00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  عندما يبكي النخيل

مقالات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

عندما يبكي النخيل

عمار طاهر

سمعتها تستغيث وهي في الرمق الأخير، تنشد العابرين عن قطرة ماء، فقد أنهكها العطش، وارهقتها حرارة تموز، تنادي بصوت مبحوح.. اما من مغيث، ولكن.. كأنها لا تستصرخهم، وكأنهم لا يسمعون.. مجزرة رهيبة، وابادة شاملة، يندى لها الجبين، لا يتوقف عندها أحد، وهو يمر مسرعا قرب بساتين الدورة.. رؤوس مقطوعة، ونخيل مقتولة، وأخرى تنتظر مصيرها بصمت، تذوي وتنطفئ، وهي شامخة لا تنحني، لتكون شاهد اثبات على مجتمع فقد الإحساس بكل شيء، فلم يعد يكترث او يحفل بشركاء الأرض، حتى وان كانوا مجرد.. شجر. حفلة الموت الجماعي التي تجري في كل ارجاء بغداد، يمارسها قتلة محترفون، لتغيير جنس الأرض، وتحويلها من زراعية الى سكنية، بهدف رفع قيمتها العقارية الى اضعاف مضعفة، مقابل صمت رسمي او استثناءات مسكوت عنها، لتستولي هذه المافيات المنظمة على هذه البساتين الجميلة، وتبدأ بفرزها وتسويقها وبيعها، مع انها واحات رائعة، تتنفس من خلالها العاصمة، بعد ان وصل التلوث البيئي الى مستويات غير مسبوقة. هذا الجشع.. وهذه الجرأة لاغتصاب الأرض، يصادفها وجود عذراواتنا الخالدات في تحالف عمره الاف السنين، حيث تتوغل الجذور عميقا لتعانق الطين، وتحتضن التراب.. يعجز المجرمون عن اقتلاعها، وهي المتشبثة منذ الازل، فيضطرون الى ممارسة هويتهم المفضلة في حز الرؤوس، او حقنها بالنفط الأسود، او تركها تهلك عطشا بلا ناصر او معين. التصحر والجفاف يطوق بغداد، وثمة الكثير من المناطق داخل المدينة وخارجها بحاجة الى الخضرة، وبإمكان امانة العاصمة ان تنقل أشجار النخيل وتغرزها مرة اخرى بدلا من زوالها بهذه الطريقة البربرية، بالمقابل على وزارة الزراعة ان تعد هذه الوحشية جريمة يعاقب عليها القانون، فالنخلة هوية العراق، وعنوان عزه، ورمز حضارته، وايقونة تاريخه التليد. لا يوجد وطن في العالم مثل العراق أكثر اكتظاظا بالنخيل، وبأجود الأنواع، فبلاد الرافدين تستمد خضرتها من سعف نخيلها، فهي لا تتساقط ابدا، سامقة دائما، مهما عصفت بها الريح، وتبدلت الأزمنة، طرحها النضيد الوانه مختلفة، وطعمه اللذيذ، يحاكي طيبه اهل البلد، فكلاهما ينبتان من أعماق هذه الأرض المعطاء. اتخيل القتلة وقد تسللوا في ليلة حالكة السواد، مدججين بكل أسلحة الاستئصال، وراحوا يجتثون بدم بارد هذه الاشجار المسالمة، لا يلتفتون الى نحيبها، او عويل فسيلاتها، فالمهمة لا تكتمل الا بالفناء التام، والقضاء المبرم على اخرها، والجريمة في كل الاحوال تقيد ضد مجهول، مع ان المتهم ليس نائب فاعل او غير معلوم.. اما نخيلنا فلا بواكٍ لها.      


 

عدد المشـاهدات 184   تاريخ الإضافـة 15/07/2019   رقم المحتوى 30871
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الثلاثاء 2019/8/20   توقيـت بغداد
تابعنا على