00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  تولستوي والاسلام

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

تولستوي والاسلام

ناصر محسن المعاضيدي

كانت أفكار تولستوي تحث على الفضيلة ومكارم الأخلاق والتسامح، وقد اتجه الى قراءة الاسلام قراءة متعمقة استشف فيها الروح التي يبحث عنها والاجابة عن سؤال طرحه طويلا، عن الخلاص الروحي وعن اصلاح الروح وتهذيبها، فكانت بعض قصصه تشير الى هذه القيم الروحية التي اكتسبها من وحي قراءة حقيقية لسيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ومعايشته مع جيرانه وعمال مزرعته هم من الفلاحين الذين كان أغلبهم من الفلاحين المسلمين. جاءت بعض قصصه تحمل طابعا عربيا، واسماء عربية تمثل احداثا تعبر عن فكره وتأثره بالإسلام وآداب المشرق، كما في قصته الطويلة (( الحاج مراد)) التي صدرت ترجمتها اخيرا للكاتب المترجم هفال يوسف، وقد كتبها تولستوي عام 1904. في بداية هذه القصة نجد وصفا بديعا لقرية (محكت) الشيشانية القابعة وسط الحقول الجبلية، ويصف تولستوي مشهد وصول الحاج مراد الى هذه القرية وصوت الاذان مصاحبا لوصوله، في اشارة الى تأثره بهذه الطبيعة وتلك الشعائر. نجد في القصة ايضا ألفاظا مثل القاء السلام ورد السلام، في الحوار الذي جمع بين الحاج مراد وشيخ القرية، وكلها دلالة تشير الى ايمان تولستوي وتأثره بهذه البيئة التي عاشها في أواخر حياته.

أسير القفقاس

وفي قصة (( أسير القفقاس))، وهي احدى قصصه المختارة الصادرة اخيرا، التي جمع بعضها الكاتب والمترجم غائب طعمة فرمان، يشير تولستوي في بدايتها الى انها قصة من وحي الحقيقة تصور حياة ضباط في جبال القفقاس. وتشكل احداث القصة تأثره الواضح بتلك المعايشة والتقارب عبر أبطال القصة وطريقة الحوار والأمثلة العربية التي جاء بها على لسان ابطال القصة، وحوار بطل القصة جيلين ورؤيته لهذا العجوز الذي كان محافظا دائما على الصلاة، ويصف تولستوي مشهده بقوله: (( كان جيلين لا يراه الا حين يأتي ليصلي في المسجد))، وعلى النحو صاغ تولستوي القصة بطابع نرى فيه بوضوح ايمان الكاتب بقيم الاسلام. وقد أدرك تولستوي هذه القيم وآمن بها، ورأى في النبي الكريم صلى الله وعليه وسلم اكتمال عقد الانبياء الذين اختارهم الله تعالى لنشر السلام على هذه الارض. وقال عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم انه (( لم يقل انه نبي الله الوحيد، بل اعتقد ايضا بنبوة موسى وعيسى المسيح، وقال ان اليهود والنصارى لا يكرهون على ترك دينهم، بل يجب عليهم ان يتمموا وصايا أنبيائهم)). ويذكر كيف تحمل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الأذى من قومه في سبيل التخلي عن دعوته، فازداد صبرا وعزيمة حتى أتم تبليغ الرسالة. ويقول (( في دعوة محمد الأولى احتمالآ كثيرا من اضطهاد أصحاب الديانات القديمة، شأن كل نبي قبله نادى أمته الى الحق، ولكن هذه الاضطهادات لم تثن عزمه، بل ثابر على دعوة أمته)).

حديثه عن النبي والصحابة

يذكر تولستوي جانبا من نشأة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ومولده في عام 570، من أبوين فقيرين، وكان في حداثة عهده راعيا، مشيرا الى انه صلى الله عليه وسلم مال منذ صباه الى الخلوة والامكنة الخالية بغار حراء في الأعالي، بعيدا عن جبال مكة، وعما يدور من احداث فيها، وهناك كان يتأمل الوجود وينظر في خلق السماوات والارض. وفي وصفه لحال الصحابة الأوائل الذين آمنوا بالرسالة في بداية اشراقها وتحملوا مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كل أذى في سبيل نشر الدعوة والذود عنها، هؤلاء الاصفياء الذين اختارهم الله تعالى ليكونوا عونا وسندا لرسوله الكريم، تحدث تولستوي عن تواضعهم وزهدهم وتخليهم عن كل مباهج العيش والترف وحبهم للعمل والايثار ومساعدة الفقراء والمحتاجين، هذه القيم التي عاش تولستوي من اجلها وتمثلها في اخر ايام حياته. يقول تولستوي: (( امتاز المؤمنون بتواضعهم وزهدهم في الدنيا وحب العمل والقناعة، وبذلوا جهدهم لمساعدة اخوانهم في الايمان لدى حلول المصائب عليهم، ولم يمض زمن طويل حتى أصبح الناس المحيطون بهم يحترمونهم احتراما عظيما ويعظمون قدرهم)).

تأمل ورحيل

هكذا تأثر تولستوي بالإسلام وبالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ومثلت قيمه ومبادئه روح حقيقية طافت بهذا الفيلسوف في عالم من الروحانية، وانعكست بالتالي على صوغ أفكاره وأدبه. في آخر عشرة أيام من حياة تولستوي، أخذه التأمل الى حقيقة الوجود، وبعد تأثره بالإسلام وبحياة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وتمثل ذلك في بعده – كما ذكرنا- عن حياة الترف والمتع، وهروبه من كل هذه المغريات، وعيشه ما تبقى من عمره ملازما لحياة الفلاحين في زهد وتأمل وصفاء روحي في تلك البلدة الجميلة التي تكسوها الخضر، تأخذه المشاهدة وجواره للمسلمين الى اعتناق حقيقي لقيم الخير والسماحة والدعوة اليها، تلك القيم التي دعا اليها الاسلام، وقد أخذ يبحث عن طريق يصله بالله تعالى، فوجد غايته في الاسلام، وعاش مؤمنا يحسن الى الفقراء ويعيش في تأمل وزهد حتى وفاته. توفي تولستوي في العشرين من نوفمبر عام 1910، عن 82 عاما، اثر اصابته بالتهاب رئوي حاد أصيب به في الطريق، ودفن في حديقة ضيعة ياسنايا باليانا، بعد أن رفض الكهنة دفنه وفق الطقوس الأرثودكسية. ويبدو ان حياة تولستوي الأخيرة كانت بعيدة كل البعد عن قيم الكنيسة ومعتقدها، هذا الامر هو ما دفعها الى رفض اعتباره مسيحيا، الامر الذي جعل البعض يظن أنه اعتنق الاسلام بالفعل في آخر أيامه، حسب رأي مترجمة معاني القرآن الكريم الى الروسية، الأديبة فاليريا بروخافا، حيث تقول: (( ان تولستوي أسلم في أواخر حياته، بعد دراسته الاسلام وأوصى بأن يدفن كمسلم، وقد أستدلت على قولها بأنه يلاحظ عدم وجود اشارة الصليب على شاهد قبره، كما في العرف والمعتقد المسيحي)). هكذا كانت حياة تولستوي في أخريات عمره، بحثا عن الحقيقة وهروبا بالروح الى آفاق فسيحة، وقد صاغ أدبه متأثرا بقراءاته عن الاسلام وعن سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فكان مثالا لرسالة الاديب الباحث عن السمو والصفاء الروحي وعن حب الانسانية وحريتها.

عدد المشـاهدات 279   تاريخ الإضافـة 07/05/2019   رقم المحتوى 28812
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأحد 2019/11/17   توقيـت بغداد
تابعنا على