00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  (ما أبشع أن تكون ضعيفا ..)

مقالات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

نبض القلم

(ما أبشع أن تكون ضعيفا ..)

طالب سعدون

(المغفلة) واحدة من روائع الادب الروسي للروائي الكبير انطوان تشيخوف (1860 –  1904).. وهي صرخة مدوية ليس بوجه الظالم فقط ، كما اعتدنا أن نقرأ ونسمع ، بل بوجه كل (مستكين) يقبل أن يقع عليه الظلم …

في (المغفلة) يحمل الكاتب تشيخوف  المظلوم المسؤولية أيضا كما يحمل الظالم (لأن المبدأ) واحد ، وهو الظلم ..  فلماذا يقبل الاول ما يفرضه الثاني  ، ويتعامل معه ، وكأنه قدر كتب عليه ، دون أن يرفضه ؟..  ولماذا يسكت لكي يجعل الظالم يتمادى في ظلمه أكثر ويغتصب حقه دون حياء أو وجل  ؟..

وهل  تنتظر  (المغفلة) من ذلك الظالم أن يعاملها بالعدل والانصاف واللطف  والاحسان ، ويعطيها كامل حقها ،  أم عليها أن تطالب بحقها اذا ما إغتصبه ظالم ، وترفض ما يقع عليها من ظلم ؟!

في قصة تشيخوف يتساوى المظلوم (المغفلة) مع  الظالم (رب الاسرة البرجوازي الذي تولت تربية أطفاله) ، وغمط حقها ، لأنهما معا ساهما في وجود الظلم ، كل واحد منهما حسب دوره ومسؤوليته ، فهي تساوت مع الظالم ، لأنها  صمتت ، ولم ترفض سلب حقها ، أو تدافع عن نفسها ، بحجة أنها ضعيفة ، وليس لها قوة وجبروت الظالم ، وهي بدلا من الرفض والاصرار على  الحصول على حقها كانت تقابل كلماته الاستفزازية ، وأعذاره الواهية بمصادرة أغلب (مرتبها) بالشكر، وتمعن في حالة الضعف أكثر ، كما بدا ذلك  من إرتعاش اليدين ، وانهمار الدموع … وقد إستفزته هذه الحالة من الضعف والقبول بمصادرة الحق كثيرا وأغضبته ليقول لها في النهاية .. شكرا على ماذا ؟.. (على ما نهبتك ، على ما سلبتك ، لقد سرقت منك فعلام تقولين شكرا .. ألا تدافعين عن حقك ..؟..)  لتجيب (غيرك لم يعطيني شيئا) .. وبعدها يعطيها كامل حقها من المال (مرتبها كاملا) بعد أن لقنها درسا في أن تطالب بحقها ، ولا  تنهزم ،  أو تستكين ، أو تسكت على ضيم ، وظلم  مهما كانت قوته وجبروته …

فما أبشع أن تكون ضعيفا في هذا العالم المتوحش … عبارة اطلقها تشيخوف في القرن التاسع عشر ، ولا يزال يتردد صداها في كل مكان وزمان ،  ما دام هناك ظلم ، وحق مستلب على وجه المعمورة ، وتعطي درسا مهما في الحقوق ..

فان لم يعطك أحد حقك ، يأتي دورك  الطبيعي في أن تنتزع هذا الحق  ، وإن سكت تسحق   …

وما نيل المطالب بالتمني

ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

وهناك قول مأثور للامام علي.. (المؤمن يجب أن يكون قويا من غير عنف ، ولينا من غير ضعف ..) أي  أن الضعف مكروه ، كما هو العنف ممقوت  …

والاسلام كما يرفض الظلم ، ويحذر الظالمين والطغاة ويعدهم بالعذاب والخزي ، يحمل من يتبعهم نصيبهم من المسؤولية ، عما يقوم به هؤلاء  المستبدون ، وما يقترفونه من أعمال تخالف شرع الله ومصلحة الناس ، عندما يستسلمون لارادتهم ويسلمونهم أمرهم ومصيرهم  دون اعتراض  … وقصص قوم نوح وهود وقوم فرعون  شواهد على هؤلاء ،  عندما خالفوا  أمر الانبياء واتبعوا (كل جبار عنيد) ..

الضعف يصنع الطغاة ، ويمنحهم القوة والغرور والاستخفاف بالمواطنين ما يجعلهم  يتصورون أنهم قوة لا تقهر ، وفوق قدرة البشر .. في حين هم  أضعف مما يتصورون  ، ولكنهم يستمدون تلك القوة الغاشمة من ضعف المحكومين وقبولهم (خانعين) بتسلطهم عليهم  ، والاستكانة والخنوع لهم ..

تلك العلاقة غير الطبيعية بين الحاكم والمحكوم سماها المفكر الفرنسي (إيتيان دي لابويسيه) في القرن السادس عشر (بالعبودية المختارة) .. قوة هؤلاء (الطغاة) و(الاسياد) كما يسميهم ، يستمدونها من القبول بهم مع كل عيوبهم ، ومن حالة الضعف التي عليها المحكومين …… فمثل هؤلاء البشرالمحكومين في نظر المفكر الفرنسي  ، ليسوا فقط هم من يقبلون ببؤسهم ، بل يسعون اليه سعيا بارادتهم ،  ويستسلمون لحكام ، ليس لهم من القوة الخارقة ما يعجز الانسان عن  مقاومتها.. بل في حدود قدرة المحكوم على الرفض والتغيير ..

 (المغفلة) رواية مهمة من روائع تشيخوف التي كانت من (ممهدات) التغيير التي تسبق  الثورة ، من خلال المساهمة بنشر حالة من الوعي بالحقوق  عن طريق الكتابات ، وتسليط الضوء على الظلم ورفضه ، وكيف للظلم أن يسود إذا قبل المظلوم به ..

باختصار يطلب  الكاتب من الانسان أن لا يسكت عندما يتعرض الى ظلم وهضم الحقوق ..

(المغفلة) و(العبودية المختارة) كتبت في منذ زمن طويل .. تعالج حالة الضعف والظلم  والعبودية والاستبداد ، مهما كان مصدره ، وسواء  وقع على الفرد أو الجماعة أو الدول ….

سكوت المظلوم يشجع الظالم ، وبه يعم الظلم والظلام ..

هكذا يرى تشيخوف ..

كتابات عندما تقرأها وتتفحص مضامينها تجدها وكأنها كتبت للعصر الراهن ، وليس لظرفها الخاص فقط ،  بما في هذا العصر  من ظواهر وحالات غريبة من الهيمنة والتسلط والعدوان   ..

 كتابات تدعو الى  رفض الظلم والعبودية والاستلاب  ،  والهيمنة ومصادرة  الحقوق المشروعة سواء للفرد والجماعة او الدول ، وتعلق بمفهوم الحرية …

وتلك قيمة الكتابة ، والكتابات الخالدة  الحية ،  والكاتب المبدع الذي يحقق بكلماته وافكاره النيرة التواصل بين العصور والاجيال  …

{ { { {

كلام مفيد :

من جميل ماقرأت .. كلمة ( وراء ) وردت بمعان مختلفة في القرآن الكريم ..

– ( فنبذوه وراء ظهورهم ) .. بمعنى خلف

– ( وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ) .. بمعنى امام ..

– ( فمن إبتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) .. بمعنى غير ..

– ( ومن وراء اسحاق يعقوب) .. بمعنى بعد …

 

 

 

 

 

عدد المشـاهدات 558   تاريخ الإضافـة 10/07/2019   رقم المحتوى 30772
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الإثنين 2019/7/22   توقيـت بغداد
تابعنا على