00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  المرأة في حياة سلطان العارفين أبن عربي

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

متصوف يصف البنت العذراء والطفلة الهيفاء

المرأة في حياة سلطان العارفين إبن عربي

ناصر محسن المعاضيدي

 

هو محيي الدين محمد بن علي بن عربي الحاتمي الطائي الاندلسي احد اشهر المتصوفين لقبه اتباعه وغيرهم من الصوفية (بالشيخ الاكبر) ولذا ينسب اليه الطريقة الاكبرية الصوفية. ولد في مربية في الاندلس عام 560? ،وتزوج بفتاة تعتبر مثالا في الكمال الروحي والجمال الظاهري وحسن الخلق،فساهمت معه في تصفية حياته الروحية،بل كانت احد دوافعه الى الامعان فيها وفي هذه الاثناء كان يتردد على احدى المدارس في الاندلس التي تعلم سرآ مذهب الامبيذ وقلية المحدثة المفعمة بالرموز والتأويلات والموروثة عن الفيثاغورية والاورفيوسية والفطرية الهندية،وكان اشهر اساتذة تلك المدرسة في ذلك القرن ابن العريف. محيي الدين هو أعلم الرجال التصوف،ولهذا هو أرحبهم أفقآ،وأوسطهم طريقة،ومن هنا جاءت آراؤه معتدلة محكمة،أعطت مال لله لله،ولم تنس الحياة،فلم يعش داخل الكهوف والمغارات،ولم يعتزل الناس والدنيا،بل كان جليس الملوك القائم ببعض أعباء حكمهم،المساهم في أحداث الوجود،الطواف بالأرض،هاديآ ومرشدآ ومعلمآ. ومن ثم جاءت نظرته الى المرأة واكباره،بل وحبه لها،الحب الحلال الشريف،الحب الديني المأثور في الكتاب والسنة. وحب النساء عنده ميراث نبوي،وحب الهي ،فقد قال الرسول - صلوات الله عليه: "وحبب الي من دنياكم ثلاث: الطيب ،والنساء ،وقرة عيني في الصلاة " فلم ينسب حبه فيهن الا الى الله - سبحانه،ولهذا قال: " حبب". وكمال العارفين في هذه المحبة ،فلا يجوز الاعراض عنهن زاهدآ ،لأنه لا يحبب الى الرسول - صلوات الله عليه - ما يبعده من ربه ،بل حبب اليه ما يقربه منه،ولهذا يؤجر الرجال على صلاته بامرأته. فحبهن فريضه واقتداء بالرسول،وحنين الرجل الى المرأة فطرة في النفس،فهو حنين الكل الى الجزء،وما جاء الاسلام ليحارب الفطرة او يقف في وجهها،فالدين هو الفطرة التي فطر الله - سبحانه - الناس عليها. ولا يستقيم المزاج اذا تعار ضمع الفطرة،وفي صلاح المزاج صلاح الدين،وفي صلاح الدين السعادة،بشرط خضوع الانسان للميزان الالهي الذي أتى به الشارع صلوات الله عليه. 

نععومة امرأة

وفي حياة محيي الدين ثلاث نساء،أولاهن: عابدة زاهدة،عرفها بإشبيلية في مطلع شبابه،فكانت له أمآ روحية،يحدثنا عنها في الفتوحات فيقول: وخدمت أنا بنفسي امرأة من المخبآت العارفات بإشبيلية،يقال لها: فاطمة بنت المثنى القرطبي،خدمتها سنين،وهي تزيد وقت خدمتي اياها على خمس وتسعين سنة،وكنت أستحي أن أنظر الى وجهها في هذا السن من حمرة خديها،وحسن نعمتها وجمالها،تحسبها بنت أربع عشرة سنة من نعومتها ولطافتها. وكان لها حال مع الله،وكانت تؤثرني على كل من يخدمها من أمثالي. وتقول: ما رأيت مثـــــــل فلان،اذا دخل علي دخل بكله لا يترك منه خارجآ عني شيئآ،واذا خرج من عندي خرج بكله لا يترك عندي منه شيئآ.

وسمعتها تقول: عجبت لمن يقول: انه يحب الله ولا يفرح به،وهو مشهود،عينه اليه ناظرة في كل عين،ولا يغيب عنه طرفة عين،فهؤلاء البكاءون كيف يدعون محبته ويبكون،أما يستحون؟

اذا كان قربه مضاعفآ من قرب المتقربين اليه،والمحب أعظم الناس قربة اليه فهو مشهوده،فعلى من يبكي؟ ان هذه لأعجوبة. ثم تقول لي: يا ولدي،ما تقول فيما أقول؟ فأقول لها: يا أمي،القول قولك. قالت: اني والله لمتعجبة،لقد أعطاني حبيبي فاتحة الكتاب تخدمني،فولله ما شغلتني عنه. فمن ذلك اليوم عرفت مقام هذه المرأة لما قالت: ان فاتحة الكتاب تخدمها،فبينما نحن قعود اذ دخلت امرأة،فقالت لي: يا أخي،ان زوجي في شريش وأريده،فماذا ترى؟ قلت لها: وتريدين أن يصل؟

قالت: نعم. فرددت وجهي الى العجوز،وقلت لها: يا أم،ألا تسمعين ما تقول هذه المرأة؟

قالت: وما تريد يا ولدي؟ قلت: قضاء حاجتها في هذا الوقت. فقالت: السمع والطاعة،اني أبعث اليه بفاتحة الكتاب وأوصيها أن تجيء به.

وأنشأت فاتحة الكتاب تقرأها وقرأت معها، فعلمت مقامها عند قراءتها الفاتحة،وذلك أنها تنشيها بقراءتها صورة مجسدة هوائية،هي سر من أسرار عطايا القرآن،فلما أنشأتها صورة سمعتها تقول لها: يا فاتحة الكتاب،أطلب كذا.

 فلم يلبث حتى وصل الى أهله. وكانت تضرب بالدف وتفرح،فكنت أقول لها في لك،فتقول لي: والله،اني أفرح،حيث اعتنى بي وجعلني من أوليائه واصطفاني لنفسه،من أنا حتى يختارني على أبناء جنسي،وعزة ربي،انه يغار علي غيرة ما أصعبها!

ما التفت الى شيء باعتمادي عليه عن عالة الا أصابني ببلاء في ذلك الذي التفت اليه،ثم أرتني عجائب من ذلك،فما زلت أخدمها بنفسي،وبنيت لها بيتآ من قصب بيدي على قدر قامتها،فما زالت فيه حتى درجت،وكانت تقول لي: أنا أمك الالهية،ونور أمك الترابية،واذا جاءت والدتي الى زيارتها تقول لها: يا نور،هذا ولدي فبريه ولا تعقيه والثانية تعرف بها في مكة،فحادثته في المحبة الالهية وحاورته،واتصل بينهما حبل المودة الخالصة،فرأى عندها من لطائف المعارف ما لا يصفه واصف،يصورها كنت أطوف ذات ليلة بالبيت،فطاب (( : لنا في شرح ترجمان الأشواق تصويرآ رائعآ وقتي،وهزني حال كنت أعرفه،فخرجت من البلاط من أجل الناس،وطفت على الرمل،فحضرتني أبيات،فأنشدتها أسمع بها نفسي ومن يليني،لو كان هناك أحد.

فلم أشعر الا بضربة بين كتفي ألين من الخز،فالتفت فاذا بجارية من بنات الروم.لم أر أحسن وجها ولا أعذب منطقآ ولا أرق حاشية،ولا أطيب معنى ولا أدق ارادة ولا أظرف محاورة منها،قد فاقت أهل زمانها ظرفآ وأدبآ وجمالآ ومعرفة،فقالت: يا سيدي كيف قلت؟

قلت:فقالت: عجبآ منك وأنت عارف زمانك تقول مثل هذا؟

 أليس كل مملوك معروف،وهل يصح الملك الا بعد المعرفة،وتمني الشعور يؤذن بعدمها،والطريق لسان صدق،فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا؟

قل يا سيدي،فماذا قلت؟ فقلت:

فقالت: يا سيدي،الشعب الذي بين الشغاف والفؤاد،هو المانع له من المعرفة،فكيف يتمنى مثلك ما لا يمكن الوصول اليه الا بعد المعرفة،والطريق لسان صدق،فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا يا سيدي؟ فماذا قلت بعده؟

تخدير الحواس

فقلت: فصاحت وقالت: يا عجبآ! كيف يبقى للمشغوف فضلة يحار بها،والهوى شأنه التعميم،يخدر الحواس،ويذهب العقول ويدهشا لخواطر،ويذهب بصاحبه في الذاهبين،فأين الحيرة؟ وما ها هنا باقٍ فيحار،والطريق لسان صدق،والتجوز من مثلك غير لائق.

فقلت: يا بنت الخالة،ما اسمك؟ فقالت: قرة العين. فقلت: لي. ثم سلمت وانصرفت،ثم عرفتها بعد ذلك وعاشرتها،فرأيت عندها من لطائف المعارف ما لا يصف واصف والثالثة: التقى بها في مكة أيضآ،طفلة عذراء هيفاء،من أهل العلم،وله فيها أشعار وتكنيهات رائقة رائعة.يذكر لنا في شرح ترجمان الأشواق،كيف اتصل حبله برجل فاضل من أهل العلم والكمال،ثم يقول متحدثآ بقلمه الساحر كان لهذا الشيخ – رضي الله عنه – بنت عذراء،طفلة هيفاء،تقيد النظر،وتزين المحاضر،وتحير المناظر،تسمى بالنظام،وتلقب بعين الشمس والبهاء،من العابدات العالمات السابحات الزاهدات،شيخة الحرمين،وزينة البلد الأمين الأعظم بلامين،ساحرة الطرف،عراقية الظرف،ان أسهبت أتعبت،وان أوجزت أعجزت،وان أفصحت أوضحت،ان نطقت خرس قس بن ساعدة،وان كرمت خنس معن بن زائدة،وان وفت قصر السموأل خطاه،وأغري بظهر الغرور فامتطاه،ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض،السيئة الأغراض لأخذت في شرح ما أودع الله في خلقها من الحسن،وفي خلقها الذي هو روضة المزن،شمس بين العلماء،بستان بين الأدباء،حقة مختومة،واسطة عقد منظومة،يتيمة دهرها،كريمة عصرها،سابغة الكرم،عالية الهمم سيدة والديها،شريفة باديها،مسكنها جياد،وبيتها من العين السواد،ومن الصدر الفؤاد،أشرقت بها تهامة،وفتح الروض لمجاورتها أكمامه،فنمت أعراف المعارف،بما تحمله من الرقائق واللطائف،علمها عملها،عليها مسحة ملك،وهمة ملك،فراعينا في صحبتها كريم ذاتها،مع ما انضاف الى ذلك من صحبة العمة والوالد،فقلدناها من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد،بلسان النسيب الرائق،وعبارات الغزل اللائق،ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس،ويثير الأنس من كريم ودها وقديم عهدها،ولطافة معناها وطهارة مغناها،اذ هي السؤل والمأمول،والعذراء البتول،فأعربت عن نفس تواقة،ونبهت على ما عندنا من العلاقـــــــة،اهتمامآ بالأمر القديم،وايـــــــثارآ لمجلسها الكريم،فكل اسم أذكره في هذا الجزء،فــــــــعنها أكني،وكل دار أندبها فدارها أعني تلك هي العذراء الهيفاء التي أوحت الى محيي الدين أشـــــــعاره في ديوانه ترجمان الأشواق،وتلـــــــك هي العذراء التي أحبها محيي الدين وبنى بها،وكان له منها الولد والأثر.

عدد المشـاهدات 159   تاريخ الإضافـة 08/05/2019   رقم المحتوى 28864
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأحد 2019/5/19   توقيـت بغداد
تابعنا على