عبد الرحمن اليوسفي .. مداخلة في المذكرات الشخصية (2-2)
أضيف بواسـطة admin

عبد الرحمن اليوسفي .. مداخلة في المذكرات الشخصية (2-2)

مقاتلات فرنسية تعترض طائرة جزائرية لإعتقال معارضين على متنها

عبد الحسين شعبان

 وكان الأمير مولاي الحسن قد زار مصر بعد تأميم قناة السويس وتفقّد عائلة ميلان الذي غامر بحياته لقيادة الباخرة التي نقلت الأسلحة  إلى المقاومة المغربية والجزائرية ، وقدّم لها هدايا رمزية، كما يذكر اليوسفي، وقد تزوّج الأخضر الإبراهيمي الشخصية الجزائرية الوطنية والدبلوماسية من ابنة ميلان واسمها مليكا.

ويشير اليوسفي إلى أن المجلس الوطني للمقاومة كان يترأس اجتماعاته علال الفاسي وبغيابه يتولى المهمة عبد اللطيف بنجلون، ويذكر أن الفقيه محمد البصري كان من أنشط عناصر هذا المجلس وهو ما أهّله ليكون رئيساً له وأعلن عن “ثورة الملك والشعب”، وفي الذكرى الثانية لها (1957)  انتقد البصري انزلاق البلاد نحو الاستعمار الجديد بسبب سياسة الاستيطان الفرنسية، ويشير إلى الخلافات داخل حزب الاستقلال  التي قادت إلى تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية 1959 وذلك اعتماداً على العناصر الشابة ذات الـــتوجه التجديدي. ويروي عبد الرحمن اليوسفي قصة اختطاف القادة الجزائريين الخمسة يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) 1956  حين أقلعت طائراتهم من المغرب إلى تونس، حيث اعترضتها المقاتلات الحربية الفرنسية، والقادة الخمسة هم أحمد بن بلّه وحسين آية أحمد ومحمد خيضر ومحمد بو ضياف ومصطفى الأشرف، وقد توجهوا إلى تونس لحضور الندوة المغاربية التي شارك فيها الملك محمد الخامس والحبيب بورقيبة، وكان اليوسفي، كما ينقل، قد رافقهم خلال وجودهم  في المغرب، كما دافع عنهم لاحقاً كمحامي انتدبته الحكومة الثورية المؤقتة للثورة الجزائرية ، وبالتضامن من جانب قادة المقاومة المغربية. وبالطبع قضى القادة الخمسة نحو ستة سنوات في السجون الفرنسية، وأطلق سراحهم في 19 مارس (آذار) 1962 عشية مح ثات إيفان وقبيل استقلال الجزائر بنحو 3 أشهر.

IV

في العام 1959 حجزت السلطات المغربية جريدة “التحرير”  التي كان رئيس تحريرها عبد الرحمن اليوسفي واعتقلته، كما اعتقلت الفقيه محمد البصري بالدار البيضاء، إثر افتتاحية للجريدة، ونقل إلى “سجن لعلو” وقد أضرب عن الطعام مما اضطر إدارة السجن إلى استدعاء طبيبين لعلاجه، وقرّرا نقله إلى مستشفى ابن سيناء بالرباط، وتم إطلاق سراحه بعد أسبوعين، وبقي البصري نحو ستة أشهر. بعد خروجه من المعتقل التقى بالملك محمد الخامس في كانون الأول (ديسمبر) 1959 في جنيف وكان هذا آخر لقاء، حيث توفي الملك بعد ذلك كما يذكر اليوسفي  في 26 فبراير (شباط) 1961 وتولّى الأمير الحسن الذي أصبح الملك الحسن الثاني مقاليد العرش في مارس (آذار) 1961.

ويذكر اليوسفي الصراعات التي أعقــــــــبت تولي الحسن الثانـــي إدارة البلاد، ابتداء من الاستفتاء على دستور العام 1962 ومروراً بإشكالات المجلس الدستوري  والانتخابات التشريعية، تلك التي يتناولها بمرارة حيث تمت الإطاحة به فيها، وكان الحزب قد رشحه عن طنجة، بينما نجح جميع أعضاء الأمانة العامة للاتحاد الوطني للقوى الشعبية، وقد شهدت تلك المرحلة حملة ضد الصحافة و حرية التعبير،إضافة إلى  حملة الاعتقالات حيث  تعرّض لها العديـــــــد من المناضلين (حوالي 100) بإشراف الجنرال محمد أوفقير (مدير الأمن الوطني آنذاك) والرائد أحمد الدليمي وقد تم تقديمهم للمحاكمة وصدرت الأحكام بإدانتهم (1964) لاتهامهم بمؤامرة مزعومة، بينهم من حُكم عليه بالإعدام (11 من المتهمين)، وجاهياً وغيابياً، والقسم الآخر بأحكام غليظة. وحكم على اليوسفي سنتين مع وقف التنفيذ.  ويقول اليوسفي أن هناك محاولة أولى للتناوب ابتدأت في ذكرى 20 أغسطس (آب) 1964 حيث أصدر الملك الحسن الثاني عفواً بتحويل بعض الأحكام من الإعدام إلى السجن المؤبد، ثم إطلاق سراح 65 معتقلاً بمن فيهم الفقيه البصري وعمر بنجلون ومؤمن الديوري، واستقبل الملك عبد الرحيم بوعبيد وأبلغه بالتفكير بتكوين حكومة وحدة وطنية، وأرسل ابن عمه مولاي علي لإقناع المهدي بن بركه العودة إلى المغرب، وتم اللقاء في فرانكفورت، وأبدى بن بركه تحفظاته حول الجنرال أوفقــــــــير وعصابة الإجرام  كما يسميها اليوسفي، لكن اختــــــــطاف المهــــــــدي بن بركه يوم 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1965 بدّد تلك المحاولات وأدخل البلاد في دوامة جديد من الصراع وشغل الرأي العام الوطني والدولي، ولا يزال مصير بن بركه مجهولاً حتى الآن وكان الرئيس ديغول قد اتهم أوفقير بالضلوع بالعملية حسبما يذكر اليوسفي.

V

يروي اليوسفي جانباً آخر من حركته في المنفى وهو متابعة دراسته واهتمامه بحقوق الإنسان وعمله في إطار اتحاد المحامين العرب (الأمين العام المساعد) ويشير إلى مشاركته بتأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليماسول (قبرص) 1983 والدفاع عن المناضلين الفلسطينيين أمام المحاكم الأوروبية وكذلك ضد الجرائم التي ترتكب في الفيتنام، كما عمل في إطار منظمة التضامن الأفروآسيوي (الأبسو) .

وبعد صدور عفو عنه العام 1980 عاد إلى الوطن وكان قد تعرف على زوجته كما يقول” هيلين” في العام 1947 بمدينة الدار البيضاء كما يذكر، وهي من أصل يوناني، وسكن والدها الخياط في المغرب. بعد أن عاشت العائلة في فرنسا، وقد تزوج منها بعد 21 عاماً من التعرف الأول عليها، حيث انتقلت العائلة إلى مدينة “كان” الفرنسية.

جهد وعطاء

يتناول اليوسفي قيادة عمر بن جلون ثم عبد الرحيم بوعبيد للاتحاد الوطني للقوى الشعبية، ومن بعد قيادته، وتعيينه وزيراً أول بعد استقباله الملك الحسن الثاني بالقصر الملكي بالرباط يوم الأربعاء يوم 4 فبراير(شباط) 1998 وخاطبه الملك قائلاً” إنني أقدّر فيك كفاءتك وإخلاصك وأعرف جيداً منذ الاستقلال إنك لا تركض وراء المناصب، بل تنفر منها باستمرار، ولكننا مقبلون جميعاً على مرحلة تتطلّب بذل الكثير من الجهد والعطاء من أجل الدفع ببلادنا إلى الأمام حتى نكون مستعدين لولوج القرن الحادي والعشرين…” ويشير اليوسفي إلى الثقة الكبيرة والواعدة من جانب الملك الذي قرّر أن يجعل “التناوب” لا مجرد تناوب أشخاص أو أحزاب، بل بداية مسيرة جديدة خصّها جلالته بقسم خاص…” وقد فتحت تلك الخطوة ديناميكية جديدة في المسار السياسي للمغرب وأغلقت الصفحات السابقة بما فيها من صراع ومآسي، وهو الأمر الذي شهد تطورات لاحقة لتعزيز التوجّه الديمقراطي ، خصوصاً ببناء أعراف جديدة وتفعيل ثقة المواطن بالدولة ومصالحة الشعب مع الحكومة . وعلى الرغم من أن الحكومة كانت مدعومة بثقة الملك، لكنها تعرّضت لتحديات عديدة وواجهتها صعوبات داخلية وخارجية، بما فيها بعض التوجهات من داخل الحزب الذي يقوده اليوسفي الذي أصرّ على أنها تجربة علينا أن نخوضها كاجتهاد وهو ما حاولت أن أحاوره فيه. وكانت وفاة الملك الحسن الثاني 23 يوليو (تموز) 1999 وأتذكّر ذلك اليوم جيّداً، حيث كنّا باجتماع خبراء حقوقيين وعددنا 19 خبيراً في أثينا، وكان الأخ عبد العزيز البنّاني بيننا، وإذا بتلفون يأتيه فيتجه إلى زاوية من المكان الذي كنّا نجتمع فيه والحزن والألم ظاهرين عليه، ومن الحاضرين: بهي الدين حسن (مصر) هيثم مناع (سوريا) محمد السيد سعيد (مصر) أمين مكي مدني (السودان) خضر شقيرات وراجي الصوراني (فلسطين) وكاتب السطور (العراق)، وأبرقنا إلى اليوسفي نعزّيه. واستمر اليوسفي حتى تم إجراء الانتخابات في 27 سبتمبر (أيلول) 2002 بعد مبايعة الملك محمد السادس، وكانت تلك الانتخابات الأكثر نزاهة وهي بإشراف حكومة التناوب التوافقي، أو يمكن القول الأقل تزويراً حسب تأكيدات الصحافة العالمية بما فيها اللوموند الفرنسية ومنظمات دولية معتمدة. وكان اليوسفي قد قرّر الاعتزال بعد ذلك بنحو عام في أكتوبر (تشرين الأول) 2003  فكتب استقالته من الحزب وسلّمها إلى الصديق المحامي (رئيس نقابة محامي الرباط) محمد الصديقي (عضو المكتب السياسي) كما أبلغ عبد الواحد الراضي بنقل رسالة استقالته إلى أعضاء المكتب السياسي، مقدّماً تجربة رائدة على مستوى تحمّل المسؤولية بنزاهة منقطعة النظير ونكران ذات وشعور وطني صادق. ويشير الجزء الأول من المذكرات إلى بعض المعالجات التي أقدمت عليها حكومة اليوسفي مثل الضمان الصحي وتشغيل الشباب من حاملي الشهادات العليا وترسيخ الانتقال الديمقراطي، والأهم في ذلك هو مسار العدالة الانتقالية الذي تميّزت به التجربة المغربية، كما احتوت على عدد من الملاحق المهمة التي هي تحتاج إلى قراءة خاصة.

VI

وكنت قد جئت على لقاء خاص جمعني باليوسفي  (ننيسان/ابريل/1999 في منزل المحامي عبد العزيز البنّاني) وقد نشرته في كتابي الموسوم” سعد صالح : الضوء والظل – الوسطية والفرصة الضائعة” والمنشور في بيروت العام 2009 والمطبوع ثانية في بغداد 2012 وأحاول أن أنقل بعض الفقرات الخاصة منه والتي جاء بعنوان ” استعادة تاريخية” حيث ورد فيه : في حديث جمعني في كازابلانكا ” الدار البيضاء” العام 1999 مع عبد الرحمن اليوسفي وكان حينها قد تولّى رئاسة الوزراء ” الوزير الأول” كما يسمّى في المغرب العربي بعد أن كنت قد تعرفت عليه عندما كان رئيساً لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وهو من الشخصيات الحقوقية المؤثرة، حيث عمل في المنظمة العربية لحقوق الإنسان وفي اتحاد الحقوقيين العرب، ثم قبل تكليفاً ملكياً بتولي رئاسة الوزراء، وكان اليوسفي قد طلب اللقاء مع نخبة من زملائه العاملين في الإطارين ذاتهما، على دعوة عشاء نظمها الأستاذ عبد العزيز البنّاني في بيته، يومها تحرّك فيّ الهاجس الصحفي لسببين، الأول هو كيف يمكن لمعارض وطني قضى أكثر من ثلاثة عقود في المنفى أن يتبوأ رئاسة وزارة في عهد ما زال مستمراً وكان من أشد المعارضين له، بل داعياً لإلغائه؟  والثاني كيف يفهم السياسي الوطني معارضته من خلال هيكل الدولة وكيف يمكن التعامل معها؟ بادرت حينها إلى إثارة النقاش بسؤال الوزير الأول: ألا تشعر أحياناً بالغربة أو الاغتراب، يا ” دولة” سي عبد الرحمن وأنت في هذا الموقع؟ وكان جوابه، نعم والى حدود غير قليلة، لكن شفيعي أن جزءًا من خطابي ما زال معارضاً، وهو ما كنت ألمسه في أحاديثه وخطبه التي تابعتها لأكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، بما فيها عندما أستقبل عدداً محدوداً من الذين يرتبطون بعلاقة أو معرفة معه في منزله وكنت بينهم ، الذي رفض البقاء فيه رغم طلب الملك نفسه، لكنه عاد إلى شقته التي كان يسكنها قبل توليه الوزارة، وبعدها أردف اليوسفي قائلاً: لقد كنّا نعارض الدولة من خارجها وربما بعض معارضتنا الآن من داخلها، وهي تجربة اخترناها بالأغلبية رغم تحفظ بعض الأصوات ، وعلينا اجتيازها، نأمل أن تكون مفيدة وناجحة، وهي تجربة مفتوحة للزمن للمناقشة والتقييم.   وقال اليوسفي كنّا نعتقد ان بعض الملفات يمكن أن نفتحها بيُسر وسهولة وإذا بها مغلقة أمامنا، وبعضها اعتقدنا بصعوبة فتحها وإذا بها مفتوحة أمامنا، بل أننا استطعنا المضي فيها إلى حدود كبيرة، بما فيها ملفات التعذيب والمساءلة وجبر الضرر والتعويض، فضلاً عن إعادة النظر ببعض القوانين وتشريع قوانين جديدة. استذكرتُ أثناء حديثه سعد صالح، وأنا أعدّ كتاباً عنه،  فسعد صالح عندما انتقل إلى المعارضة، جاء إليها من موقع الدولة والمعرفة بشبكة علاقاتها المركّبة والمعقّدة، لاسيّما مواطن الخلل والضعف فيها، لا معارضة بالشعارات حسب، ولعلّ المعارضة ليست وظيفة دائمة، كما أن الحكم ليس هدفاً بحد ذاته أو وظيفة مستمرة، وعلى السلطة والمعارضة، فيما إذا توفّرت فرصة التناوب والتداول والانتخاب، انتظار رأي الناس ببرامجهم ومشاريعهم السياسية، فذلكم هو ما ندعوه بـ”التجربة الديمقراطية” في الدول العصرية المتقدمة. التجربة إذاً معيار أساس في المعرفة ولفحص وتدقيق النظرية، والتأكد من صواب وصحة ومدى انطباق الممارسة، وسيرها بخط متوازي مع النظرية.

موقع المعارضة

وإذا كان سعد صالح قد انتقل من موقع المسؤولية في الحكم إلى موقع المعارضة، فقد ترك بصماته وختمه على الحياة السياسية، فمن كان يتصوّر أن بإمكان مسؤول ما أن يبادر إلى اتخاذ إجراءات تتعلّق بإجازة أحزاب معارضة راديكالية وإلغاء السجون وإطلاق سراح المعتقلين، وإطلاق حرية الصحافة، لكن سعد صالح كان قد قرأ الوضع الدولي جيّداً، لاسيما بعد هزيمة الفاشية واتساع نطاق الأفكار الديمقراطية وحقوق الإنسان وبخاصة بعد إبرام ميثاق الأمم المــــتحدة  العام 1945 وبالتساوق مع بعض إرهاصات الوضع الداخلي، (ومثل هذا الأمر قام به عبد الرحمن اليوسفي حين قرأ اللحظة التاريخية وقرر بشجاعة خوض التجربة) وهو ما يدخل في إطار علم السياسة التنبوئي حيث يضع الجميع أمام مسؤولياتهم. في الختام أقول أن اليوسفي جمع في شخصه الاستقامة الشخصية والنزاهة الأخلاقية، إضافة إلى قوة المبادئ وصلابة الرأي، فضلاً عن قدرته عن التقاط الجوهري من الأشياء، لاسيّما اللحظة التاريخية، وتعكس مذكراته الإيمان الحقيقي بقيم الحرية وحقوق الإنسان واحترام الرأي والرأي الآخر في وقت كانت الأفكار الشمولية هي السائدة، مثلما تظهر الغنى الروحي والـــثراء المعنوي .

عدد المشـاهدات 1019   تاريخ الإضافـة 13/04/2019 - 21:08   آخـر تحديـث 12/12/2019 - 07:26   رقم المحتوى 28028
جميـع الحقوق محفوظـة
© www.Azzaman-Iraq.com 2016