00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  سوق المغاربة في العشار عام 2417

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

سوق المغاربة في العشار عام 2417

أغنية لأديث بياف وحسين عبد اللطيف

 

نعيم عبد مهلهل

 

فيا له من مشهد! الزمن ما بعد منتصف الليل، مظلة مطوية، حقيبة سفر، ساق آدمية مقلوبة داخل معطف شتوي، ورجل غامض مثل توأم يمر عابراً في أحراش روحك المقفرة، بالله عليكم هل فيكم من سيتظاهر أمام كل هذا بالحفاظ على رباطة جأشه أو كبح جماح دهشته؟

(القاص المغربي أنيس الرافعي ــ قصة جناح الأورام ــ مصحة الدمى)

وأخيراً اكتشف أهل كازابلانكا بعد مرور أكثر من ألف عام، أن ربع الجيش الذي قاده الأمازيغي طارق بن زياد وعبر به المحيط من طنجة الى إسبانيا ليحتلها العرب لقرون، ربع هذا الجيش من أهالي البصرة. كنا نسير أنا وأنيس الرافعي في شوارع كازا وسعدنا بهذا الخبر الموجود اليوم في صحيفة الصباح المغاربية، لكن أنيس الرافعي عقّب بألم: هم بالآلاف ولم يكن واحداً بينهم اسمه السندباد أو محمد خضير. ضحكت وقلت: يا أنيس، السندباد رحالة كما ابن عمك ابن بطوطة، ومحمد خضير قاص، حتى عندما وصلت شظايا المدافع الإيرانية الى سياج بيته في حي الجمهورية في البصرة، لم يفكر أن يمسك حتى مقبض بندقية. ضحكنا، وكعادته المراكشية المندافة بالرمل وعطر الكرستيان ديور يردد جملته الدائمة: حبيبي محمد خضير. ظهيرة الأحد 8 ماي 2005. أكلنا السمك أنا وأنيس في مطعم في السوق المركزي القريب من زنقة ابن بطوطة، ثم ذهبنا نشرب كأس الاحتفاء بصوت أديث بياف في مقهى كان يملكها حبيبها الملاكم الفرنسي مارسيل سيدان، وكانا يلتقيان هنا، وعلى جدران الحانة صور بالأسود والأبيض للمطربة الفرنسية، يقول أنيس: إنه كلما أراد أن يستعيد سحر السيكارة التي بفمك يأتي هنا حيث يحرص مالكو المقهى على بث أغانيها كل يوم.

قهوة سوداء

شربنا القهوة السوداء المرّة، وهتفنا معاً في صحة فرنسا وكازا والبصرة، والرابع الذي شربنا في صحته صديقي الشاعر البصري حسين عبد اللطيف، الذي أخبرته أني سوف أذهب الى المغرب، فأخبرني: إن ذهبت الى مدينة المحمدية، اذهب الى بيت محمد بنيس، وقبّل جبينه نيابة عني وقل له شكراً لكل الذي فعلته من أجل عقيل علي، الذي أصدرت له توبقال كتابين شعريين ولم يحصل منهما سوى على أربع نسخ، واحد عنوانه: جنائن آدم ظل في جيبه حتى لحظة موته. أتذكر أننا، أنا وأنيس وشاعر مغربي رائع اسمه محمد الصابر ذهبنا الى المحمدية، وجلسنا في مقهى على البحر تدعى الحورية الزرقاء تملكها سيدة سويسرية هي زوجة صديقي الشاعر المصطفى الغزلاني الذي قال لي: إن بيت محمد بنيس قريب من المقاهي لكننا نسينا الذهاب لبيت بنيس حيث حضر الشاعر صلاح بو سريف واحتفينا به وبخجله وشعره العميق بالرغم من قلقه على مرض زوجته. في ذلك الوقت لم يكن الرافعي قد كتب مصحة الدمى، التي تحتفي بها بعد ثلاثمئة عام الجمعة الفسيولوجية لمعرفة علاقة الماضي بالحاضر والتي أسسها في منطقة العشار درويش من أهل تطوان أتى مع آلاف من المهاجرين المغاربة ليسكنوا البصرة بعد أن كشفت له آلات بالغة الدقة والمصداقية أن أجدادهم كانوا بصريين وهم الجناح الأيسر لجيش طارق بن زياد، وعاشوا في مدن الأندلس ونزحوا في العودة الحزينة حين طُرد عبد الله الصغير من الأندلس وسكن أغلبهم مدن مراكش وفاس ومكناس وطنجة والصويرة. قرأ حفيدي منتظر إعلان الاحتفاء بمصحة أنيس وقد تم الإبراق الى واحد من أحفاده وهو طبيب أسنان يسكن في مراكش، ولأنه قرأ في أوراق لي في متحف العائلة صلتي القديمة بأنيس قرر أن يحضر الاحتفاء بالمجموعة القصصية، وفرصة ليتعرف على حفيد أنيس وليقول له إن جده صديق جدي. وأيضاً كان من بين المدعوين حفيدي حسين عبد اللطيف ومحمد خضير، وبالصدفة كان جلوس الأحفاد الأربع بكراسٍ متجاورة في القاعة المغربية في المركز الاجتماعي لمغاربة البصرة الذي يقع في ناطحة السحاب الثالثة في الشارع الوطني حيث بنيت ثلاث ناطحات سحاب في السوق الأثري الذي كانوا يسمونه سوق حنا الشيخ. هناك حيث أسس المغاربة سوقا لبيع الجلابيات واسطوانات الموشحات الأندلسية والسمك المعلب من بحر أغادير، وعلب الزيتون، وهناك في السوق مطعم للأكلات المغربية المطبوخة بالطاجين ومخبز لبيع الخبز المدهون بالسمن البلدي وثلاث مقاهٍ تقدم الشاي الأخضر، وإحدى هذه المقاهي لا تبث من أجهزة التسجيل المتطورة سوى أغاني أديث بياف وهذا ما لم يتعود أهل البصرة على سماعة، لكن أحفاد محمد خضير وحسين عبد اللطيف وحفيدي منتظر الذي لا يستغرق ذهابه بسيارته الطائرة للوصول الى البصرة قادما من الناصرية سوى خمس دقائق بعد أن أُلغي الخط السريع وتمّ تحويله الى مزارع هائلة للطماطم تُصدَّر الى الصين وموريتانيا وتكساس.

في ذلك الاحتفال، الذي رفع فيه الكثير من زنوج البصرة لافتات احتجاج أمام المركز الثقافي المغربي بالعشار، وهم يقولون إن أفارقة البصرة منذ زمن القرامطة وثورة الزنج هنا، لم يُسمح لهم بتأسيس المركز الطوطمي للأدغال والشعوذة الروحية. فيما المغاربة أفارقة أيضاً وبسرعة الضوء أسسوا لهم سوقاً ومركزاً في البصرة ، وصرّح أحدهم لصحيفة بصرية تدعى المرفأ قائلاً: هم يحتفلون بمصحة الدمى لأنيس الرافعي، فلماذا لا يُسمح لنا أن نحتفي بليبود سنغور. الشرطة التي أتت بسيارات نجدة طائرة فرقت المتظاهرين وضابط المفرزة قال للزنوج: هؤلاء فتحوا لنا الأندلس، أمام أجدادكم فحين ثاروا خرّبوا البصرة وجعلوا أهلها عبيداً عندهم. صاح أحدهم متحديا الشرطة: ليعيش سبارتكوس ولتسقط مصحة الدُّمى

الأحفاد الأربعة (أنا وأنيس ومحمد خضير وحسين عبد اللطيف ) تساءلوا فيما بينهم، من يكون سبارتكوس؟

رجل مغاربي كهل كان يجلس وراءهم همس قائلاً: زنجي يبيع المخللات في طنجة!

قال حفيد أنيس: هذا جيد يا عماه، حسبته زنجياً يبيع الدّمى.

ضحكوا... ليصعد المحاضر الأول ويتحدث عن القصص، والغريب أنه ليس مغاربياً، بل من كلكوتا الهندية صادف أنه أتى الى البصرة بتجارة توابل وصادف مروره هنا.

لا أدري أين قرأ الهندي مصحّة الدّمى، وهي كما أعرف لم تُترجم سوى الى الإسبانية والكمبودية، ويبدو أنه قرأها بالعربية، حين أشار في تعقيبه وبلهجة عمانية يحسنها أهل نزوى والجبل الأخضر قوله: إن مصحة الدّمى هو العالم الذي إذا أردنا إصلاحه والعودة به الى مكانه، وهو دراسة وهواجس الدمى وتأثيرها حتى في نظرات المجانين، وخلص الى القول: إن أنيس الرافعي يقول لكم كما قال غاندي قبل مئات السنين: لا تجعلوا الهندي دمية فتغرز في جسده إبر الإنكليز.

بالرغم من أن المغاربة لم يفهموا مصحّة الدّمى كما فهمها الهندي، لكنهم صفقوا له كثيراً، وحفيد أنيس وقف على الكرسي وصفق بحرارة حين وعد الهندي الجميع بأنه سيترجم المصحة الى اللغة الأوردية، لتقرأها جيداً تلك الطبقة السفلية المهمشة في المجتمع الهندي والتي يسمونها طبقة المنبوذين. أتذكر أني سألت أنيس في واحد من تجوالنا الليلي على المحيط في الدار البيضاء، إن كان بإمكانه أن يتخيّل أنه واحد من أبناء عطارد، وعندما يكتشف الأرضيون أن حياة إنسانية تعيش عليه، سيقيمون معه العلاقات التجارية والثقافية بعد أن تبتكر غوغل مترجماً لغوياً متبادلاً بين أهل الأرض وعطارد. تخيل أن يقرأ أحد سكان عطارد واحدة من مجامعيه ويترجمها بلغة (الهمهمة والأفأفة ) وهذا ما يطلقه أهل أغادير على لغة السياح العطارديون الذين يأتون في يوليو من كل عام الى المدينة الجميلة هابطين بمركبات فضائية صغيرة بحجم سيارة البيجو التي يمتلكها محمد الصابر، والتي وضعها تحت تصرفنا نجوب بها حارات كازا والمحمدية.

فأجاب إنه لا يعتقد ولا يصدق هذا، ولكن باللغة الأوردية ربما.

هههه. هاهو حلمك يا أنيس يتحقق، ويتبرع تاجر توابل هندي بترجمة مصحّة الدّمى الى الأورديّة.

الغريب أن الهندي عندما غادر القاعة. تم رميه بالطماطم والبيض الفاسد من قبَل الأفارقة الذين رفضوا إخلاء مكان احتجاجهم.

دمعة قفزت من أجفان حفيد أنيس، وتساءل: لماذا يفعل أحفاد الزنجبار والسنغال وموزنبيق هكذا بهندي يريد أن يترجم قصص جدي.

دفع نقود

حفيدي منتظر، همس له: البوليساريو دفعوا النقود لهم ليفعلوا ذلك.

يعيش مغاربة البصرة في حي سكني ليس بعيداً عن العشار، تجمعوا تحت رأي رجل كبير يتاجر بالجلود والزيتون أتى من مدينة أصيلة، ويبدو أنه كان مثقفاً جيداً، واستمال ثقة أهل المدينة ومحبتهم، وهو من شجع أولئك الذين اكتشفوا أن أصولهم الأندلسية بصرية بحتة كالوزير المغربي الذي عاش في زمن الملك الحسن الثاني واسمه إدريس البصري، وحين وصل عدد المغاربة وعوائلهم الى ألف وكانوا جميعا يعيشون في الفنادق، توجه وفد منهم برئاسة الشيخ مواري صداح بحر الأصيلي البصري لمقابلة محافظ المدينة، والذي قدر فيهم الوفاء الى أصولهم وقرر منحهم أرضاً بمساحة أربعة هكتارات في منطقة البراضعية ومجاوراً تماما القصور الرئاسية التي بناها صدام في البصرة قبل مئات الأعوام والتي تحولت الآن الى متحف طبيعي لأصناف السمك المستخرج من بحيرة الحرب وهو ما أطلقه البصريون على بحيرة الأسماك التي شهدت قبل مئات السنوات حرباً طاحنة بين العراق وإيران ودُفن على ضفافها المئات من الجنود. رضي المغاربة بالمكان، وقال الشيخ للمحافظ، إنه مناسب لنا، نحن لدينا أيضاً رفات لجنود لم نعثر عليهم شاركوا إخوانهم العراقيين والسوريين في الدفاع عن الجولان في ذات الزمن في الحرب بين العرب واليهود.

 صحح المحافظ له العبارة: يا سيدي قل بين العرب وإسرائيل، لا نريد حرباً بين الديانات، تكفينا تلك الآلات التي تريد أن تنسينا أن الله فوق رؤوسنا.

اعتذر الشيخ، وعاد ليصحح العبارة:

بنى المغاربة حيّهم في هذا المكان، وألفه البصريون، ولكن حركتهم وحضورهم الأهم كان في السوق. بعيداً عن السوق أشتاق لأعود الى وجه حسين عبد اللطيف، وأتخيل ذلك المقهى في سوق الهنود الذي كان يحب الجلوس فيها ، وأفترض أنه الآن موجود، وحتما سيأنس بالقاص المغربي ومجموعته، فهو يحب التعرف الى أناس رأوا محمد شكري وتعلموا منه. غير أني الآن فقط انتبهت الى تلك النبوءات المسكونة في حزن تلك الملامح البصرية السمراء لذلك الشاعر الطيب الذي ارتدى من ريلكه الألماني الكثير، وكانت العديد من قصائده تتقدمها مقاطع من شعر ريلكة، وقد سكنه القليل من العوز والكثير من الأحلام حتى عندما أعطته الحياة الفرصة أن يسافر الى باريس ويسير في ذات الطريق الذي كتب فيه ماركيز قصته الجميلة ( آثار دمك على الثلج ).

وكانت من بعض أمانيه أن يزور طنجة ليتعرف على شكري، وربما طرح مشروع السفر المشترك مع صديق عمره القاص محمد خضير، لكنّ أبا مناف لا يحب الـــــــسفر ولم يسافر في حياته أبعد من خارطة العراق، سوى مرة واحدة ذهب الى أبو ظبي لاستلام جائزة العـــــــويس ومرة أخرى وجدته معنا في ملتقى ثقافي في الكويت حين قرر الثري الكويتي والشاعر البابطين دعوتنا للقاء ثقافي بغية كسر رتابة الـــــــــغزو والانفعال والتوتر والتوجس الذي صنعه غزو صدام للــكويت.

عدد المشـاهدات 473   تاريخ الإضافـة 24/04/2019   رقم المحتوى 28457
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الخميس 2019/5/23   توقيـت بغداد
تابعنا على