00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  عقود ساخنة على نار هادئة

مقالات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

نبض القلم

عقود ساخنة على نار هادئة

طالب سعدون

لم يكن في ذهني أن أعود الى هذا الموضوع لكي أنكأ الجراح ، ففينا منها ما يكفينا ويزيد ، إلا إذا ( جد جديد )  يوقظ الألم ، فتكون مضطرا لتحمله ..

كتبت كثيرا هنا في (  الزمان ) عن هذا الموضوع  ، لكن مقابلة في إحدى القنوات الفضائية في الاسبوع الماضي مع سياسي معروف ، إستفزتني كثيرا ، ودفعني الى الكتابة مرة أخرى عن مخطط تقسيم المنطقة ، والعراق في قلبها ، لارتباط كثير من الاحداث التي مرت ، وستمر تباعا بهذا المخطط الخطير ،  والمسعى الشرير ، الذي تُرك ينضج على نار هادئة جدا كل هذه السنين الساخنة ، ليعطي ( للطبخة ) مذاقا مقبولا عندما يحين موعد ( الأكل ) ، وينال ( الطاهي ) عليه  المديح والثناء ، على العكس تماما مما لو كان إعداد (الوليمة) يجري على نار عالية ، أو سريعة تحرق كل شيء ، تنفّر المدعوين ، وتدعهم يتفرقون ، وينفض المجلس ، وهم يصبون اللعنات على ( الطاهي ) و ينتقدون من دعاهم  ..

حذر هذا السياسي في المقابلة من خارطة جديدة للمنطقة  بعد 30 سنة تضم 80 دولة بدلا من  50بضمنها دولة كردية في العراق ، ولم يبق أمد بعيد ليحين التنفـــيذ ..

 وتخرج بمحصلة هي  أنه ليس أمامنا غير الاعتراف بهذا القدر والقبول ، وننتظر ، فلا حول ولا قوة لنا على إفشال ما يُخطط لنا  ..

هذا التحذير لم يأت  نتيجة جهود إستخبارية ، أو علاقات شخصية مع أطراف مؤثرة في صنع القرار ،  أو ( عبقرية ) سياسية ، أو تسريبات إعلامية ، كما هو ليس رجما بالغيب  ، بل هو مضمون دراسة  أمريكية معروفة أعدها المستشرق اليهودي البريطاني الاصل والامريكي الجنسية ( برنارد لويس ) ، وهو الاستاذ الفخري لدراسات الشرق الاوسط في جامعة برستون ، وعد من قبل المتخصصين مهندس التقسيم  والمنظر لسايكس بيكو 2 ? وصراع الحضارات عن عمر تجاوز المائة بسنتين.. ( وكتبت مقالا عن رحيله في الزمان بتاريخ  13– حزيران – 2018  ) تحت عنوان  ( رحيل مهندس التقسيم ) ..

الدراسة المذكورة نشرت في  مجلة الدفاع الامريكية أوائل الثمانينات من القرن الماضي ووافق عليها الكونغرس الامريكي عام 1983 ( تناولتها في مقال سابق  بعنوان ( المنطقة وخطر التقسيم نشر هنا في الزمان بتاريخ 1-9-2014). 

وتقوم فكرة  الدراسة  على إنشاء  أكثر من ثلاثين كيابنا سياسيا جديدا في المنطقة ليصبح مجموعها88  بدلا من56  دولة ، وذلك من خلال استغلال ما يسمونه الأنقسامات ( الطائقية والدينية والأثنية ) ، لخدمة المصالح الامريكية ، لتكون أساسا لأعادة ترتيب المنطقة بإنشاء دول  جديدة ، ممزقة ، وضعيفة ، تعصف بها المشاكل والخلافات .. 

وكان يفترض أن يكون تقسيم السودان  الى دولتين ( وحصتها من الدراسة  المذكورة ثلاثة دول ) جرس انذار لجميع الدول المشمولة بالتقسيم في الدراسة ، لكنه  مر مرورا عابرا دون أن يحرك ساكنا ،  وتعاملت معه  جميع الدول  على أنه أمر واقع ، وقس عليه ردود الفعل اذا ما حان ذلك الوقت ، ونفذ المخطط المرســــــوم ...

كان ( برنارد لويس ) في غاية الصراحة والوضوح عندما أعلن بأن تفتيت العالمين العربي والاسلامي هو الضمانة الحقيقية لأمن ( اسرائيل ) ، و( ستكون هي الاقوى وسط هذه ( الفسيفساء ) والمسيطرة  عليها بحجة انها  ( الدولة ) الديمقراطية الوحيدة  فيها ، وتنفرد بالتقدم وسط دول  متخلفة لا ترتبط بالعصر)  ، وقد اثنت ( غولدا ماثير ) على هذا الدعم خلال استقبالها له ، فيما هو  أوصى باهداء مكتبته  الى مركز ( موشي دايان )  بعد وفاته ليؤكد دعمه المطلق لاسرائيل وإنتمائه الصهيوني..

لا يساوني أدنى شك أن  كل دولة من تلك الدول تعرف حصتها من تلك الكيانات ، فهي منشورة منذ زمن  ولا اريد تكرارها مرة اخرى ، وبالأمكان الرجوع اليها لمن يطلع عليها ..

ومما يؤسف له أن المنطقة  بارادة أو بدونها تسير وفق ما مخطط لها ، حيث تغيب حصة الأوطان ، وتتراجع الاهتمامات الوطنية وتطغى الفئوية الضيقة ، وتنزل من السقف القومي والوطني العالي  الى مستوى المكون الاجتماعي ، أو الحزب ، أو القبيلة  ، أو الفصيل المسلح ، حسب طبيعة كل دولة ، بحيث أصبح  من الصعوبة بمكان على الدولة  تحقيق وحدة الصف ،  والاجماع الوطني ، أو أن تجمع مكونين ، أو حزبين ، أو فصيلين مثلا على هدف مشترك واحد ، أو مصلحة عليا ، إن لم تتحقق مصالح تلك الاطراف في ذلك التلاقي ، بما في ذلك تشكيل الحكومات  وتوزيع المناصب ، التي تراعي تلك الاعتبارات  الضيقة وتهمل حصة الوطن العليا..

ويحاول ( منظرو التقسيم ) ومنهم بايدن في مشروعه سيء الصيت على سبيل المثال  تبرير مثل هذه المشاريع  وتسويقها على انها الحل للانقسامات والخلافات ، في تجاهل تام  أنهم وراء هذه الخلافات والمشاكل والازمات لتحقيق اهدافهم التوسعية - العدوانية والتقسيمية  واستنزاف الموارد في غير اماكنها الصحيحـــــــة ..

 ويمكن أن يستخدم الدستور ليكون مفتاحا لكل الابواب  الموصدة بوجه التقسيم ، إن لم يكن على الارض ففي الشعور والتعامل ،  والاهتمام  وتغليب المصلحة المناطقية .. ( تناولت الموضوع في  عدة مقالات بعنوان ابغض حلال الدستور )

 وهناك من يتساءل هل حققت الفيدرالية  بعد تجربتها في العراق حلم المواطن  بالتطور ، وتقديم افضل الخدمات وتعزيز وحدة الوطن ، اذا كانت تلك الاهداف   السبب الموجب لتشريعها ، أم أضعفت وحدته وأصبحت بابا للتفرقة والذاتية والانغلاق على ( المناطقية ) ، بحيث بدأنا نسمع  نغمة جديدة  تحصر حتى  التظاهر بالحدود الادارية والجغرافية ..؟ ..

إنه حق مشروع أن تتطور الخدمات ، وتتوسع الصلاحيات لرؤساء الوحدات الادارية والمجالس ، من أجل الارتقاء بالمدن وتطويرها  ، وتوفير الامن والامان ، وتخصيص ما يتناسب لها  من أموال ، دون ربط ذلك  الحق بتشكيل الاقاليم أو بزيادة عدد المحافظات ، فيفتح الباب في  البلاد أمام  فوضى ادارية و (نزاعات حدودية ) بين محافظة وأخرى ،  وبين المركز والاقليم ، إضافة الى ما يتطلبه التوسع من  تخصيصات مالية ، وملاكات وظيفية ، تنزل الى مستوى القرية والناحية..؟.

 فهل إستعصت الحلول لتطوير المدن ، وتوسيع الصلاحيات ولم يكن من سبيل ، غير استحداث المحافظات والاقاليم ؟!..

ولماذا يتحمل المواطن والبلاد كل الاستنزاف المالي الكبير  للموارد وتصرف الاموال في غير مجالها في البناء والتنمية في هذا  التضخم  في الملاكات الوظيفية والعناوين ومؤسسات الدولة ( ويتراكم بعد كل دورة انتخابية ) .. وزارات ومجالس محافظات ، ونواب ، واحزاب لا تكتفي بحصصها من المناصب في المحافظات ، بل في المركز أيضا ، ويتحول البلد من بلد مواطنة الى بلد مكونات ،  وتترسخ المحاصصة  أكثر في على حساب الكفاءة  ...

أن  ما يهم المواطن بالدرجة الاساس  هو الخدمات والأمان ، ومستوى تطور مدينته ، وليس تسلسلها الاداري  ، وهناك في العالم المتقدم  ، قرى أفضل بكثير من مدن كبيرة ، يهرب اليها من ينشد الراحة بعيدا عن الضجيج والزحام ، وفيها من وسائل الراحة ما يضاهي تلك المدن الكبيرة..

فهل من شروط الادارة الديمقراطية الناجحة أن تفكك الوطن ، وتضيع وحدته الشعبية ، قبل الادارية ، بين المحافظات والاقاليم   ..؟..

 وهل اشترطت الديمقراطية أن يتساوى الناس في توزيع الاحزاب وأن يكون توزيع  المحافظات بالتساوي على مدن البلاد أم كانت تهدف الى سعادة الانسان والتساوي في فرص العمل والتطور والخدمات ؟.

اكرر دون ملل الدعوة  الى السياسيين العرب والعراقيين خاصة الى اعادة قراءة دراسة برنارد لويس التي وافق الكونغرس عليها ليتعرفوا على حصة كل دولة من الخارطة الجديدة للمنطقة ، ويعرفوا المخططات المرسومة لها ،، وخطورة التحديات المفروضة على المنطقة وعلى كل دولة فيها ، وكيفية إفشالها من خلال  التضامن والتمسك بالثوابت الوطنية ، وتحقيق حلم أبنائها بالتطور، والبناء والحفاظ على وحدة الاوطان  وسيادتها واستقلالها من الخطر الذي يهددها وغلق كل المنافذ التي يتسلل منها العدو..

البعض يتوصل الى الحقيقة متأخرا ، ويأخذ يجاهربها ، وكأنها اكتشاف خطير ، ويصرخ ( مستنجدا ) لعل هناك من يسمعه ، ومع ذلك فان الاعتراف بالحقيقة  خير من تجاهلها ، بشرط أن يعقبها عمل يناسبها ، وأن لا يكتفي السياسي والمسؤول بوصف  الحالة والتحليل فقط ،  بل يحدد العلاج  ، ويساهم بوضع خارطة طريق مناسبة  للحالة التي يتصدى لمناقشتها على وفق القاعدة العلمية المعروفة (  لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه  ) ..

 فهل فعل كل مسؤول ما يناسب موقعه لافشال مشروع التقسيم ، أم  انه ساعد في ايجاد الارضية المناسبة له بالتمسك بالمحاصصة طمعا بالمناصب والمكاســـــــب   ؟..

 التصريحات والخطب ... كان لها ظرفها ،  وتجد لها أذانا صاغية تنتظرها وتتفاعل معها .. إختلف الأمر اليوم ...

 العالم اليوم  يعمل أكثر مما يتكلم .. نعيش عصر القوة والعمل .. القوة تجعل ما تفكر به ممكنا. والعمل يعزز من القوة ويضاعفها . ومن يفقدهما يعيش  ليس في صميم  الاحداث ، بل على هامشها ،  ينفعل بها ، دون أن يكون له دور مؤثر في تغييرها ، ، مهددا مستباحا ..

 ليس أمامنا غير الوطنية ، والتمسك بثوابتها ، ووحدة الصف  ، فهي الطريق لأفشال مشاريع التقسيم ، لكي يبقى الوطن خيمة واسعة يستظل بها الجميع .

{{{

كلام مفيد :

 من جميل ما قرأت .. الفرق بين المدح والثناء ..

المدح معروف .. ضد الذم ..

والثناء .. هو مدح مكرر .. من قولك ( تثنيت الخيط ) اذا جعلته طاقين .. وثنيته بالتشديد إذا أضفت اليه خيطا أخر .. ومنه قوله تعالى (  ولقد آتيناك سبعا من المثاني) يعني سورة الحمد لانها تكرر في كل ركعة ..

 

 

عدد المشـاهدات 520   تاريخ الإضافـة 17/07/2019   رقم المحتوى 30973
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأحد 2019/12/15   توقيـت بغداد
تابعنا على