00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  ثقافة الإختلاف

مقالات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

ثقافة الإختلاف

عمار طاهر

منذ بزوغ فجر الصحافة قبل قرونٍ عدة، اقترن ازدهار هذه المهنة بمساحة الحرية المتاحة، وقدرة الناس على التعبير وابداء الرأي دون خوف او وجل، لذا نرى صاحبة الجلالة تنكفئ وتتراجع كلما ضاق فضاء الحرية، وقيد القلم بسلاسل الاستعباد، فالأمة المتحضرة تقودها الأفكار النيرة، حيث تتوهج الكلمات لتضيء دروب الحالمين بوطن أجمل، لا مكان فيه للجهل والتخلف والفساد.

ولكن أية حرية نعني؟ وعن أي مهنة نتكلم؟ هل هي ثقافة السباب وادبيات الشتائم؟ ام تراها لغة الاتهامات المجانية، وخطاب الحقد والكراهية؟ هل هي حرية ام تحرر؟ ام هو انعتاق من الاخلاق، وسقوط في زمن شحت فيه المناعة.. المتشبث به بصفاته الإنسانية فائز برحمة ربه! اما الصحافة فغدت بابا بائسا مشرعا على الدوام، يتهافت عليه الاميون والدخلاء، ممن يتصور أن الكتابة فن يسير يستطيع كل من هب ودب أن يجيدها، ما دام يحفظ رسوم الحروف الابجدية.

العراق يشهد اليوم تحولات خطيرة على صعيد الصحافة الرياضية، فبعد ان كانت ذات هيبة وقوة وباسا شديدا، افرغت تماما من محتواها، وباتت منزوعة المضامين، بل أصبحت مرادفة للبؤس والابتذال، وامست بعض العناوين الصحفية حاليا اسما مستعارا للرغيف، فيبدو أحدهم مثل الحاكي، يدور كلما قبض المقسوم.

وإذا أردنا الأمور ان تستقيم يفترض ان نغادر تصنيف الصحفيين وفق خبراتهم او درجة عطائهم او كفاءتهم ونزاهتهم، ويكون المعيار الجديد بالصفة ذاتها.. أي صحفي او غير صحفي.. فليس كل من يرغب بالانتشار، او يعبر عن عقده النفسية في مواقع التواصل الاجتماعي ينتمي الى هذه المهنة المقدسة.

ان الصحفي الجيد هو من يكتب نصا جيدا، فلا الصراخ ومهاجمة الاخرين او السخرية منهم، او الصاق بعض الصفات الذميمة، او الالفاظ الجارحة، تعني ان هذا البرنامج متميز، وان ذاك المقدم ناجحا.. المفارقة ان هذه النبرة النشاز أصبحت ملازمة لمعظم البرامج الرياضية في القنوات الفضائية، فقد تحولت الاستوديوهات الى منابر للقذف والتشهير والاثارة والابتزاز، ومنصات يستغلها هذا الطرف او ذاك لتصفية الحسابات، اما الغريب فمن يعد نفسه إعلاميا كبيرا لن نجد له يوما مقالا في صحيفة، او حتى خاطرة مقروءة.

هذه المقدمة ربما الطويلة في قياسات الاعمدة الصحفية سقناها بعد ان اختلط الحابل بالنابل في المشهد الإعلامي، وسقطت النخبة في الوسط الرياضي والإعلامي على حد سواء، او اسقطت بأسلحة فتاكة تثقب الاذن، وتفقأ عين المشاهد او القارئ، دون مراعاة للتجربة الطويلة، والخبرات المتراكمة، والرصيد المعرفي، او حتى احتراما للعمر.. مثلما يؤمرنا الدين والتربية والأعراف الاجتماعية.

قامتان سامقتان مثل الدكتور باسل عبد المهدي، والدكتور هادي عبد الله، هل يعني اختلافنا معهما في الرؤى ان ننصب لهم المشانق، ونعدمهما رمزيا على الورق وعبر الاثير؟

أي منطق هذا واية صحافة؟ هل هذه هي ثقافة الاختلاف ام شعارات الحرية والديمقراطية الزائفة التي لا نفقه منها سوى الحق في الاغتيال المعنوي دون حسيب او رقيب؟

باسل عبد المهدي، بكل ماله وما عليه، سوف يذكر التاريخ انه مر في هذا الزمن الرديء مرور الكبار، اما هادي عبد الله اديب الصحافة الرياضية، ووجهها المشرق.. فقد عاصرته منذ ربع قرن.. مجبول على الخير دائما، لا يسيء الظن ابدا، وإذا واجهه أحدهم بخصومه، فانه يبحث له عن عذر، او يدعو له.

إن واقع الحال لم يعد الآن في مدار الخلاف والاختلاف، وانما في البعد الأخلاقي المحذوف من المعادلة كلها، فبعد أن تلاشى الخجل، وتحول الهمس إلى صخب وصوت جهوري، بات علينا أن نقبل بالمنظومة الجديدة، بانتظار فجر اخر، تتنفس فيه الصحافة شرف المهنة المسفوح بسكاكين دعاة الحرية.. فإلى ذلك الحين سوف نبقى ننتظر وراء قضبان الصبر.

عدد المشـاهدات 65   تاريخ الإضافـة 16/07/2019   رقم المحتوى 30911
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
السبت 2019/12/7   توقيـت بغداد
تابعنا على