00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
   (كلام الناس) لا بيقدم ولايأخر

مقالات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

شهق الناس

 (كلام الناس) لا بيقدم ولايأخر

 ياس خضير البياتي

للناس امنيات واحلام وحاجات، بدأت منذ التاريخ الأول للبشرية، وتكونت من ارهاصات الحياة والبيئة والطبيعة البشرية وصراعاتها، ربما هي تمثل جدلية الحياة ومساراتها الإنسانية، وحكمة ابدية في سر الوجود، هي مختصر لفعل السلوك، ومكنونات النفس ورغباتها وانفعالاتها. لذلك فأن جمال الحياة ومتعتها هي البحث عن الامل حتى ولو كان غائبا في احزان الناس واعماقهم: ان نكون او لا نكون، هذا هو البحث النهائي عن قيمة وجودنا وانسانينا، مهما اختلف الزمان والمكان.

وهكذا هي قصة فلسفة الحياة والبقاء. لو تأملنا عالم اليوم، وهو عالم مليء بالتناقضات والاضداد، فقره وغنائه، حزنه وسعادته، وعدالته وظلمه، افراحه واحزانه، لشاب راسك مما تراه في الواقع، ولأصبت بكل أنواع الامراض المزمنة، ولن تنجو من عذاب وحزن الواقع الا ان تصاب بالزهايمر لتستريح من عذاب ما يجري للبشر من جوع وفقر وقتل وظلم، لأن الناس في هذا العالم الغريب هو مجرد عدد، مات ولد وجاء ولد!

(كلام الناس) في الفضائية الشرقية الذي يقدمه الإعلامي الشاب الطموح علي الخالدي، يلخص لك فلسفة الألم الإنساني عمليا، يفوق ما تقرأه في كتاب ونظرية، ربما يقدم سيلاً جارفاً من التساؤلات علينا جميعاً، كما على الحالات المتعلقة بالفقر والبطالة والعوز والانكسار الإنساني وعلاقات البشر، والأوهام التي زرعت في داخلنا ونحن نتعامل مع آلامنا وانتكاساتنا، ومهما حاولنا التخفي أو إخفاء الألم والمتعة والضعف لكنه يبقى في الوقت نفسه أحد أكبر مسببات شعورنا بالألم! ابطال البرنامج عراقيون، لأرجح أنهم دخلوا مرحلة التنكيل كالشاة، لم يعد يؤلمهم السلخ بعد الذبح في اللحظة التي ودعوا بها أثمن ما منح لهم الله من كرامات وامل، فهل يضير الشاة سلخها بعد الذبح؟

فقد استأصلت منهم امتيازهم البشري، ولم يعد لديهم شيء يخافون منه، ولم تعد المأثورات تعنيهم تلك التي تقول (الزاد اشرفه القليل) و (تجوع الحرة ولأتأكل بثدييها)، فالواقع لديهم رغيف ولاشئ آخر، حتى جعل بعضهم ينتفض امام الجمهور (خسئت الحرية إذا لم تعطني خبزا)، وآخر يصرخ امام الكاميرا موجها كلامه للطبقة الحاكمة (كلكم مو شرفاء)، وهو اختصار لرؤية عراقي لم يعد لديه بقية من حلم ورجاء بأن المستقبل سيفتح له ابوابه ، ولم يعد شريكا في صياغة مصيره بل مجرد متفرج على ما يجري له من حفلات تعذيب قد تكون اشد تنكيلا وتوحشا من تعذيب المسيو دميان كما وصفه ميشل فوكو ، لكنه اقسى ما يحسه ويراه هو اكتشافه للواقع ان العالم من حوله يتقدم في كل شيء وهو لا يتقدم الا في العمر حيث تنتظره شيخوخة بالغة الوحشة والقسوة لأنه يعيش في مجتمعات يصدق عليها قول الشاعر: أنى لأفتح عيني حين افتحها ولكن لا ارى أحدا. وإذا ما أجرينا تحليلا لمضمون كلام الناس، وما يحلمون به، وما يريدونه من متطلبات بسيطة للعيش بكرامة، لرأينا كم تراجع الامل لصالح اليأس، والإنسانية لصالح العبودية، والكرامة لصالح الذل، فنحن نعيش الان حقا مرحلة من الظلم والتعسف والاستغراق في الشجون الخاصة التي لابد ان تؤدي الى الشعور بالقهر والاغتراب والانتماء القسري وفقدان العزة والكرامة، وهذا هو حال كلام الناس في (كلام الناس): دندنات جراح، وأنين كلمات، وشكوى حزينة، وجوع ينهك فقراء بلادي، ودموع نساء فقدن اعز الأبناء ،وشيوخ يأنون من ضيق الراتب والحال ،وشباب يحلم بالوظيفة التي أصبحت حلما ،وأطفال تقتل براءتهم في المزابل ومحلات السمكرة ،كأنهم يعيشون في أفقر البلدان، وليس في بلاد تغرق بالنفط والانهار والنخيل .

واني لأحزن، ما يعانيه الشاب الخالدي وهو يلتقي جموع الناس الذين يحملون أطنان من العذابات والاحزان والمآسي، لأن مشاهد الناس تدمي القلوب قبل العيون، ومثلما تنهمر الدموع كالكريستال من مقلتيه في كل حلقة، فأنني أحيانا أجهش بالبكاء من ويلات ما اراه وما اسمعه، ويمنعني من الاستمرار في مشاهدة البرنامج ، لأنني اعرف انني سأصاب بجلطة حقيقية، وهي جلطة لا تتعلق مباشرة بأحوال الناس وشكواهم، فقد اعتدنا عليها طيلة السنوات الماضية، لكنني أحزن على عراقيتي، كيف يتم اذلالها ونحرها من الوريد الى الوريد ،وجعلها ثقافة مريضة في ذروة التوحش والنذالة ،وكأنهم يريدون صياغة جديدة لعراقية تسلخ منها الشهامة والكبرياء ، ليجعلوا العراقي عبدا لاحول ولا قوة له في مواجهة الظلم ولصوصية السلطة . (كلام الناس)، برنامج يدمي القلب والعين والفؤاد، ويشعل الغم والالم، لكنه مثير في حواراته وصوره الإنسانية يكشف لنا ميدانيا صورة لعراق مزقه الساقطون من النخب السياسية، ودولة فاشلة تفتخر بإنجازات نصف كيلو عدس!، ومشاهد حسينية حزينة لشعب أفقر واذل وامتهنت كرامته، ووطن صار من الماضي، وجعلوه في اخر الأوطان معيشة وفقرا وتعليما. هو أيضا صرخة مدوية وعنيفة، يختصر لنا البرنامج ما حل بأهل العراق من نكبات، وما يفجعهم ويدمي قلوبهم، لنكتشف في آخر (كلام الناس) ان سوس العمالة والفساد والبطالة قد نخرت بالوطن، فلا نجد اليوم فيه الا المتقاعدون والحمالون وأصحاب الستوتة وسواق التكسي وشباب البسطات، وأطفال المزابل، وجيش من المتسولين ينتشرون في الشوارع والحارات، بعد ان كان وطنا ينجب العلماء والادباء والفنانين.اخزاكم الله دنيا وآخرة، فما رأى العالم مثلكم ولاسمع!

عدد المشـاهدات 442   تاريخ الإضافـة 13/05/2019   رقم المحتوى 28988
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الخميس 2019/6/27   توقيـت بغداد
تابعنا على