00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  (الزمان) تنفرد بنشر أول كتاب غير مطبوع للمفكر عزيز السيد جاسم (4)

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

(الزمان) تنفرد بنشر أول كتاب غير مطبوع للمفكر عزيز السيد جاسم (4)

العرب يفتقرون إلى فلسفات واضحة تمنحهم عالماً فكرياً قائماً بذاته

منذ تغييبه سنة 1991 يعود بنتاج جديد …  لماذا الفلسفة ؟

وهناك المدينة الفاضلة (يوطوبيا) (Utopia) لتوماس مور 1516 وكذلك (مدينة الشمس) (City of The Sun)  1623 لـ (كامبانيلا) (Campanella)  اللتان انشغلتا ببحث القضايا الاقتصادية ومعالجتها.

ان الانسان سيظل ابدا باحثا عن الفردوس الأرضي، والسؤال الان هل ان مطامح الانسان ورغباته واماله ستظل مجرد مدن فاضلة واوهاما وعمارات من رمل ام انه سيجد لها صدى في عالم الجد والعمل والتطبيق؟

ان جواب ذلك متروك للأجيال وللتاريخ وعلى كل فالفلسفة ستلعب دورا هاما في الإجابة على ذلك السؤال مهما كانت نوعية الجواب وطبيعته.

السفسطة طريق الى المدينة الباطلة:

كما ان للعقل في جنوحه الى الوهم والخيال مدن فاضلة، فكذلك هناك مدن باطلة، ولكنها في عالم الواقع، حيث ان بعض الفلاسفة يحاولون قطف ثمار مطامعهم ومصالحهم فسخروا فلسفاتهم كلها لخدمة جاه زائل او طبقة معينة او فئة محدودة ابتغاء مرضاة السادة وأصحاب السلطة، فجاءت فلسفاتهم بعيدة عن العمق حيث انها سطحية تناقش الأمور نقاشا مظهريا بعيدا عن لب الحقيقة وجاءت بعيدة عن الاصالة حيث ليست لها جذور اجتماعية عريقة وليست لها مقدمات تولدها بتلك القوة والنماء، كما وانها تحاول استغلال بعض وجهات النظر الشائعة او المقبولة او تحاول ان تسرق عبثا مكاسب العلم والاختراعات لتجعلها في صفها ولتحوز كل ما من شأنه ان يمدها بالزاد حتى تستطيع ان تخلق مجالات وصولية واضحة لاصحابها الذين يسمون زورا فلاسفة او مفكرين، ولا تغيب عن بال احد (المكافيلية) التي كانت وسيلة لنيل السلطة وتحقيق شهرة الحكم، ان امير (ميكافيلي) لو شخصناه فلسفيا لقلنا بأنه درب من دروب تلك المدن الباطلة.

ان الإنسانية اعمق وارحب وانبل وارفع من كل مجد وقتي زائل.

ان الفيلسوف الباحث عن الشهرة والصيت الذائع ليس فيلسوفا بحق، فهو بهذا يؤكد على ان الأدوات التقليدية التي جاءته موروثة من اجداده ومن البيئة التي ترسم في اجسادنا رسوما منوعة للتذكير لاتزل موجودة ولم يقض عليها، ان الفيلسوف الحقيقي يهب وجوده ونفسه للإنسانية، وذلك البذل والعطاء المتزايد الذي لا يعرف التوقف انما لا يتم ببساطة وسهولة ويسر بل يتم عبر حلقات معقدة من التجارب والخبر والرؤى والعمل، ان انانية الفرد وشهوانيته ليست بالامر البسيط والسهل العادي الذي بمستطاع المرء ان يقمعه او يزيله، ان ذلك الرأي يحوي من المغالطة والخداع الكاذب مالا يترك مجالا لناكر في البرهنة والتثبيت، ان الانانية لن تزال من الانسان اطلاقا وانما من الممكن ملاشاتها عبر المسخ المستمر لها في بحر الحياة الاجتماعية الزاخر بكل صالح وعام وهادف.

ان الفيلسوف عندما يريد ان يذيع فلسفة ناجحة متكاملة لابد ان يرى شطحات فلسفية وزلات وهفوات بعيدة عن محتوى فلسفة الاجتماعي، وما تلك الشطحات الا تأكيد لانانية الذات ومطامعها التي لم يتمكن الفيلسوف من قمعها نهائيا الا بعد فترة من المعاناة والتطهير والتطعيم بكل ما هو خيّر ونبيل، ومع ذلك تظل للعبارات القديمة والسلوك البدائي والحيوانية القابعة في الأعماق بقايا تظهر في صفحة الفلسفة أحيانا كخطوط سود او رمادية تنفر ببروز من الوجه الفلسفي للفيلسوف. وتلك مآخذ تؤخذ على الفيلسوف الذي تسامى باعطائه نفسه للجميع وللتاريخ، فكيف بالفيلسوف الذي يعطينا نموذجا مكثفا ومركزا من الشعوذة والهرطقة والمطامع والفجور والتهافت الدنيء؟ انه حتما يستحق لعنة الأجيال الأبدية ولعنة التاريخ القاهرة التي لا ترحم، ان أولئك الفلاسفة قد يفرضون على تاريخ الفلسفة قسرا ان يذكرهم ويشيد بفلسفتهم مستغلين وجود مؤرخين نفعيين راكضين وراء الهبات والعطايا والصدقات والأجور، لكن التاريخ ينطق ولن يكون كلامه الا حكما صريحا قاسيا لا يعرف المجاملة ولا الالتواء ولا المساومة، ان اشباه الفلاسفة الذين هجروا جادة الصواب ونعيم الكرامة الجماعية الوارف الظلال لن يتمكنوا مهما بلغوا من الشطارة في النصب والاحتيال واللصوصية من نيل شرف اللقب العظيم الذي لايناله الا من قدم حياته واعصابه وعواطفه وجهوده وكل ما ملكه قربانا لهذا الشرف الذي لا يعدله شرف ولا يشبهه امتياز او رفعة.

قلنا اذن ان هؤلاء لم يستطيعوا أولا التخلص من لوثة العادات الرديئة المغروسة في نفوسهم فبقوا ولم يبدلوا انفسهم ولم يطوروها ومن لم يبدل سلوكه ويهذب طباعه ومن لم يغير ذاته يظل بلا ذات ومعدوم الضمير والوجدان وغير جدير حتى بلقب انسان.

وبالتالي فهم نسخ مشوهة لا لون ثابت لها ولا شكل تتقلب من شاطئ لشاطئ وتبحث من باب لباب وتستجدي من كل مكان ومن كل حثالة لتعطي فلسفات تدعم مآربها الدنسة اللئيمة، والطريق في ذلك الى تلك المدن الباطلة التي يريدون ان يشيدوها ليكونوا ملوكا وهميين لها، طريق المغالطة الفلسفية (السفسطة) وأول ما يستعملون بهذا الخصوص (الخداع المنطقي) مستغلين ما لديهم من براعة في المنطقية وذرابة لسانية تمكنهم من الاستهانة بالحقائق واللجوء الى هذا التزييف السريع الذي لا يتورع عن كل الوسائل من اجل تحقيق الكسب والفوز الجدلي بأي ثمن وصورة، والحوار الذي لا تربطه صلة بحقائق او بديهيات هو كل سلاحهم الشائن من اجل جمع الثروة، وقديما نشأ السفسطائيون كأنتهازيين عمدوا الى المراوغة الكلامية والدس الكلامي ليستطيعوا جمع المال كأسمى غاية وهدف لديهم، انهم لا يؤمنون بحقيقة غائية ولا بمقاييس ولا بنظم بل جل ما لديهم من اقيسة معتمد في حد ذاته على ملابسات معينة يستعملونها بكثرة، فهاك احدهم مثلا وهو يتحدث مع شاب في ملعب انه يقول له:

– هل ابرهن لك على ان اباك كلب؟

– وكيف ذلك؟

– هل عندك كلب؟

– اجل.

– هل للكلب جراء؟

– نعم.

– اذن فالكلب أب

– بكل تأكيد

– اليس الكلب لك؟

– بلى

– اذن الكلب هو اب وهو في نفس الوقت لك فالنتيجة ان الكلب اب لك. ولقد ذكر الأستاذ محمد جواد مغنية ان علماء الكلام قسموا السفسطائيين الى ثلاث فئات الأولى (العنادية) حيث تنكر الوجود وكل ما هو موجود وتعتبر هذا كله من قبيل الاخيلة والاوهام. والثانية (الضدية) حيث تجعل الفرد مقياسا لكل شيء اما الثالثة فهي (اللا ادرية) وتشك في كل شيء، واسلوبها الشك لدرجة انها تشك في شكها.

ويعتبر (بروثاغوراس) من كبار السفسطائيين وقد ولد في أبديره وهرب الى صقلية وغرق في اثناء قراره، وكان فراره نتيجة لاتهامه بالالحاد والكفر لانه هو القائل بان (اما فيما يتعلق بالآلهة فلا استطيع ان أقول انهم موجودون ولا انهم غير موجودين ذلك لان الموضوع نفسه غامض والحياة قصيرة لا تكفي للبحث في هذه المعضلة). ويعتبر بروثاغوراس من أوائل الذي ابتدأوا بالبحث في النحو وقال ان العقاب لا يستهدف الانتقام بل الردع والمنع واكد على ان الانسان هو مقياس قيم الأشياء.

والمعروف ان بروثاغوراس كان يتقن فنون الخطاب، وكذلك من السفسطائيين آنذاك، ان السفسطة في بداية نشوئها كانت ضرورية لانها تزيد من قوة الفلسفة ومراسها وتوطيدها. ان السفسطة آنذاك كانت خطوة لابد منها اما الان فأنها تمثل (الاحلاف) وتجعل من الفلاسفة قنا يملكه سيد متحجر ابله.

ان الفلسفة الان مدعومة بالعلم تقف على ارض صلبة وليست هشة ولذا فأن كل الاشكال الفلسفية التي تلجأ الى المماطلة والتسويف والرياء والسرقة مستغلة ما يسهل طريقها من قوة بلاغية واستعارات تشبيهية معينة لن تقوى على خوض المعركة لان مكانها ليست ساحات الوغى الجدلي بل مكانها ابار النسيان حيث تطمر هناك مجهولة منسية فالناس لا يبحثون عن فلسفة تبعدهم عن حقيقتهم وواقعهم المعاشي، وان هذه الفلسفة حتى وان كانت طريفة مشوقة تستعمل أسلوبا لطيفا قد يستحوذ على الالباب، لكن ذلك كله لوقت قصير جدا وسرعان ما تتهاوى تلك الفلسفة وتلك السقطة الكبرى هي مصير كل فلسفة شعارها البحث عن اقصى المنافع والمطامع الفردية. وتلك المدن الباطلة سوداء يزدريها المؤرخون، ونحن ما موقعنا بين هذه المدن والمدن الفاضلة التي لا وجود لها الا في الخيال طبعا موقف واحد هو الصحيح، هو ذلك الموقف الذي يعمل من اجل ان تصبح الأرض فردوسا بالبناء والتعمير والتجميل.

  اللا فلسفة:

الفلسفة وكما هو شائع ومعروف تسعى لحل مشكلات العصر حاليا، ولا يتم هذا الحل بسذاجة بل في سلسلة من التتبعات والترصدات ومجموعة من البحوث القصد منها فهم حقائق الأشياء لان الفهم الصحيح يقودنا الى اجوبة صحيحة للمشكلات اما الفهم المخطوء فيسلمنا الى دروب مظلمة ومتاهات لا توصلنا الا الى التخبط وعلى هذا الأساس ظهرت الفلسفات بين مادية ومثالية وانقسمت الى فرق وأفكار ومذاهب ومبادئ شتى اختلفت وسليا ولكنها متفقة أصلا على البحث عن (سعادة الانسان).

ولكن نسمع بين حين واخر نشازا يقول: مالنا وللفلسفة. ان الفلسفة تعقيد ونحن نروم الهدوء والبساطة، فلنعش هذا العمر دون ان نورط انفسنا في اسلاك الفلسفة الشائكة التي تخلق مشاكل جديدة وآلاما جديدة!!

هذا هو ما نسمعه، ويردده البعض عن علم والبعض بدون علم، فأما الذين يرددون هذا القول بلا علم فهم معذورون لانهم لا يدركون بالسليقة انهم أناس ويقتضي الحال ان يكونوا انسانيين، ونظرا لعوزهم لهذا الادراك فهم يفضلون ان يحيوا هكذا بدون بحث واهتمام الا شيء واحد لا ينسونه هو القوت الذي يشغل كل حواسهم وكل تفكيرهم.

ان الذين يعلنون عداءهم للفلسفة عن علم فهؤلاء نستطيع ان نسميهم حملة فلسفة (اللا فلسفة). ان القرن العشرين جعلنا نقول بكل ثقة من ان التنظيم يسود كل شيء، يسود المجتمع والأفكار والاحاسيس والنفس والذين يشتون عن التنظيم متقصدين يعني انهم يحاولون إيجاد طرق تفكير جديدة تتلاءم مع مآربهم وطبيعة تكوينهم.

فمثلا يقول شخص ان المتعلمين والاذكياء السائرين في طريق الفلسفة يعانون آلاما عسيرة، انهم لا يأخذون الشيء كما هو بل يسألون عن ماضيه وظروفه ومستقبله وطبيعة تكوينه وكيفية وجوده.. الى اخر ما يمكن من الاستفسارات والتساؤلات، فهذا يعني الاما جديدة لهؤلاء الاذكياء ومتاعب ذهنية ترهق اعصابهم واجسامهم وبالتالي تسبب لهم اما انفجارا في الدماغ او ضعفا في الاعصاب ومن ثم عمرا قصيرا، اما الشخص العادي فأعصابه مستريحة وعقله هادئ وكل شيء متوفر لديه والموت يساوي بين فيلسوف وجاهل!

وفي الحقيقة ان مثل هذا المنطق لا يحتاج الى جواب فالاجوبة لن تكون الا للافكار الحية اما الأفكار الهامدة التي تحاول عبثا ان تشغل لها حيزا فهذه لا يجب الاعتزاز بها والمتاجرة معها، ان الانسان هو ابن المشقة والالم، اولم يأت الى الوجود نتيجة تقلصات عنيفة والام بلغت الذروة ومنتهى الضغط والايلام في جسد امرأة؟

وبعد ان صار طفلا هل تعلم المشي مباشرة ام انه بذل الجهد تلو الجهد يحبو ويقع وينهض ويتألم حتى استطاع ان يقف على قدميه ويسير؟ لو لم يتعب العقل الإنساني لما وجدت الانسجة والقماش ولا الملابس التي لبسها ويلبسها أعداء المعرفة.. ولو لم يتعب العقل الإنساني ويتألم ويسبب لصاحبه الشقاء والحرمان لما سمعنا الأغاني ولما بنينا العمارات ولما.. ولما..

ان في العالم اخيارا واشرارا، وكذلك الفلسفات فيها الخيرة وفيها الشريرة، والعقل الواعي يسند الفلسفات الخيرة ويقدر الجوانب النافعة منها، وكذلك يلعن الفلسفات الشريرة البغيضة، ولن يستطيع متعلم مدرك ان يقف حائرا صامتا لا ينطق ولا يعمل ولا يقرر موافقته او عداءه، فالمخلوق الحي يتمتع بخاصية التفاعل التام مع كل ما يحيطه أفكارا او مواد، اما العزل بين الكائن والاشياء التي تحيطه فهو مفتعل ومصطنع ووقتي ووراءه تكمن حقيقة ما.

وبهذا فأن (اللافلسفة) عندما ينطقها شخص مطلع اطلاعا علميا حسنا فأنما يحاول تحت هذا الستار امرار أخطاء معينة او الحد من نشاط فلسفات معينة، وغالبا ما تكون لاوساط معينة مصلحة كبرى في لقاء الجهلة ومحاربة الفلسفة حتى يتمكنوا من ان يفعلوا ما يطيب لهم بدون رقيب يحاسبهم ان لديهم فلسفتهم الوحيدة التي يقرونها ويؤمنون بها ولا يريدون لفلسفات أخرى ان تعايشها انهم لا يطيقون هذا ولانهم لا يؤمنون بالمباراة الفلسفية الحرة، وتحت دعاوى (اللا فلسفة) تمضي فلسفتهم كما تريد او تشاء، ولكن ذلك لا يستطيع ان يمكنها من السير لمدة أطول لان كل ما لا يأتلف مع الحقائق والتطور يفشل وينهار حتما.

وهناك من يقول ان الفلسفة جنون مطبق وبان الفلاسفة يعيشون انفصاما عقليا ويحلقون في أجواء غريبة لا صلة تربطها بعالم الواقع والاحساس، لذا تبدو اقوالهم اقرب ما تكون للهذيان والهذر الذي لا طائل من ورائه وهم يعدون هذا موضوعا للتندر والنكاية والسخرية المريرة، دون ان يدركوا خطورة ما قاموا به من تصرف مخز فالفلاسفة لانهم اكثر بني جنسهم ذكاءا وبعد نظر وامعانا فأنهم يسبقونهم الى ادراك الحقائق وفهمها ويعطون التحليلات والتفسيرات اللازمة على الاستجابات الانعكاسية لها، ومن المفهوم ان الانسان المتوسط والقليل الثقافة يعتبر ذلك نأيا عن الواقع وانفصالا واضحا عنه ونادرا ان نجد مثقفا يتهم الفلاسفة بالجنون، وقد يوجد بعض الفلاسفة وهم مجانين حقا او ينخرطوا الى عالم داجٍ من جنون فظيع بعد ان قطعوا شوطا طويلا من الهم والتفكير والاحتراق، ان الجنون أحيانا يكون نتيجة لانعدام كل الوشائج وروابط الانسجام بين العقل والواقع فيظهر العقل متنافرا تنافرا تاما مع الواقع وهنا فأن جنونا كهذا ليس مدمرا او مؤذيا بل هو مظهر من مظاهر السخط المكبوت والشك بالتشكيلات الحياتية وقوانينها السائرة بنمط خاص.

ان الاتهامات والطعون التي توجه الى الفلسفة يمكن تحديد معقوليتها او عدمها من معرفة طبيعة الجهة او المصدر الذي تصدر منه، والغاية من مهاجمة الفلسفة مهما كانت مبطنة القصد منها إبقاء الانسان عاجزا حبيسا في حدود الخمول واللا وعي والجهل المطبق.

ان الفلاسفة على اعتبار انهم هم اول من فتحوا دروب المعرفة واناروها بمصباح (ديوجين) السحري ليستحقون من الناس والدولة كل رعاية وتشجيع وعناية فائقة، وان القاء شبهات معينة على الفلسفة ومن ثم محاولة اظهارها بصورة البلبلة الفكرية المشوشة ان هو في الحقيقة عملية اغتيال واسع النطاق للمعرفة والفلسفة والعلم والخير، وعلى هذا فأن (اللافلسفة) هي مفهوم فلسفي معين له ابعاده الخاصة وغايته الثابتة، ولكن تيار فلسفة (اللافلسفة) اختار طريق الاستخفاء والكمون والعيش في الظلال نتيجة لضعف بنوده وفقر دمه من الناحية الفكرية ونتيجة لعدم واقعيته او رصانته او ايجابيته، انه طريق العاملين في الظلام والذين تخشى ابصارهم الرضوخ وتخاف عقولهم الصراحة والجرأة.

لذا فأن هذا التيار متقلص وضئيل ومحكوم عليه مقدما بالموت لاهتمامه بتقوية كيان طبقة او فئة او جماعة شائخة متزعزعة هابطة الى مقابر التاريخ الفاغرة افواهها لكل مبتذل ورخيص ولا انساني.

ان اتباع هذا التيار ليسوا من الناس العاديين المتعلمين بل هم من أولئك المتنفذين او المتربعين على كراسي الشهرة والمطامح والطموح الدنيء، أولئك الذين يتصرفون وكأنهم مؤمنون بأزلية حياتهم وخلودها دون ان يعوا بأن الأرض التي ترفع كراسيهم تتزعزع لانها متفسخة لينة.

ان اختيارهم طريق اللافلسفة من اجل خلق مجلس معين تعبر منه أفكارهم الضالة والشاذة قد يمكنهم من نيل مكتسبات وقتية لكن بأي حال سيكلفهم الكثير وسيذكرهم التاريخ مجللين بالخزي والعار الابدي عار العداء الاستبدادي للعلم والمعرفة والحكمة، اما أولئك المدافعون الأمناء الذين يعشقون المعرفة وينهلون من منبع الحكمة العذب والذين لا يعرفون المداورة والسفسطة والتلون والانهزامية، فهؤلاء هم الجديرون بتقدير التاريخ وتقدير الإنسانية البارة بأبنائها الوفياء.

فلسفات معاصرة

في الحقيقة ولا مراء ان العالم العربي يفتقر الى فلسفات واضحة تمنحه عالما فكريا قائما بذاته ولولا الأديان التي تعد ذوات الفضل الأول في ملء الفراغ الفلسفي، لكان بؤسنا الفكري شديدا ومؤسفا وعلينا ان نتعمق لنرى ما هي الأسباب التي جعلت الفلسفة تعاني مثل هذا التأخر والضمور، في رأيي ان أولى هذه الأسباب واهمها هي قصر عمر التجمعات المدنية، فالعرب بحكم ظروفهم الاقتصادية عاشوا لفترة طويلة في البادية متنقلين دون ان يكون لهم مطمح في الاستقرار الوطيد، ولذا فأن أفكارهم جاءت صورة معكوسة وعاكسة ومعبرة عن حقيقة طبيعتهم في حلهم وترحالهم، ان مجتمعا قبليا لا يمكن باي حال ان تستنبط منه قاعدة تجارية هامة، وان أفكار (آدم سميث) مثلا لا يمكن ان تتولد ولو بشكل اخر في مجتمع قبلي، لان تلك الأفكار ليست ابتداعا، او ملهمة، انما هي مهما بلغت من حدود الابداع تأتي كلازمة ملازمة لنشوء اجتماعي حاصل. ان العرب عندما غلب عليهم طابع البداوة كانت أفكارهم كحياتهم خفيفة سريعة حكمية عابرة، وبظهور التجمعات ونواتات الاستقرار انبثقت بعض الأفكار التي لا تتعدى حدود كينونتها المادية، وهي مقتصرة على عرض المظالم والعظة والتوجيه والقضايا العشائرية السائدة عندهم، ولكن بظهور المدن كتجمعات حول الأسواق على اعتبار ان من سمات المدينة هي انها سوق قبل كل شيء، ظهرت بعض الأفكار الجديدة التي خلقت بدايات واوليات للفلسفة ليس الا.

 وبمرور الزمن ظهر فلاسفة اخذوا يناقشون أمور الكون ومسائل الحياة والموت والعقاب والثواب، ولكن سيطرة الدين الإسلامي على العقول وعلى اعتباره بأنه المعبر السامي عن متطلبات الناس وامانيها كل ذلك جعل من اية فلسفة تبدو ضئيلة متقلصة امام الدين العظيم الواسع الانتشار، وما الفرق الدينية التي ظهرت وتخاصمت فيما بينها الا رواضع تمتص غذاءها من الدين وما ان تطور العالم العربي في ميدان الحضارة والرقي الصناعي حتى انتعشت الأوساط الفكرية، وتفتحت اذهانها وحواسها للدرس والاطلاع والبحث المجد عن فنون المعرفة وكنوزها.

وكانت اوربا قد سبقتنا في هذه الخطوات وذلك لتوسع مكانتها التجارية ولحدوث الثورة الصناعية مبتدئة من الإنتاج الحِرَفي الفردي الى الورش الصناعية حتى تأسست صناعات ضخمة لعبت فيها الآلة دورها البارز، ولذا فأن الفلسفات الاوربية مهما كانت قريبة التعبير عن قضايانا فأننا لا يمكن بأي حال ان نأخذها جاهزة ومصدرة كوصفات طبية لا مجال للشك فيها، ان هذا في الحقيقة اماتة لحيوية الفلسفة ، وجعلها مجرد قناع لتلبيسه على الوجوه بالتالي يجد تصادما كبيرا مع تقدم الوضع ورويدا رويدا تبدأ تلك الشهادات الفلسفية بالعزلة والانزواء حيث تضعف اهميتها.

فجاءت عمليات التفكير لدى الناشئة مقلدة اكثر من كونها مبدعة مجددة، ان الترجمة وما تقدمه من عرض لكثير من الأفكار الفلسفية الغربية قد دفعت الشباب الى ان يشربوا بلا ارتواء من الفلسفات الغربية وتطبيقها بصورة جامدة او نصية وكأن الذين وضعوها من مفكرين هم انفسهم نحن، دون اخــــــذ اعتبار لطبيعة نفوسنا التي تختلف بطبقـــــــاتها الواعية واللاواعية الشعورية واللاشعـــورية عن طبيعة نفوس أولئك، علاوة على اختلاف الظروف البيئية من وجهة النظر الاقتصادية والاجتماعية وما يترتب عليها من اختلافات أخرى.

(بقية الكتاب على الموقع الالكتروني للجريدة)

 

 

 

 

 

فالقلق مثلا هو موضوع اكثر من نفسي، انه خط عام لكل الشباب في القرن العشرين، قلق وجودي حضاري يمثل المواجهة الصادقة بالتعرية الحقيقية امام الوجود، هذا القلق يعيش بين جوانح كل شاب، الشاب الباحث عن زاده وقوت عائلته، والشاب الباحث عن المعرفة والشاب الباحث عن المتعة، والشاب الذي ترهقه الإمكانات، فماذا عملنا ازاءه؟ الكتب جاهزة وموجودة ودعوات فلسفية تبين ان الانسان غريب عن مجتمعه وحتى عن ذاته، وأخرى تبين ان الحياة لا امل من ورائها فهي خدعة ذهبية، وأخرى تخلق لنا عالما مظلما كبيرا من اليأس والتشاؤم وهي تفسر وتحلل وتقدم لنا صورا عدة عن تعاستنا، فأذا نحن نجد فيها تطابقا تاما مع ما نعيشه، نتكلم عن الألم ونحن متألمون نتكلم عن الضياع ونحن ضائعون فكأنها كتبت لنا خصيصا، والنتيجة هذا الفراغ الفكري تملأه أفكار لا تثير الحماس من اجل المعرفة والابداع والموهبة، وكالأناء الذي تبحث فوهته عن وعاء يطابقها ويناسبها، وجاء هذا الوعاء فمسكت به دون روية او تفكير، وهكذا نحن التصقنا بتلك الأفكار الواردة والتصقت بنا دون أي تأن او تفسير، فتلك الأفكار جاءت في مجتمع حقق الضروريات لابنائه وبقوا يناقشون ما هو بعيد عن امورهم المعاشية، ولا ادري كيف لا يكون الخلاف واضحا بين اوربي يعيش في بيت جيد منظم له مرتب منظم ومطمئن الى حوائجه وحوائج بيته كلها ملك اليد، وبين شاب عربي لايزال فقيرا او جائعا او متشردا او يخضع لعبودية تزهق حريته؟ اما كان الأولى بنا ان نحقق ما حققوه من مجتمع اقتنائي مرفه وان تكون فلسفاتنا عاملة في المعركة ، معركة بناء الكيان العربي على الأسس العلمية المتطورة، وبعد ذلك لنا ان نقول ما نشاء ونفكر كما نريد؟ وكما جعلوا من قلقهم حافزا للنجاح وللدفعات التاريخية الناهضة، اما علينا ان نعمل على استئصال اسباب القلق، ونخلق الأجواء التي لا تغذي السآمة والضجر والعتعتة النفسية القاتلة؟ هذا هو الجدير بنا، ان نكون انشائيين عاملين وهادفين نسعى لتخليص انفسنا من كل روابط التأخير وعوامل الانهيار وبعد ذلك فلدينا الوقت كل الوقت لان نفكر كما نهوى دون شروط، اما الان فالشروط واجبة والالتزام واجب وفلسفتنا ينبغي ان تملك من القوة الروحية ما تساعدنا في تهديم العتيق والتخلص من الأنقاض لتشييد كيان جيد حر لا عبودية فيه ولا استغلال ولا جريمة، هذا هو المهم، في مرحلة البناء والترميم والتصميم علينا أولا خلق فلسفات من واقعنا بحيث تكون معبرة ومؤمنة ودافعة بحيث تملأ كل الفراغ الفكري الذي نعانيه وبحيث تمتد يد المعرفة والثقافة الى كل الافراد وتعشش في كل الاوساط، ومن ثم تبدو أهمية التدريس الجامعي الفلسفي، اذ ان تخصيص قسم كبير من هذه الدراسات للفلسفة انما يغذي الرغبات ويفتح الاذهان ويثير شوقا ملحا للقضايا الفلسفية، وفي الحقيقة ان التدريس الجامعي يعاني نواقص كثيرة حيث ان الدراسة الفلسفية تتم بالصور الكلاسيكية السكولاستيكية بعيدة عن التعايش والتلازم المتفاعل مع الواقع وخالية من النسغ الحي، فالفلسفة ليست مجرد حفظ عدد الفلسفات وماهية كل فلسفة وحياة كل فيلسوف بل ان الفلسفة هي سعي متواصل يستهدف خلق عقل يتجه اتجاها فكريا معللا ومنقبا عن كل حقيقة، ولذا فأن المواضيع الفلسفية المدروسة ينبغي ان لا تكون قديمة وبأسلوب جامد حيث يهتم بالسجع الكلامي اكثر مما يهتم بمادة الفلسفة، ان اللغة على اعتبار انها المعبر الرئيسي للافكار ينبغي ان تكون حية تتلمس العقل والعواطف وتنقل موضوعها بأمانة وتشويق، ومن ثم فأن طريقة التدريس البيروقراطية التي تجعل الدارس يشعر بكونه يعيش في واد عميق وصوت المدرس يصله كصدى من قمة جبلية هي طريقة فاشلة مملة تخلق الضجر والارتياب، ان المرونة والتدريس السلس العذب كل ذلك يخلق فصولا فلسفية رائعة تستأهل الترحيب والتقدير والاعجاب، ان تاريخ الفلسفة تاريخ طويل له جذور عميقة الغور وله تشعبات كثيرة وفروع متعددة لذا فطول النفس والمواصلة التدريسية هي الوحيدة لضمان ديمومة الاتجاه الفلسفي.

انني شخصيا قد لا اعلق كل الامال على التدريس الجامعي للفلسفة بل اعتبر ان طريق الفلسفة مفتوح للجميع، فشاب مثلا لديه رغبة فلسفية لا تحد يستطيع ان ينمي تلك الرغبة بالمطالعة والتنشئة التربوية الفلسفية، انه يبحث عن كل ما يستطيع بواسطته ان يضيف الى معلوماته معلومات جديدة أخرى والاهتمام اللا مدرسي بالفلسفة يكون رائعا جدا اذا كانت ترافقه خبرات شعورية وتجارب.

ان التجارب والخبرات المتولدة من خوض معترك الحياة ومن التذليل المستمر لمصاعب الأمور تعد زخما قويا يعطي للفلسفة قوة دافعة ثمينة. هذا وعندما قلنا باننا لا يجوز ان نأخذ الفلسفات الاوربية كما هي دون تمحيص او تطوير فليس معنى ذلك اننا نغلق ابوابنا امام التيارات الفلسفية الوافدة، ان هذا كفر لا يعدله كفر وجريمة بحق العلم والمعرفة ، ان العلم والفلسفة والمعرفة لا تعرف الفواصل والحدود ولكنها في نفس الوقت تترتب ضمن درجات متفاوتة توازي المراحل التطورية لكل بلد، ان اغراقنا بالفلسفات الغربية يعد اخلالا بحرمة الفكر وجلاله والمفروض ان نستفيد من تلك الفلسفات لكي نخلق بتزاوجها مع واقعنا وظروفنا وحسنا ومدركاتنا فلسفة واضحة المعالم تعطي لقضايانا بكل ابعادها اجوبة مقنعة فعالة.

ان (الورائية) ليست رجوعية فحسب وانما هي في بعض الاحيان اقتفاء مغمض لا مدروس لخطوات شخص يختلف عنا كل الاختلاف ولا اقصد في قولي هذا تعميق الفروق بين الانسان واخيه الانسان وانا اؤكد حقيقة لا مفر من توكيدها وهي كون الانسان الذي يعيش في مجتمع القنانة لا يمكن ان يفكر بافكار الانسان الذي يحلم ببسط نفوذه على كل المعمورة والارجاء. إنا نأخذ من كل مفكر او فيلسوف الجوانب المشرقة اللامعة من فلسفته وان المريض يختلف اختلافا بينا في سلوكه عن صحيح الجسم فبينما يهتم الاخير بلباسه ونزهاته نجد الاول يهتم اول ما يهتم بدائه ودوائه، وهكذا نهتم بدائنا لكي نعالج انفسنا ونلحق بالركب الحضاري المتطور ونخلق لنا كيانا خاصا له سماته الفكرية ومعالمه البارزة لقد ذهب ذلك الوقت الذي كانت فيه الفلسفة حكرا لنوابغ معينين او مقتصرة على مدارس معينة انما يجب ان تعيش الفلسفة في السوق تتغذى منها وتترعرع بين الانسان وبين الاوساط وفي كل الاحياء حتى نجعل منها سلما لضمائرنا ووجداناتنا ومعارفنا.

ان اهتمام الهيئات العلمية والفلسفية باصدار مطبوعات فلسفية جيدة باسلوب مرن جذاب والعمل على توسيع حلقات انتشار هذه المطبوعات هو الخطوة الاولى في تيسير الفلسفة وتبسيطها وجعلها من عالمنا الارضي وليست بمرئية من العلو والتسامي بحيث لا يستطيع العاديون ان يغامروا بتشكيل ابسط انواع الصلات والعلاقة معها.

قلنا ان المفروض اولا هو توكيد شخصيتنا العربية فكريا وجعل هذا التوكيد متسما بطابع الارادة والايمان الخلاق، وثانيا الاستفادة من الهرم الفكري الاوربي وملحقاته الفلسفية على ان لا تكون تلك الاستفادة مبالغا بها حيث نجعلها تطغى طغيانا تاما على افكارنا، وثالثا من التفاعل الحي بين ظروفنا وواقعنا وشخصيتنا وبين ما درسناه من افكار جيدة نستطيع ان نخلق الذات العليا لنا.

ان طريق المعرفة طويل ولا نهاية له، ولو اراد الانسان العربي ان يقطع هذا الطريق بأناة ومثابرة وايمان فعليه ان يقول ان ماليس علميا ولا اجتماعيا ليس عربيا ان هذا الشعار هو شعار كل فرد واع يريد ان يجعل للحقبة التاريخية معناها وشموخها، فلا نكون تقليديين مخرفين نخنق انفسنا بالفلسفات العربية القديمة بحيث نغلق اذاننا ونصمها عن كل ما هو غير عربي ولا نكون انسيابيين ضائعين في اللجج الفلسفية غير العربية، ان الطريق الفلسفي الوحيد الذي نختاره هو الطريق الذي يوجد بين هذين الاتجاهين ليقودنا نحو اهدافنا العظمى.

 

                                              هل للحيوانات فلسفة:

ان خيبة امل لا اود ان يملكني تأثيرها هي التي دفعتني الى هذا التساؤل الذاتي المغلق او خيبة الامل هذه في الحق مشروعة لا أُلام عليها. ان اشياء عديدة خلقت ذلك الخوف الذي يضطرب في احشائي، فالانسان الى الان وبعد ان سار اشواطا عديدة في سير المعرفة فهو لازال يؤمن بالقتل كوسيلة من وسائل تثبيت انتصاره على اخيه الانسان. ان قضية معلقة بين انسان وانسان تسير بالمجرى الصعب ولا تجعل وسيلة عنيفة وهمجية الا وسلكها الانسان حفظا لمآرب معينة، ففي الوقت الذي اصبحت فيه العدالة شعارا تتبناه اغلب الثورات وفي الوقت الذي انتشر فيه هذا المفهوم وسنت قوانين وعقوبات وانظمة لحماية العدالة ولاقرار الوجود الانساني في وضعه العادل فاني لازلت ارى غمط الحقوق يتم علنا وباساليب متباينة فالمجرمون العتاة دوليا يجدون لامن يلوذون بسده فحسب، بل من يجعلهم في المنزلة الاولى والمكانة العليا، وفي الوقت الذي نرتاح فيه لانفسنا قائلين بان من طلائع الخير ان كل التوجيهات والتوصيات تدعو الى نبذ السرقة واللصوصية، وفي الوقت الذي تتمسك فيه الهيئات الحاكمة في كل مكان بضرورة التخلص من السرقة نرى اللصوص منتشرين في كل مكان، والسرقات متعددة لا تتوقف. فعلام يدل هذا؟ ايدل على حقيقة مغايرة لما اصطلحنا عليه ويؤكد عدم صلاحية الانسان ام ان له مدلولا اخر؟ وهذه المجازر الوحشية التي تلتقم الحيوات البريئة، وذلك التمايز العنصري والطبقي والعرقي، الى اين يقود كل هذا انساننا اليوم وهل ضاعت وسائل الرشد والصلاح وبقي الانسان سادرا في غيه لايملك لانقاذ نفسه وسيلة او سبيلا؟ اليس من المعيب الفاضح ان يكون الانسان المتمكن من غزو الفضاء وتحطيم كل العقبات عاجزا عن اصلاح ذاته؟ انها خيبة امل وتلك الخيبة هي التي  جعلتني اعطف على هذه القطة ففي الوقت الذي كنت استهين بعزلة (ثورد) وباصوات البعض ودعواتهم بان الحيوان اخ للانسان في مملكة واحدة حيث الواحد يفهم الاخر،بدات الان اوجه الكثير من اهتمامي لدراسة سلوك وطبائع الحيوان الاليف لانه قريب الي اراقبه عن كثب واتابع تصرفاته وحركاته واشاراته وقطتي يا لها من قطة لعوب، انها اعتادت على ان تتناول وجبات طعامها معنا حسب الوقت الذي اعتدنا عليه، وقد رأيتها مرة في فترة الغداء كان الوقت قد مر وغداؤنا بعد لم يكتمل، جاءت القطة وبحثت دون طائل فنظرت مستغربة مستفهمة ولم نجبها فبعثت مواء غريبا ورايت في هذا المواء ادراكا واسعا يحوي تساؤلا مدهشا ورايتها مرة اخرى تعتني بزينتها وتلحس شعرها بلسانها لتجعل من مظهرها جميلا براقا لتتهيأ لمقابلة القط في فترة المساء ورايتها مرة كيف جاءت الي راكضة مرحبة بعد ان عدت من سفرة بعيدة ورايت الكثير والكثير من اشباه هذه التصرفات وكان ذلك دافعا جعلني اسال نفسي واطيل التفكير هل ان للقطة عقلا؟ ام ان هذه محض غريزة؟ ولم لا يكون العقل هو الغريزة او الغريزة هي العقل؟

 وكانت تلك البداية التي خلقت في نشوة استكناه افكار الحيوان ولاسيما الطيور ولقد راقبت الحمام والدجاج كثيرا، راقبتها وهي تاكل وتتجمع وتتعارك وتنتبه باستغراب لسماعها مقطوعة موسيقية واراقبها عندما تحس بخطر يلحق بها او عندما تمتد يد لتخطف طيرا منها، فهل ان للحيوانات فلسفة؟

 انها تلاحظ وتتامل وتجرب وتفكر وتعمل وهي تقلق وتشك وتحاذر وتتفهم والذي اريد ان اوضحه هو ان كل ذلك يبدر منها لا كما بمفهومنا بل بمفهومها، ان للحيوانات مفاهيمها، فالنمل هذا الصغير جدا والذي تشير كل الظروف الى ان قسوة الطبيعة والانسان من الممكن ان لا تجعل هذا الحيوان محافظا على حياته، ان نظرة بسيطة وتفكيرا بسيطا يوضح لنا ان النمل كان من اللازم ان ينقرض لانه يفتقر الى كل معاني البقاء، ولكنه لا يزال باقيا دون ان ينقرض فما معنى ذلك وعلام يدل؟ انه النظام الاجتماعي النملي المرتب، وتوزيع الاعمال واستغلال الطاقات والكفاءات موحدة منسقة لخدمة ذلك المجتمع الحيوي العجيب والغريب والذي يشبه الى حد بعيد الجماعات الانسانية في تقسيماتها وعملها ودأبها.

وطيور الخطاف والطيور الاخرى في عودتها السنوية الى اوكارها واعشاشها في موعد معين يعتمد على دفء الجو والنحل في صنعها العسل، والعناكب في هندستها وتصميمها شباكها ، والكلب في حراسته ووفائه ومعرفته العدو من الصديق، واشياء اخرى عديدة لا حصر لها تبين ان للحيوانات تفكيرا قد لا نفهمه بالضبط ما دمنا لم نقض وطرا من اعمارنا في التعمق بدراسة حياة هذه الحيوانات، كل ذلك يدفعني الى ان اتساءل لماذا لا تكون عند كل حيوان مشاعر وجدانية وفلسفة بدائية؟ الا يصح ان نستغل الحيوانات نفسها بالبحث في معرفة هذا الانسان المتعالي عليها وطباعه وخصاله وعاداته؟ الا يصح ان تكون لديها مقاييس معينة توصلت اليها بتفكيرها الحيواني؟ فاذا كانت للحيوانات مفاهيم فلسفية تتناسب مع طبيعتها افلا يثير هذا فينا سخطا شديدا على حيوانية بعض الفلسفات التي تتغذى من عالمنا الانساني؟ انه لمخز حقا وشنار لا يعد له شنار اننا لازلنا بهذه البدائية حيث ينعدم الضابط الانساني فيقتل احدنا الاخر وتدمر الجماعات بعضها بعضا متخذة في ذلك حججا وتبريرات هي في الحقيقة قناع تتستر به الروح البهيمية التي لازالت موروثة ومتأصلة فينا من الاصل الحيواني القديم.

 ان الحيوانات لا شك انها تحلم مثلما نحلم بمجتمعات تكفل لها الارتياح الذي ترغبه وتوسع التدجين يجد في الفة هذه الحيوانات اوضح صورة تعبر عن رغبة تلك الحيوانات وميلها للاجتماع والتقدم وهذا ما لا يختلف فيه اثنان، بينما نحن ويا للسخرية نحتاج الى من يدجننا والذي يدجن الحيوان اما كان الاجدر به ان يدجن نفسه ويروضها على السلوك الانساني الشريف! ان ذلك اضعه امام الابصار وما تساؤلي السابق (هل ان للحيوانات فلسفة) الا تحذير خطر الذواء في انسانيتنا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                    موضوعات فلسفية في يوميات عادية:

اليوم رأيت بام عيني موت رجل وكم فظيعا ان ارى ذلك وكم هي فظيعة تلك المشاعر التي انتابتني، لا لم اتقزز ولو انني اكره كل ميت، لا اود ان انظر في وجهه يكفيني ما نلته من الالام من الاحياء فما بالك بالموتى؟ ان هذا الرجل غني جدا لديه املاك واسعة واطيان واراضي، ولكن الشائع المعروف عنه انه بخيل جدا اذا قبضت كفه على درهم فان اية قوة تعجز عن اخراج ذلك الدرهم، بخل عجيب جدا، فهو لم يلبس الا تلك السترة العتيقة التي اجهل حياكتها اهي من الصوف او القطن او المطاط؟ لا ادري. وملابسه لم تتغير ابدا فزيه ملازم له ملازمة العمامة للرجل المؤمن واولاده حقا يعيشون في جو مفجع فهم دائما ينظرون بتحسر وحسد الى الاطفال الاخرين فابوهم لم يعودهم على شيء ولم يمنحهم قطعة نقد ولو صغيرة يوما انه لم ينظر اليهم اطلاقا، قضى حياته يكدس النقود واستمر يكدس ويكدس ولديه ان الداخلات احسن الوسائل للاثراء الفاحش، والضمائر والمكرمات والطيبة والعطف كلها لديه اضحوكة، ووجهه متكلس لا تتحرك فيه نأمة ولا تختلج فيه عضلة اللهم الا اذا سقط منه درهم وهذا لا يحدث الا نادرا جدا كندرة المطر في ايام القيظ، واليوم ومع الفجر مات هذا الرجل، ولم يخرج لحضور غسل جثته الا انفار قليلون وانا مع كرهي البالغ للجثث والموتى، ولا اخفي ذلك فأنني اتصرف بدافع يستولي علي ويدفعني الى ضرورة رؤية وجه هذا الرجل الميت، وفعلا رأيته ولم ادر كيف اصفه ولكن المهم ان شيئا واضحا وجليا يبدو على وجهه الا وهو حسرته على نقوده واهتمامه البالغ بمصيرها من بعده، ان هذا التعبير رايته وليس معنى ذلك انني اردت ان اخلع على وجهه هذا الشكل التعبيري، انما كان موجودا فعلا وابتعدت عن الجنازة وشيئا يضغط على اعماقي، كم هو ضئيل هذا الرجل! ضئيل في مشاعره وفي اخلاقه وفي حياته وفي مماته هذا الموت لو جعلناه حكما في اعمالنا وقاضيا علينا بشرط ان لا نخاف منه أما كانت كل مشاكل الانسان تزول دون ان يبقى ثمة عامل منغص؟ وابتعدت وفي زاوية من شارع جانبي رأيت احد اولاد هذا البخيل المتوفى، ملابسه ممزقة ووجهه شاحب وهو يبكي ونظرت اليه وواصلت السير.

يا للحلم العجيب انا في طائرة وهذه الطائرة تتقلب في الاعالي العواصف موارة صاخبة والزئير بضجيجه المرتفع والجو مدلهم ومع ذلك انا ابتسم بمرح صبياني وعبث ومعي شلة من الاصدقاء وهبطنا بعد حين من الطائرة ونزلنا في مدينة جبلية  جميلة رائعة بمبانيها واشجارها وطرقاتها وسرنا فيها وراينا كل شيء فاتنا ساحرا جذابا مشرقا وتكلمت مع  هذا الشيخ بائع الفواكه ومع تلك المراة بائعة الاواني وقبلت طفلا وداعبت طفلة ذات شعر ذهبي متموج وكان السرور والحبور يملا قلبي والبهجة تنقلني الى افاق لازوردية بديعة وانقطع فجأة هذا الحلم فقد ايقظني اخي واستيقظت دون ان اغادر سريري فانا منوم تحت تأثير الحلم الساحر استعيد حلقاته وسفرتي وتجوالي وابتساماتي اذن كلها وهم ضائع، وانا ليس امامي الا ذلك السرير الخشبي الاعرج وذلك القدر القديم وحذائي ابن سبع سنوات، واغلقت عيني وفتحتهما مجددا بنصف اغلاقة ودار في رأسي تشاؤم غريب وقلق وانهيار، وتساؤل محير مربك لما لا نكون غير موجودين؟ البارحة عشت مع اشخاص وتكلمت معهم وضحكت معهم وتنقلت معهم، ومع ذلك فهم ليسوا موجودين ونحن من يقول اننا موجودون؟ الا يجوز ان نكون اشخاصا في حلم كائن ما؟ الا يجوز ان تكون تصرفاتنا واعمالنا وكل مظاهر وجودنا مواد في حلم مخلوق لا نعرفه ولا نعلمه؟ الاشخاص الذين رأيتهم البارحة بلحم ودم لا وجود لهم بل هم مواد في حلمي، فلم لا نكون انا وسواي مواد في حلم حي اخر؟ وفتحت عيني من جديد ولم انظر لجدران الغرفة ولا الى السرير ولا الى اخي الصغير الكل لا وجود لهم، الكل سراب والكل وهم الكل خداع الكل صور مجرد صور باهتة لا لون لها، وحياتي هكذا بائسة مؤلمة سوداء لا شيء يعطيها المعنى ولا شيء يمنحها الاخصاب والامتلاء، ومع قسوة مشاعري بفقدان ابسط معاني السعادة نهضت من سريري بتكاسل واعياء واغتسلت دون ان اشعر وتناولت فطوري ببلادة وغباء وعيناي تحدقان الى شيء مجهول مجهول جدا يناديني من اعماق مجهولة لا قرار لها احقا اننا حلم ووهم؟!

حادثة اخرى : هذا الشخص متجبر تشيع الكبرياء والغطرسة من كل جوانبه وانه يسخر من الاخرين ويستهزئ بهم وحتى يأنف من السلام عليهم او مكالمتهم ولقد وجدت الجمع يشتكون منه ويبغضونه بغضا لا يوصف انهم يقولون انه مجرم لا روح لديه ولا ضمير فهو لم يساعد احدا ولم يعطف على احد ولم يتعاون مع احد ولم يعرف اسم المعروف ولا الخير ولا كل مظاهر الطيبة الانسانية ومن كثرة كلام الناس حوله وضده كونت رأيا بان هذا الشخص لومشى في السوق لقطعته ايدي الناس ومزقته شر تمزيق بلا شفقه  لان الكره بلغ اخر الدرجات وهو لم يكتف بكبريائه المملؤة باحتقار الاخرين وكان شريرا مفسدا يسخر بعاداتهم وبتقاليدهم وبامورهم المعاشية وبعالمهم ولا يقيم لهم وزنا ولا اعتبارا وقلت في سري ساعد الله الناس في احتمال هذا الرجل وهم يكنون له هذا الحقد الدفين.

لكن العجب العجاب هو ما رايته اليوم لقد مر هذا الشخص امام المقهى ولم يسلم على الجالسين لكنما الجميع نهضوا له محيين متملقين وكانت دهشة لا توازيها دهشة ولكنما لا باس ربما هذا التباس لا غير ومرة اخرى مر على مكان اخر والجميع يتبارون في السلام عليه احقا هكذا يئدُ المجتمع المفاهيم ؟ وهل اذن يصح لقب رعاع على اولئك الناس؟ وهل ان القوة والعنف والاحتقار والشدة هي التي تنفع في توجيه الناس وسياستهم؟ لقد خالطني شك كبير في نجاح الافكار الانسانية والمفاهيم والمثل في مجتمع كهذا ولقد اعطيت مبررات لأولئك الطغاة الذين اذلوا الانسانية انني احتقرهم لكنما وجدت لهم معاذير في العقول المتاخرة التي تحترم البط

عدد المشـاهدات 736   تاريخ الإضافـة 14/05/2019   رقم المحتوى 29017
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الإثنين 2019/6/24   توقيـت بغداد
تابعنا على