنماط حياتهم ويصادر حريّاتهم في أخصّ الأشياء كمضاجعتهم لزوجاتهم وعدم إباحة النوم مع نسائهم ،  واجبارهم  على تناول الكافور ، ممّا أدّى إلى انتشار الدعارة والمباغي السريّة  واللواط فتفشّت الأمراض بين السكّان (ص 55) ولم يكتف بذلك بل تدخّل بآجالهم ومصائرهم حينما أقدم على قتل ( فهيمة الجدّة ) العالمة بخبايا النساء التي فعلت ما عجز هو عن الإتيان به (ص 70) وحينما اتهم بوغيز بمقتل كبير المحلّة ، وأمر بشنقه ، فشُنق وعلّق من رقبته على باب المقبرة (ص 77).

( 5 )

      لقد تمكّن الروائي ضياء الجبيلي من خلال روايته ( بوغيز العجيب ) من رصد أوضاع فئة بائسة من فئات المجتمع الإنساني عاشوا في مدينة البصرة وربّما في غيرها من المدن ، ظلّت بعيدة عن البحث والاستقصاء وهي شريحة العوام والمهمّشين ، وتجسيد أزماتها العامة المتمثلة بالجهل والانحطاط الفكري والاجتماعي وتغييب العقلانيّة وما يؤمنون به من خرافات وأساطير ، تجسيدًا يدخل ضمن التأريخ المسكوت عنه ، ونظرًا لسطحيّة تفكير هذه الشريحة وتدنّي أفكارها فقد انتهز بعض المتاجرين بالدين مثل (الشيخ غالي ) تأثيرهم الروحي في إحراز مزيد من الثروة والنفوذ والجاه ، وبذل اقصى جهد في توجيه عجلة المجتمع في مسار بعيد جدّا عن التحرّر والاستقامة والتقدّم .    ولقصور الوعي الاجتماعي والسياسي عند هذه الشرائح ، وفقدان القيادات الحكيمة ، وقلّة الامكانيّات ، تحوّلت ثوراتهم ضد الفقر والجوع والتمايز الطبقي إلى شغب عشوائي ، وإلى سلب ونهب وقتل ، وقد استخدم الكاتب في رصد هذه الحالة لغة تصويريّة رائعة ، على نحو ما نقرأ في المقطع الآتي : (( في ليلة ظلماء من ليالي الصيف القائظة ، حيث الدبق والرطوبة ورائحة الهواء المتعفّن والجوع الشديد ، كثرت أشباح بوغيز الزنجي في المحلّة ، ظنّ الأهالي أن روحه انشطرت إلى عشرات الأشباح التي راحت تقفز كالغوريلات من فوق أسطح البيوت وعبر الأسيجة ، خرج من كلّ بيت زنجيّ غاضب جائع على شاكلة بوغيز السقّاء ، حتى امتلأت محلّة الكرخانة بقطيع من العمالقة السود الجياع ))(ص87).

    وبالرغم من أنّ الكاتب تنقّل في سرده بين نمطي : السرد اللاحق ، والسرد المتزامن ، لكنه كسر في بعض الأحيان حركة الزمن كسرًا فنيًّا ، أي وظائفيًّا ، إذ عاد به إلى الوراء ، ليكشف للقارئ أنّ ما سبق علّة لما لحق ، أو أنّ ما لحق كان على ارتباط بما سبق .

(6)

   أخيرًا ، فممّا يجب أن أشير إليه هو صعوبة الجزم بأنّ أحداث رواية    (بوغيز العجيب ) للكاتب المبدع ضياء الجبيلي هي أحداث حقيقيّة وقعت في البصرة ، وأنّها حدثت بالضرورة في زمن تاريخي معيّن هو العهد العثماني ، وأنّ كاتبها أخذ مادّته من مدّة تاريخيّة معروفة الأحداث والأشخاص ، بقرينة أنّ الكاتب ذكر في مقدمته ، أو ما اصطلح عليه بالمقدّمة ، بأن مخطوطة الرواية كتبت بتكليف (( من الوالي العثماني مدحت باشا الذي دوّن اسمه أسفل الصفحة الأولى ))(ص 12) أنّ السيّد ديروش أخبره ((بأنّها قصّة طريفة تجري حوادثها في منتصف القرن التاسع عشر )) (ص 9) والصحيح أنّ الوالي الذي دوّن اسمه أسفل الصفحة الأولى هو سليمان نظيف (ص 15) الذي ولّي على البصرة سنة 1909 وهو الذي شقّ طريق بصرة عشار ، أي أوائل القرن العشرين ، نعم ربّما يكون الأستاذ الكاتب وفّق في الجمع بين بعض الشخصيّات الواقعيّة والشخصيّات المتخيّلة ، وأحلّها في إطار واقعيّ ، وجعلها تتحرّك في ضوء أحداث .

عدد المشـاهدات 2021   تاريخ الإضافـة 05/08/2019   رقم المحتوى 31473
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأحد 2019/12/15   توقيـت بغداد
تابعنا على