00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  كاظم الحجاج : في تاريخنا شعر كثير كنا نظنه نثراً

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

كاظم الحجاج : في تاريخنا شعر كثير كنا نظنه نثراً

النثر يتنفس من هواء الشعر

حاوره –  جبار النجدي

ربما يقال بأن الشاعر كاظم الحجاج يتوق الى العبارة الشعرية ذات القصد المباشر والمنبري ، غير ان الاقرب الى الاحتمال ان هذا القصد يقع ضمن نوع من بداهة الشعر ، الذي لا يجرؤ احد على توقعه والناجم عن ابدالات الثوابت والسمو على الاصل وجعل الاستثناء يبدو محتملاً ، مع الحرص على تغذية الشعر بما هو ماثل في الذاكرة ، في اطار لحظات يسيرة من التاريخ ، كل ذلك يجري في سياق تعددية اللعب على وظائف الشعر ، وما نجم عن تراكمات الدُربة التي زودته به رحلة الكتابة الشعرية .. قلت له :

{ حدثني عن مجموعتك (جدارية النهرين) لاسيما وان النثر في المجموعة يتنفس من هواء الشعر والعكس صحيح؟

ــ يحرص الشاعر على ان تكون كل مجموعة من مجاميعه مختلفة عن سابقاتها شكلاً ومضموناً واجتهاداً ، الى حد ما .. وانا منذ بداياتي ، كنت اسعى الى ان تختلف كل قصيدة من قصائدي عن الاخريات .. نعم انه امر متعب ومعرقل الى حد ما عن غزارة الانتاج . لكنها طبيعتي الحياتية كذلك . وفي (جدارية النهرين) كان الظرف يجبرك على ان تقول رأيك في الموت الذي يتسع من حولك ويزداد سواداً ومجانيةً .. وانت مؤمن مثل الجميع بأن الشعر جمال وطلاقة ، غير انه محكوم ايضاً بقوانين الظرف الطارئ ، بقوانين الموت .. انه ليس ترفاً دائماً ، لاسيما في ظرف لا تستطيع فيه ان تبقى انت .. ولذا فأن المزاوجة التي تقصدها ما بين النثر والشعر في (جدارية النهرين) هي امر واقع فرضته تلك المراوحة اليومية ما بين الحياة والموت .. ثم انني مقتنع بأن الشعر ليس نقيضاً للنثر وليس ناشزاً عنه . تستطيع ان تقول انهما متوائمان مثل الذكورة والانوثة ..

استعارة نظام

{ هل هذا يعني انهما يشتركان ـ النثر والشعر ـ في استعارة نظام غير مألوف للكلمات ومزيج ايقاعي خاص وغير قابل للاعارة ؟

ــ هذا صحيح جداً . ليس في استعارة نظام غير مألوف للكلمات فقط ، بل في (خلق ) ذلك النظام المشترك في التكوين الشعري .. ففي كثير من قصائدي السابقة ادخلت (اخباراً) شعرية . ان شطحات الصوفيين مثلاً تحمل الكثير مما يفوق الشعر .. الصوفيون كلهم شعراء في لغتنا وفي سلوكنا . ان ما يفعله (ابو يزيد البسطامي) مثلاً ، وما يقوله هو شعر يوميّ . إذا انت نقلت عنه قولاً او فعلاً ، فأنت تستعير شعراً .. وليس خبراً من التاريخ . وكذلك لحظة انقلاب (الحر الرياحي) في كربلاء .. وكذلك لحظة انتماء (وهب النصرانيّ) الى الحسين ، وهو مسيحي . في تاريخنا شعر كثير ، كنا نظنه نثراً!.

{ في اغلب قصائدك يخالجك شعور بالخسارة ما مبعث هذا الشعور في حين تصل قصائدك الى درجة الاحتجاج في احيان كثيرة ؟

ــ الشعور بالخسارة هو شعور عراقي بأمتياز . انا اقول دوماً اننا فقدنا فرصة ان نكون بلداً راقياً منذ ستين عاماً على الاقل .. ثرواتنا الطبيعية من مياه وارض خصبة ومزاراتنا التاريخية والدينية وموقعنا بين الشرق والغرب وذكاء انساننا ـ لحد الان ـ كان كافياً لجعل العراق ارقى من كندا مثلاً .. اننا اغنى من سويسرا بعشر مرات . ولقد فقدنا كل ذلك ـ ولن اقول : الى الابد ! ـ .. هل هذه الخسارة الوطنية الهائلة لا تنعكس على كل شيء ومنه الشعر ؟

واصارحك بأن انتماءنا القصري الى (الامتين) العربية والاسلامية قد جعلنا بلا حاضر الآن ، وبلا مستقبل غداً . ولقد عاد الينا ماضينا (المجيد) الآن .. على شكل (داعش) ! اليست هذه خسارة كونية لا يكفيها الاحتجاج ولا الهجاء بل البكاء ؟!

{ استخدامك اللغة الواصفة والتجاور الضدي للكلمات سمة غالبة في شعرك ، كيف تفسر ذلك ؟

ــ اللغة الواصفة والتجاور الضدي كما تعبر عنه انت .. هو من متطلبات السرد . انا استطيع ان اشبّه ذلك بالتشريح الجسدي في الرسم الكلاسيكي والاكاديمي .. وكذلك هو من احتياجات الحوار والحركة في المسرح .. والشعر ليس بعيداً عن هذين الفنين العظيمين : التشكيل والمسرح . وكذلك الامر مع القصة والرواية . انني ارى الشعر والمسرح والرسم والقصة والرواية فنوناً توصيلية ، هدفها الوصول الى حواسنا الخمس . هذا ان كان الاسلوب الفني يحتاج الى تفسير . استثارة الكامن

{ ما الدور الذي تؤديه قدرة استثارة الكامن الدلالي في شعرك وهل هو اختيار مقصود ام ضرب من التلقائية ؟

ــ انا كائن تلقائي جداً . لا اخطط لشيء ابداً ، ولا حتى لمستقبل اولادي ! وتلقائيتي قد تبدو استسلاماً للحياة احياناً .. ومع هذا فأنا قليل الخسائر ! وتعبيرك المبتكر (الكامن الدلالي) متطابق جداً مع تلقائيتي . ان كل ما قرأته وما سمعته وما فهمته منذ ولادتي حتى اليوم قد تحول الى عقل باطن ثري ، ومنه اكتب معلومتي ، في الشعر وفي النثر . انا لم اتحدث يوماً عن كتاب او عن معلومة حصلت عليها . انها تنتقل الى داخلي بعمق ، لتصبح عقلاً باطناً سهل الاسترجاع والاستثارة .

{ ربما توافقني الرأي بأن الشعر لا تنجزه القوالب الجاهزة بل اللعب على انقلاب الانساق الشعرية وسبر الاحتمالات الى اي مدى يتحقق ذلك في شعرك ؟

ــ نحن اصلاً لا نؤمن بصحة تعريف الشعر او تعريف اي فن نبيل وجميل ، فكيف نؤمن بقوالبه ؟ .. ان الشعر هو انقلاب حقاً على كل الانساق . انه انقلاب حتى على ماضيه نفسه .. هذا يؤمن به اغلبنا نحن الساعين الى شعر دائم ومتواصل ، وأصل ديمومته هو تغيره الدائم .. وفيما يخصني انا ، فكما قلت لك سابقاً انني سعيت منذ بداياتي الى الاختلاف عن الآخرين وعن نفسي . فلا قصيدة لي تشبه سابقتها لا شكلاً ولا مضموناً .. ثم انني سعيت الى معرفة شعر اللغات الاخرى وشعر شعراء العالم من حولنا .. ثم انني سعيت كذلك الى الاشتغال على الفنون المجاورة من مسرح وسينما وغيرها .. حتى الفن الموسيقي الاوبرالي حاولت ان أشركه قدر احتمال لغتنا العربية لذلك . انه امر متعب كما قلت ايضاً ولكن . هذا هو الشعر يجب ان يبقى من دون حدود ومن دون تعريف يجمّده .

{ هل يقول النص الشعري كل ما يجب ان يفهمه المتلقي برأيك ؟

ــ لأجل الاجابة الاولى عن هذا السؤال اقول انني لا اثق بصدق الشاعر الذي يزعم انه يكتب لنفسه او يكتب للمستقبل .. هذه اكذوبة ليست شعرية . اننا بصدق نكتب للآخر . للمتلقي سواء اكان يستمع الى شعرنا ام يقرأه في صحيفة ام كتاب . ولأن المتلقي مختلف ومجهول احيانا فلا بد ان نحذر منه . بل اعني لا بد ان نحترمه ونحترم تنوعه وثقافته وحساسيته المفرطة ..

 في حياتي الشعرية ما كنت اتفاجأ من متلق فهم جملة لي افضل مما كنت اريد من ادراجها انا في موقع والمتلقي وضعها في موضع افضل .. ان ادراكنا لعظمة المتلقي وتنوعه ورصده الفائق لما نكتب هو وحده الذي جعلنا نستمر .. لقد مات عدد من متلقينا القدامى . غير ان الشباب هم الذين جعلونا نستمر في الشعر الى اليوم .

عدد المشـاهدات 588   تاريخ الإضافـة 21/07/2019   رقم المحتوى 30997
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأربعاء 2019/8/21   توقيـت بغداد
تابعنا على