00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  دلالة العنوان لدى القاص علي الساعدي.. شبق صحفي أنموذجاً

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

دلالة العنوان لدى القاص علي الساعدي.. شبق صحفي أنموذجاً

كاظم مجبل الخطيب

لدلالات العنوان لدى القاص على الساعدي تمظهرات وتجليات بالغة التجسد والقصدية، لمستها لدى قراءتي لمجموعته القصصية القصيرة جداً "شبق صحفي"، الصادرة مؤخراً عن دار ومطبعة كيوان في سوريا،كما كنت قد لمستها سابقاً لدى قراءتي لكل من مجموعتيه القصصيتين المشتركتين "طريق الشفاه " 2013  و"بين نارين" 2014 الصادرتين عن جامعة المبدعين المغاربة. فكنت منقاداً لا متخيراً لاختراق جميع عوالمه،وهي تنقلني في فضاءات واسعة من الشد والتشويق لعناصره الأبداعية؛ التي تتجلى واضحة لكاتب خاض تجربة السرد في جنس القصة القصيرة جداً بمهنية تبهرني، ناتجة عن خبرة متراكمة، مبتعداً عن الترهل اللغوي وهو يختزل بقوة معاناة مجتمعه لمراحل متفاوتة، معتمداً التكثيف السردي للحدث،والاشتغال على معطيات التأويل باقتضاب شديد ، وبوعي متكامل جعل من عناوينها مدلولات متحركة داخل النص، تمثل عنصراً رئيساً،ومدخلاً يعطي روحاً مكتنزة بالمعرفة، وتمام أركان قصته لحظة التقاطها مروراً بصراعات أزماتها؛ التي تنتظر كواشف تنويرية؛ لتجلي ظلمة الحدث الدرامية المنفعلة والمتفاعلة، دون الشعور في نهايتها أن القاص كان قد افتعل لنا جواً مقحماً غير مقنع، فالمفاجآت عنده إحساس بالحل المفقود الذي نبحث عنه.

في قصة : "طاغية"

نَشَدَ العَظَمَةُ، فأصيب بجنونها..

هنا ما كنت قد أشرت إليه في مدى عنايته وحرصه على اختيار العنوان كمدلول متحرك؛ وليس واقفاً على عتبة الإنتظار. فالطاغية هنا دراما متصارعة تجد بجوارها أحداثاً متراكمة ؛لآخرين صفقوا  وطبلوا له ليسلك طريقاً يؤدي الى جنونه ، دون أن نتعرف على هذه الشخوص الملازمة، ولكننا لمسنا فعلهم من خلاله. القاريء لمجموعة القاص الساعدي بتأنٍ وتدبرٍ، لا يمكنه إلا أن يدخل معه كافة أماكنه المظلمة في مجتمع بات مغلق بالمسميات القبلية المقيتة، حاملاً بيده مصباح كشفه مخترقاً جميع الزوايا الحمراء المستترة،ليكون ضميراً حياً ناطقاً بمعاناة شخوصه المستلبة المتخفية التي؛ التي ترتدي ثياب خلاصها من ملاحقة عيون ترصد ما تعرى منها،  لتبقى عصية عن الإباحة  بمكنوناتها النفسية المتأزمة،كما يبرز ذلك جلياً في قصته الموسومة :

"ثمن باهض"

بكى الولد الصغير بكاءً مُرّاً، حين علم أن أمّه كانت تقص بمقص الرذيلة قطعاً من جلدها، لترتقّ بها لباسه المُتهرِّئ..   

ليتفرد الساعدي هنا عن غيره بتأسيس بناء متكامل للقصة القصيرة جداً، معتمداً على:

- فكرة متكاملة

- رؤيا واضحة

- لغة بالغة الإختزال والتقشف، مع تمام صورها البلاغية البعيدة عن الترهل، وحبكة متناهية متراصة في أحداثها ، تتأزم جداً حتى لحظة التنوير.فالنهايات لا تبقى مفتوحة ؛ دون الإستدلال المعرفي للرسالة المتوخاة من قصصه.

- الخيال لدى الساعدي يتناغم مع واقع أبطاله، ليأخذ بيد القاريء الى حيثيات يتعاطف معها،وتشده بقوة إليها.

- الساعدي في مجموعته يكتب للناس بجميع مستوياتهم الثقافية والمعرفية وهو لا يكتب لنخبة مثقفة بعينها.

أراد القاص بحسب منهجية مدروسة ، بتبويب مجموعته القصصية على شكل مانشيتات تؤرخ لأزمان وحوادث متفرقة، فكل مانشيت منها كان عالماً يؤرخ له كمشاهد حي، ومواكب لأحداثه التي مر بها المجتمع العراقي بتحولاته الدراماتيكية المتلاحقة.

ريادة ادبية

تلك المانشيتات التي أعدها الكاتب بريادة أدبية تحسب له في هذا الجنس الأدبي ،لتجسد في كل واحدة منها مقولة ما له،لا تخلو من فلسفة الكوميديا السوداء-التي تلفعت بها مجمل أعماله- وبشكل يمهد للمرحلة السياسية والتاريخية التي ستتناولها نصوصه القصصية اللاحقة لتلك المانشيتات، والمرتبطة ضمنياً بسابقاتها؛من مانشيتات ونصوص تجسد لأحداث مفصلية معينة من تاريخ العراق المعاصر، حتى بدت أشبه ببرازخ نصية لولوج تلك العوالم المتناسلة والمتنافذة وليست المتقاطعة، من جحيم ذلك العالم الأشمل؛ الذي يؤرخ له القاص بمجمل نصوصه، ضمن عتبته الرئيسة الموسومة بـ "شبق صحفي".

فنقرأ هنا مثلاً:

"مانشيت" رقم( 4):

"أَدْخُلْ عالم السياسة قديساً..ثم أخلعْ عنك مبادِءَك بحرفية وتمهل فتاة تَعَرٍّ".

أو كما جاء في "مانشيت"رقم (7):

"غالباً ماتقاد الخراف لصـــــــــــــفير ناي يطلقه الحادي،وتقاد بعض الجماهير لخطاب يطلقه زعيم طائفي،أجده أمراً معيباً وبشدة،أن يجمعني وأفراد ذلك القطيع الإنقياد نفسه لمؤثر يستدعي السمع لكنه يلغي التفكير.." وهو بهذا أدخل القاريء كما يبدو الى عالم مترامي الأطراف، لفصول قاص يمتلك رؤية ونفس وروح الرواية يجيد اللعب على مساحة ضيقة جداً،لكنها لم تكن مثقلة ومملة لقارئها،فينقلنا الى عوالم كان قد سبر أغوارها من خلال عمله كصحفي يغطي أخبار الموت والدمار،   ملاصقاً لأحداث ووقائع تلك الفترة الدموية من تاريخ العراق، عبر ما تصوره لنا تلك المانشيتات ونصوصها المتعددة. فلم يكن في قصصه شاهد زور ،لكنها الوقائع المؤلمة التي مر بها شعبنا، تلك التي وثق لها القاص بدقة وحرفية رائعة، غير منحاز إلا لمعاناة الإنسان، في ذروة مرحلة مظلمة، توقدت فيها ظلمة النفس الإنسانية حتى أصبحت بركاناً ثائراً وهائجاً. لنقرأ معاً قصة :

"حكمة عاهرة "

قَضَى مِنْها وَطَرَه، سألها مشاكساً:

- أهناك من هو أكثر سقوطاً منك؟

أجابت:

- إنه أنت بالتأكيد..

فرغم سقوطي.. تجدني أفي بعهدي في تحقيق حاجات من يدفعون اليّ نقودهم.. بينما تَنْكُثُ أنت عهدك في تحقيق حاجات من يمنحونك أصواتهم..

أو قصة :

"تدوير"

سقوط طاغية

تَنَفَّسَ الشعب الصُّعَداء بسقوط طاغيته الأوحد، حتى تَشَرْنَق.. تَمَذْهَب.. تَخَنْدَق .. وتَمَتْرَس، فانتخب طغاته العـديدين.. أنا هنا لا يمكنني الخوض بذكر نماذج أخرى من القصص أســـــــــتنطق من خلالها خطه القصصي الواضح،لأن جميعها حــــــــاضرة بذهني ولا يمكنني التفريق بينها فالمجموعة زاخرة جداً بالوعي المتنامي لدى القاص، وأتمنى أن تحظى هذه التجربة الكبيرة بما تستحق من الدارسين والمهتمين، لما تتفرد به من ريادة راسخة.

عدد المشـاهدات 874   تاريخ الإضافـة 02/07/2019   رقم المحتوى 30514
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأربعاء 2019/8/21   توقيـت بغداد
تابعنا على