00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  سيول نيسان

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

قصة قصيرة

سيول نيسان

ايناس البدران

الكذب عادة سيئة لذا اخترنا يوما واحدا يتيما في العام كله لنمارس فيه .. الصدق ، بلا خوف او خجل ودونما احساس بذنب، يوم واحد من باب التنفيس كهدنة نلتقط فيها انفاسنا من شدة حبال الكذب وفرصة ذهبية لمعرفة رد فعل الآخر مثل بالون اختبار نستشعر من خلاله نبض احاسيسه واستجابته حين نقرأ تقاطيع وجهه لحظة انحسار القناع ! . حينها نستمتع بتأمل حيرته وذهوله وسرعان ما ننهيهما بعبارة مرحة ممطوطة :

- انها كذبة نيسان

ادركت متأخرا ان التغيير ليس خيارا وانه نتاج حتمي لتفاعل سلبي او ايجابي هو فقط يحدث ، قد نشعر به لكننا نستجيب له بكليتنا في كل الأحوال ، وكالسائر في نومه نتحرك وفق هواه .

  علّمتها الحياة ان لا تظهر ضعفها او أن تبوح بكوابيسها كي لا تستغل حتى من اقرب المقربين عملا بالحكمة القائلة " اللهم اعنّي على اصدقائي اما اعدائي فأنا كفيل بهم " فالبوح يعني اعطاء مفاتيحك لشخص ليستغلها متى ما شاء ، ولعله أمر خط منذ الأزل في قاموس البشر ، فالأرض على وسعها لم تتسع لإبني آدم ! ( تتنهد وتهمس بمرارة ) :

- عزّ الوفاء في زمن الأقنعة .

لم تنتبه لخربشات الزمن تخطّ تجاعيدها على قسمات وجهها ، في منعطف طريق اتعبها حدّ الفجيعة محطاته انتظار ، مازالت تعيش وهما كبيرا اسمه الحب الأول استحال ادمانا تغذيه بفيلم " الوسادة الخالية " .. سميحة وصلاح الذي نقش اسميهما في 15 نيسان على حلقتين . سميحة التي احبته بقلبها فقط ويوم جاء العريس المثالي الذي تتمناه اي بنت وافقت مشيحة بوجهها عن الحب .. حياتنا مجموعة خيارات وإزاءها لابد من تحمل النتائج ، سرعان ما اكتشفت هول خيانتها له ولنفسها وللشريك الذي امعن وأسرف في خيانتها جهرا وسرا . كان صلاح يحب الشعر يغنيه لها بصوت عذب " في يوم من الأيام كان لي قلب .. " ترى هل اخبره قلبه ؟ . في يوم من ايام نيسان التقيا بلا موعد بعد طول فراق الصدفة وحدها ساقته اليها ..

" تخونوه وعمره  ما خانكم " تحدثت عيناه ، كانت الحرب يضطرم  وارها ، حرب مستعرة همجية شرسة التهمت احلى سني شبابها وغيّبته .. لثماني سنوات عجاف كانت تدعوه بروحها تستجدي السماء كيما تنفحها اشارة او اية علامة تدل على انه مازال حيا .. الحرب جحيم ارضي وقودها الناس والحجارة حين تبدأ لن تنتهي .. وحين تنتهي لا يذكر احد لم بدأت . الحرب سرقت منها كل شيء ايامها وحبها الوحيد وشباب احلامها تتساءل هل احبها فعلا ؟ قلبها يحدثها ان نعم والقلب لا يكذب . انتهت الحرب وتصافح القادة وبقيت هي تنتظر عودة الغائب ، هل هي ازمة منتصف العمر ؟ ترتسم على زاوية فمها بسمة ساخرة ، العمر الذي عاشته سلسال ازمات كل واحدة تسلمها للأخرى ، الحياة فصول تدور ولحظات تعيش معنا وأخرى تهرب من بين الأصابع كالماء ، لحظات نعمل عمرا كاملا بانتظارها ، لحظات كلها هاربة نتأملها تخطف تحترق تخلفنا رمادا كقبض ريح . بها شوق أزلي للشواطيء التي تستريح على اعتابها عذابات العمر وتقلبات الدهر وهذه النفس الإمارة بالحب الضاجة في رأسها كسوق شعبي في أوج زحمته . مازال نيسان صرخة في وجه جهامة ايامها ، انفجار واع لبركان حياة لم تعاش ، نيسان لا يكذب .. لطالما بهرتها البدايات حتى الباهت الرجراج منها ، يكفي انها دفقة ضياء عابق بالرجاء اما النهايات فلا بد  ان تجر في اذيالها وشاية حزن او ندم من نوع ما . لا تذكر تماما كيف ومتى باح لها بحبه ، كل ما تذكره انهما التقيا تحت المطر ، من يومها عقدت اتفاقية صلح معه سرعان ما نقضت من طرفها فذاب قوس قزح و بهتت كل الوانه ، كلنا ها هنا نعيش حالة الانتظار بحثا عن مصير لا نعرفه ، لا شيء سوانا يعطي للحياة معنى ، لاشيء سواه يعطي لحياتها معنى ، تضيق ذرعا بأشياء ما انفكت تماحكها ، واهية كخيوط العنكبوت ضبابية كالشك مراوغة كثعلب مخيفة كقصر مسكون وهي كالسائر معصوب العينين على حبل مشدود فوق هاوية بعد أن اضاعت بوصلتها ذات عمر . العالم يدور من حولها اما هي فتوقّف لديها الزمن عند لحظة بعينها ، لحظة فراق مشؤومة لتتحول حقول احلامها وتتشكل بهيئة وردة بلاستك مغروزة في اصيص مستشفى عام !  . انتهت فصول احلامها في ان تكون طبيبة ذات يوم ، اكتفت بالتمريض رغم كل محاولاتها بالصعود والارتقاء على سطح حياتها الباهت الأملس ! لتنتهي مرافقة لعجوز مختلّة مقابل اجر معقول ، عجوز تسمعها ما تود سماعه وبمجرد ان تنتقل الى الغرفة المجاورة ينسكب من فمها وبصوت مسموع مكب قاموس شتائم على الجميع مع ما يدور في خلدها من افكار انانية شيطانية !!! . وتتساءل في سرها :

- هل نجامل بعضنا البعض الى هذه الدرجة المروّعة ؟

كم تحتاج لمن يشعرها بالقبول ، بالحب الصادق اللامشروط الذي ظلت تبحث عنه سنين تخبطها بين يتم وقسوة من حولها حد اللامبالاة ! هي جميلة بشكل لا لبس فيه ، وظنت ان جمالها سيكون جواز مرورها الى ... القمة . لاشك ان حياتنا مجموعة خيارات اما مصائرنا فنسيج عنكبوت ، المصير هو ما نتطلع الى معرفته وتغييره في ذات الوقت وفق اهوائنا الآنية دونما حساب للمشاعر . فكل ما لدينا ليس كافيا فيما يبدو ، انه نوع من التوق الى الكمال بل جشع نغلفه بسيلوفان الأعذار ، جشع لنهم لا يشبع كتوق الى سحر الجنان .. سميحة عرفت الحب مع زوجها الدكتور عمر الحريري عاشت حياة هانئة حتى آخر الفيلم اما هي فاختبرت الجحيم .

المياه العميقة تعكس ازمنة قديمة ، توق لمطاردة الريح والمطر ، الى لمس المحال ، لتأتي السيول فتجرف كل شيء ، تتأمل الشفق بنظرات جذلى وتتساءل ككل مرة :

- أليس من المحزن ان الأحمر الدموي هو اول شعاع تستقبل به الأرض ميلاد يومها الجديد ، وهو ذاته الذي تودعه به ؟

الشمطاء تنطق بالصدق حين تخلو لنفسها ، والنوايا تفضحها العيون ، اما نحن فنحب ان نصدق الأكاذيب نسكبها في آذاننا .. لكن نيسان لا يكذب .. وحين نكبر نندم على اشياء لم نفعلها ، على اخطاء لم نرتكبها ، على اوقات اضعناها بالانتظار او الحزن على ما ليس منه بد .. الأقدار تسخر منها مرة اخرى فبعد اختفاء " صلاحها " لأكثر من ثلاثين عاما ها هي سيول نيسان تجرف ما تبقى منه .. حاملة معها سلسلة عليها ترتيبه ، ساعة صدئة ، بقايا اوراق حائلة ، وعملات معدنية لم تعد صالحة للتداول ، سيول نيسان القادمة من قفار الجوار حملته او حملت رفاته لتنهي آخر فصول عذابها الممتد بعمر الحروب .

- ايتها السيول شكرا لأنك اعدت الغائب ولعله لا يعلم ان الأعداء تصالحوا بعد رحيله ! شكرا لأنك رددت اليّ كلا تاه من بعضي .. وأعدته الى احضان أمه الأرض .

 

 

 

عدد المشـاهدات 171   تاريخ الإضافـة 06/05/2019   رقم المحتوى 28761
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الخميس 2019/8/22   توقيـت بغداد
تابعنا على