من مرونة متدنية إلى أخرى فائقة.. الإنتقال إلى قصيدة النثر
أضيف بواسـطة admin

من مرونة متدنية إلى أخرى فائقة.. الإنتقال إلى قصيدة النثر

قيس مجيد المولى

بقيت اللغة في الشعر العربي القديم لغة الواقع ضمن ضرورات الحاجات المعبرة عنها ونتفهم هذا القول حين نتفهم ماتعنيه إيصال الرسالة الشعرية وكذلك نتفهم ماكان عليه الشعراء إزاء قواعد النحو وفقه اللغة (الفيلولوجيا ) وفي دراسة اللغة لابد من الإجابة عما يتعلق بالمشكلات الفلسفية اللغوية والسوسيولوجية وكذلك التحولات التي شهدتها اللغة الشعرية ،

   التقنية الجديدة

ولاشك أن حركة الحداثة الشعرية قد أوجدت ضمن حراكها المتشعب العديد من التراكيب المغايرة سواء لقواعد اللغة أم مفهوم وظيفة اللغة وعملها ومنها على سبيل المثال إذابة الجملة الشعرية وكذلك إستبعاد الحدود الفاصلة بينها والتعامل مع إشارات الفصل والتنقيط وتقويض سلطة حروف العطف والجر وكيفية توزيع النص ،وهذه أشياء مغايره في البناء التقليدي للقصيدة القديمة وتدخل من باب التجريب اللغوي .ورغم إحتجاج نازك الملائكة على بعض هذه المغايرات اللغوية فلاشك بأن هناك من الشعراء قد تقبل هذه التقنية الكتابية ،

محددات اللغة

فاللغة في الشعر العربي القديم وكما عبر عنها أدونيس والتي كما ذكرنا ولأنها تكتفي من الواقع فأنها تمس هذا الواقع بقول أدونيس مسا عابرا رقيقا أي أنها لغة تعبير تقدم الأشياء بدلالاتها المألوفة وفيها أثر عال من التوازن والهدوء كما أن نظام المفردات والعلاقات مابينهما يتحكم به في أغلب الأحيان الميزان النحوي ويأتي الإنفعال والتجربة والقدرات التصورية وأختراع الوهم وخلقه في المرتبة الثانية ، وبذلك تكون هناك محددات واضحة ضمن القاموس الشعري للغة في الشعر القديم ،

الإنسجام وتطورات التجربة الشعرية

لقد ذكر يوسف الخال أن الشاعر الحديث ليفضل التضحية بالقيمة الأصلية أو القيمة المفروضة للكلمة بغية إعطائها معنى جديدا (إيحائيا وخلاقا )أما اللغة المستخدمة في الشعر القديم فقد أجبرت الشاعر على الولوج الى التشبيه والإستعارة والتجريد اللفظي والفذلكة البيانية الأمر الذي إنسحب على بقاء الإيقاع الشعري العربي على مغذيات مضامينه القديمة وأوزانه التقليدية التي وصلت حد التقديس لذلك دعا رواد الحداثة الشعرية الى إبدال كل المفردات والتعابير التي يبست حيويتها إستبدالها مع ماينسجم من تطورات التجربة الشعرية لكي تكون مساحة الجو العاطفي مساحة غير محدده بقوالب صياغية وعاطفة وصفية وهذا يستدعي أيضا تقويض مهمة العقل التتابعية وأي شكل من أشكال التسلسل المنطقي في وحدات البناء الشعري ، لقد وجدت حركة الحداثة الشعرية أن هناك العديد من المحددات في اللغة المستخدمة في الشعر القديم وهذه التحديدات تشكل تحديدا لحرية التعبير وقدرة اللغة على الإكتشاف والتحول والنمو كما أنها قيدا على تطور الوعي الشعري والفكري .

من مرونة متدنية الى مرونة فائقة

أن معطيات العصر الحديث إستوجبت في البدء برقعة ثوب اللغة القديمة ولكن بالمحصلة إستوجبت هذه المعطيات تمزيق ذلك الثوب والتمرد على المنحى الصوري وإحلال مرونة فائقة في الحركات التعبيرية مابين مدلولات اللغة الجديدة وهذا ماأشار إليه محمد الماغوط قبل إنظمامه للكتابة في مجلة شعر ، بلا شك فقد تحقق التجديد وعمل الشعراء بمبدأ تفكيك اللغة وفككوا الصورة الى أجزاء بحيث يأخذ كل جزء معناه ضمن كلية المشهد وأصبحت الفرادة الجمالية الشكل المميز للتجربة الشعرية وأصبحت ضوابط الشعر القديم إختيارية وليست إجبارية ، لقد شحنت اللغة الجديدة نفسها بشئ من الغرابة التي إستطاع الشاعر بها من الإنتقال من الظواهر الى مواجهة باطن العالم وأسراره ،ولمواجهة هذا الباطن كتبت قصيدة النثر .

داخل بناء المعنى

إهتمت قصيدة النثر في إيجاد صياغة جديده للأشياء التي ينتجها الواقع وهذا يعني أن الخيال لايتمثل بها رغم تأثيرها عليه فعلى الخيال أن يمنح قدرأ أخر من القيمة لموجوداته كونه قادرا على الإبتعاد عن المناطق المألوفة وفيه سرعة المغادرة لكل الصور الشعرية التي سبق وأنتجها وهذا يعني أن هناك علاقة مابين الإنسجام وبين التناقض غير مرهونة بآلية معينة سوى آلية اللحظة المبتكرة التي تساعد على تقديم الشكل المتحرر الذي يؤمن إستخدام المطلق من الحرية والمطلق من العبث المنظم ووفق هذا التصور فأن المعرفة البنائية في قصيدة النثر لاتخضع إلى معمارية ترتيب الكلمات أو نظام تركيب الجملة الشعرية المعهود في القصيدة القديمة لا من حيث الشكل فقط وإنما من حيث الترابط التصويري التي تعمل المخيلة المفتوحة على إستكمال مظاهر الكلمات وأستدلالاتها وبذلك فأن العناصر الشعرية تكون على درجة من التوتر والحيوية وتؤمن إنسيابية السرد الشعري ضمن الدوائر المضغوطة وغير السائبة داخل بناء المعنى .

لحظة الإكتشاف لحظة قائمة

لقد أشارت سوزان برنار حيث إتخذت من بودلير ورامبو ولوتريامون ومالارميه مايجمع ويتقاطع في الإيقاع والعنصر المخادع وأنماط الجمل والتراكيب اللغوية وعدم القدرة على تفسير القصيدة النماذج الإشراقية لفاعلية قصيدة النثر فهي تقدم تعريفا لمفهوم الشعر إستنادا لما يراه مالارميه (إن الشعر هو التعبير الخفي عن مظاهر الوجود )ولاشك أن ذلك يعني عدم مس الوجود مسأ مباشرا وكذلك إعادة نثر أجزاءه المتناثرة في صدفة لانهائية أمام عالم أخر لتأخذ المغامرة الشعرية فرصتها في تقديم أخر لغير المتجاوب الذي يمــــــكن تحقيق علاقات جديدة من خلاله بأعتبار أن لحظة الإكتشاف هي لحظة قائمة في كل إنتــــــقالية بين جملة شعرية وأخرى ،

من نظام الأشياء الى نظام الأحاسيس

لقد غيرت قصيدة النثر أي إنتقلت من نظام لأخر من نظام الأشياء التي إتخذت لها أنساقا متقاربة إلى نظام الأحاسيس يصبح كل شئ ماخوذا بقدرة كثافة المخيلة عند خلقها ليرسم الفراغ لما تشاء من صوره عبر إرسالية غير قابلة للإنتهاء ،

إن الحداثة الجديدة عملت على توسيع إهتمامات الشعراء وتعمقوا في التجربة الإنسانية وتفننوا في الرؤيا لتجارب الحياة للظفر بالأصيل الذي يلائم تطوره الحداثوي بعد أن هيئات لهم تجربتهم الشعرية وسائل جديدة للتعبير باللغة الملائمة ولم يكتفوا فقط بكشف أسراها بل عملوا على إعادة صياغة تلك الأسرار وفق متطلبات حاجاتهم الشعرية الجديدة .

عدد المشـاهدات 832   تاريخ الإضافـة 10/06/2019 - 21:30   آخـر تحديـث 24/10/2019 - 04:45   رقم المحتوى 29761
جميـع الحقوق محفوظـة
© www.Azzaman-Iraq.com 2016