00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  مانشيت الصفحة الأولى

مقالات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

شهق الناس

مانشيت الصفحة الأولى

 

ياس خضير البياتي

 

كثيرا ما أحرج امام طلبتي في الجامعة او امام الصحفيين المتدربين، عندما أحاول  الحديث عن الفنون الصحفية الحديثة بطريقة  مغايرة لما هو في الواقع، لأن ما هو موجود في تقاليد الصحافة العربية، يختلف في تقاليد الصحافة الحديثة ،وكذلك الحال في مناهج كليات الاعلام التقليدية التي ماتزال تجتر المعلومات الــــقديمة بطريقة ساذجة ونمطية،  فأواجه احيانا بأسئلة محرجة للغاية، خاصة من بعض المشاكسين ،أو الخبثاء لأيقاعي بمشكلات سياسية وفنية غير قادر على مواجهتها بشفافية.

قبل أشهر كنت في دورة صحفية لصحفيين محترفين في مركز للتدريب في احدى الصحف العربية المشهورة، وكان من أجندات الدورة الحديث عن فن المانشيت الصحفي الذي يقلق دائما ادارة تحرير الصحيفة يوميا، ويضعها امام إحراجات اصحاب القرار السياسي بالذات، وغالبا ما يكون محكوما باعتبارات المواءمة السياسية، لأن معظم المانشيتات للصفحات الأولى محتكرة لهم في الكثير من الصحف العربية.                           

تأتي أهمية المانشيت الجيد لأنه تعبير قوى عن الأحداث والوقائع الحية، بما يجعله إرهاصة حقيقية نحو التغيير، وبما يؤدي إلى أثر تراكمي متسلسل، يؤثر في الوجدان، وينشر الحقيقة، بأسطع بيان، وأبلغ أثر. والقاعدة الذهبية تقول: لا ينبغي للمانشيت ان يرتبط بالأحداث السياسية فقط، وانما ايضا بأهم الأحداث الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والرياضية والفنية. ربما حدث رياضي كبير، او فوز اديب بجائزة كبيرة، او قضية رأي عام، ممكن ان تحتل الصفحات الاولى، كما هو متعارف عليه في الصحف الغربية. وهو تقليد جميل اميل له، واعتنق مذهبه الصحفي. 

ان المانشيت ينبغي ان يكون عنوان الحقيقة، وضمير القراء، ومختصر المعلومة، ورشاقة الفكرة، وبلاغة التعبير اللغوي والسيكولوجي، وهندسة البناء الفني ،وصياغته مرتبطة بالحدث، وفهم تفكير القارئ وحاجاته، بمعنى آخر، أن يتناول جديدا لا يعرفه القراء، وأن يكون مباشرا ومختصرا وجاذبا، ويتسم بالدقة، والوضوح، والمسؤولية، والجاذبية، ويستخدم كلمات بسيطة، ويبتعد عن التعميم، والمترادفات، والإطالة، والكلام المرسل أو الإنشائي. لأن المانشـــيت الحديث هو مانشيت الحدث الأكبر بغض النظر عن أهمية المسؤول السياسي، ومكانته في الدولة، مثلما هو صناعة تحريرية فائقة الدقة والتنظيم والتجديد والابتكار.   

ولأنني امام نخبة من الصحفيين المحترفين ،فأنني اكون بمواجهة صعبة يتمثل في تحدي تغيير العقلية الصحفية التي تعودت على انماط تقليدية مفروضة على عقولهم أشبه بصناعة الحفر على الصخر تعليما وممارسة ،فأجدني استخدم اكثر من وسيلة في التدريب : الأمثلة التطبيقية ، المقارنات  المختلفة ، والاطلاع على نماذج من المانشيتات في الصحف الغربية،خاصة ان معظهم لايطلع عليها بسبب اللغة او الكسل الفردي.

وقد يتفاجأ البعض منهم ان صحيفة (لونزو) الفرنسية حققت مبيعات كبيرة بسبب المانشيت الموجود في صفحتها الرئيسة المعنون بخط كبير (الخروج) عندما فشلت فرنسا في التأهل إلى مونديال كأس العالم عام 1994 ونافستها صحيفة (لاغازيتا) الإيطالية في الاختصار أيضا عندما خرجت بمانشيت يقول: (نحن العالم)، بعد فوز (الآزوري) بكأس العالم عام 2006

المشكلة انني وجدت في وجوه الصحفيين بعض الاستغراب، لأنه يناقض الواقع الحقيقي، وممارساتهم الصحفية في صحفهم، وربما البعض منهم اثار فيهم حب توجيه الأسئلة، أحيانا بعفوية، وأحيانا آخري بخبث وتعمد!    

الغريب أن الصحف الناطقة في اللغات الأجنبية في بعض الأقطار العربية، تنحو بأساليب الصحافة الغربية وتقاليدها، وهو امر مهم وصحيح لأنهم يخاطبون العقل الأجنبي وسايكولوجيته واسلوب التلقي الذي اعتاد عليه، بينما مازالت الصحف العربية تعتمد على النموذج التقليدي المحافظ، ولاتقترب من منهجيات تأسيس وبناء المانشيت الحديث لاعتبارات عديدة، أهمها العامل السياسي!  

وهذا ما حدث لي شخصيا، فقد استيقظت على تلفون زميل لي يهنئي على حصولي على أحسن بحث في الوطن العربي في مجال الاعلام من جامعة الدول العربية، فأنكرت هذا الأمر، لكنه سارع وقال لي بأن صحيفة يومية ناطقة باللغة الإنكليزية قد نشرت خبر الفوز في صفحاتها الاولى وبالمانشيت الرئيسي، كما نشرته الصحف المحلية ايضا.

لقد وجدت أكثر من مفارقة بعد الاطلاع على الصحف المحلية والاجنبية: المفارقة الاولى انني لم ابلغ من جامعة الدول العربية بالفوز، وقد اخذ الخبر كما يبدو من الوكالات، والمفارقة الثانية، وهي القضية التي كنت أركز عليها، بأن الصحافة الناطقة باللغة الانكليزية وضعت المانشيت الرئيسي لها على صفحتها الأولى بعنوان (دراسة تهاجم غياب الشفافية في العالم العربي)، فوق خبر وصور الساسة الكبار، بينما صحف محلية عربية وضعت الخبر في صفحاتها الأخيرة بعنوان قصير وتقليدي (أحسن بحث اعلامي)، وبمكان يكاد لا تراه العين الا بصعوبة، أمام ما نشيت احمر كبير لراقصة من الدرجة الثانية (عادت للرقص بعد اجبار زوجها على تطليقها)!

وبحدسي الصحفي، وتجربتي مع الصحافة العربية، فأنني لم أجد استغرابا في الامر، لأن القارئ العربي تهمه اخبار الفن والفنانين اكثر من قراءة خبر عن باحث فاز بحثه العلمي او شاعر وقصاص وروائي كتبوا اجمل نصوص أدبية ،لأن واقعنا اليوم يتسيد فيه صبيان الفن حضورا لافتا في وسائل الاعلام ليصبحوا حديث الدول والمجتمعات، وتفتح لهم أبواب الشهرة على مصرعيها ، بينما باحث عربي له عشرات الكتب والبحوث، واديب كبير وفنان ملتزم  يعيشون خارج تغطية الاعلام والشهرة ،وبحياة الكفاف والفقر، لا يجدون لهم أحيانا تكلفة مراسم الدفن في قبور بلدان العرب المترامية من المحيط الى الخليج، وأفضل ما يحصل عليه المفكر العربي اليوم في هذه الدنيا بعد موته الا على كلمة عابرة لها معنى عميق (مسكين)!

ملخص القول، انني نسيت فرحة الجائزة، لكنني حزنت كثيرا على المانشيت العربي، لتفضيل الراقصة على الباحث العلمي، وحمدت الله لأنني عشت نشوة المانشيت الإنكليزي على الصفحة الأولى لأول مرة في حياتي، وهي نشوة لم تدم سوى يوم واحد فقط مع نفسي وعائلتي!

 

عدد المشـاهدات 529   تاريخ الإضافـة 16/07/2019   رقم المحتوى 30907
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الخميس 2019/8/22   توقيـت بغداد
تابعنا على