00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  قميص والدي

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

قميص والدي

عامر العيثاوي

أتذكر مرأى يدها الحنونة تمتد داخل الدولاب الخشبي تقلب في ثنايا قمصان والدي فترتد الكف ناصعة البياض مصحوبة بشهقة فقد انبثق أمامها فجأة خصلاتي السوداء وبريق عيني المذعورتين مخافة اكتشاف ملجئي الخفي، تضحك أمي:-

- ما لذي تفعليه هنا يا عفريته.

لم أجد الشجاعة لأخبرها بسري الصغير لكن قوقعتي أصابها التصدع، فعلى مائدة العشاء تحدثت أمي عن حادثة الصباح كان ذلك سبباً في ضحك أبي وأسئلة شقيقاي الفضولية.

لكنهم لم يكتشفوا اللغز، فلا يتعلق الأمر بلعبة التخفي كما ذهب ظنهم، وإنما بعشقي لقمصان أبي، متعة تقليده بارتدائها واستنشاق عبيرها المشبع من قناني عطوره، موديلاتها المختلفة وألوانها المرتبطة بذهني بمحطات حياته.

اليوم وأنا في الخمسة والعشرون لا أزال أمارس ذات المتعة بمطالعة قمصانه المعكوسة  في ألبومي العائلي، إحساسي بالألوان ليس متماثلاً بالضرورة للنظرة العامة، فالأسود أستشعره بعمق تجربته وعلمه في الحياة، والأبيض يذكرني بشعره الذي تكلل بالشيب وهو لا يزال دون الخمسين، القمصان المخططة هي تقلبات عائلتي من الاجتماع إلى تفرقنا بضربات القدر.

بعيني البنيتين أقلب تاريخ عائلتي، هذه الصورة الفوتوغرافية "الفورية" على سبيل المثال تجمعه "بأمي" تبدو وكأنها بداية ارتباطهما، يظهر قميص والدي الضيق بـ "ياقة" ضخمة وألوان صارخة، ثمة ابتسامة بريئة تعلو وجهه الحنطي، بشارب حليق وشعر عالي "وسوالف" طويلة.

في حفلة ولادة التوأم الأول كل من شقيقي الولدين، قبل قدومي بأربعة أعوام،  يظهر والدي وابتسامة عريضة على وجهه، بقميص "أزرق – نيلي" في تلك الفترة حصل على وظيفته.

 

بالمدينة الأثرية بابل، صورة جماعية أبي وأمي في الوسط على الجانبين يقف شقيقاي، أما أنا فيحملني والدي على ذراعه اليمنى المثنية، كنت على نحو الثانية من العمر، والدي بقميص أبيض بربطة عنق، يبدو بملامح أكثر سكوناً، أطلق شاربه الأسود لعله كان يتدرج في سلك الوظيفة.

نجلس نحن الخمسة في مطعم راقي، نتوزع بشكل دائري حول مائدة طعام، يرتدي والدي بدلة رسمية بلون بني غامق وربطة عنق مشكلة بخطوط عرضية بنية وبيضاء، يظهر بشكل جلي التعب على وجه والدتي لعلها أولى أشارات المرض.

المجموعة التالية تظهر بقمصان سوداء وملامح متعبة حزينة، كانت أمي قد رحلت عنا ذات يوم شتوي كئيب ولي خمسة أعوام، في المنزل الذي أفتقد حنانها صارت "عمتي" تزورنا بكثرة وتوزع مهامها المرهقة ما بين التزاماتها الزوجية واحتياجاتنا، لكن ذلك لم يجدِ نفعاً، سمعتها تتحدث مع والدي في صالة الضيوف بأن عليه أن يتزوج.

أتذكر مرأى يدها المتجردة من الرحمة تسحبني من مخبئي في خزانة والدي، قبل يومين سحبت أذني شقيقي ونطحت رأسيهما معاً، لم تعد خزانة قمصان والدي مكاني المفضل، بل صرت أختبئ تحت سريره خوفاً من صفعاتها ولكماتها المؤذية على رأسي  وظهري.

أستمر الأمر حتى شهر عندما تجرأ أحد شقيقاي وأخبر أبي بجلسات التعذيب اليومية، تلمس تقرحات جسدي والخطوط الزرقاء بعيون دامعة، وعلا صراخهما معاً، كانت كلمته الأخيرة: "لن تبقِ بمنزلي بعد اليوم".

كان على والدي تحمل مسؤوليات إضافية، النهوض مبكراً وإعداد الفطور ، في الثامنة يتركنا عند المدرسة، وفي نهاية اليوم نجده ينتظرنا أمام البوابة، يطبخ لنا الغداء، يساعدنا في تحضير واجباتنا، وعند التاسعة يقوم بإعداد العشاء، ما بعد العاشرة يقوم بتنظيف أواني وجبات الطعام الثلاث ثم يتوجه للنوم.

ذلك الجو المزدحم من أشغاله أصابه بكثير من التعب أتذكر قمصانه وقد أسودت أكمامها وتلطخت أخرى ببقع المرق والزيت، في الخامسة عشرة من عمري وكنت استعد لامتحانات الدراسة المتوسطة أصيب والدي بأزمة قلبية، ملامحه المصفرة وعيناه وهما تنظران نحونا برعب لا تزال ماثلة أمامي، وتوفي بعد أسبوع.

الشيء الوحيد الذي أصررت على أخذه معي إلى بيت عمتي حيث ذهبنا للعيش كانت قمصان والدي، ومنذ الوهلة الأولى لرحيله أخذت أستنشقها بعمق وأغسلها بدموعي.

لكن عمتي المتخوفة من بقايا الموتى قامت بحرقها في غفلة مني، وبذلك اقتطعت مني بقاياه الأخيرة، وحدها الصور ومقتطفات مشاهد لا تمحى تذكراني بما كانت تمثله "قمصانه" من معاني لا يدرك سرها غيري، وكذلك ما دأبت عليه أبنتي الصغيرة وهي تمارس ذات اللعبة مع قمصان والدها.

 

عدد المشـاهدات 801   تاريخ الإضافـة 16/07/2019   رقم المحتوى 30903
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأحد 2019/12/15   توقيـت بغداد
تابعنا على