00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  قراءة تحليلية لمسرحية المجنون

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

قراءة تحليلية لمسرحية المجنون

الكتابة على حافة الجنون

سيار تمر صديق

في بلد تكاثرت فيه لوحات الالم، وصار الصمت له عنوان، في بلد تكاثرت اشكال الحزن وصار الصمت قرينه، في بلد يسعى البلد كله جاهدا ان يكون.. فكان الصمت صوته، في بلد كلما حاول ان يبكي فرحا يخرج الصوت مجروحا مهزوزا متناثرا مكسورا بين اطياف الوان باهتة للوحات اهملتها الازمنة حتى صار الزمن نفسه يخرج من حدود اللوحة وينكمش داخل نفسه، شخصياتها صلبت، الوانها هاجرت وصار الركود فيها لوحة يولد الموت من صلبها حتى تمردت الجثث على الموت فألفت الف لوحة ولوحة. وتعاندت الفرشاة مع الالوان، والالوان مع صاحبها والصاحب على المجهول. مسرحية ( المجنون) نقطة لبداية النهاية او نهاية البداية… أين؟ متى؟ كيف؟ فهي جاءت لتصور لنا سياسي هذا البلد الذي يترنح تباهيا بين  زيف افعاله وكذب اقواله، بين تسلطه والمسلط عليه، بين رغبات طالما حاصرتها جدران غرفته الممتلئة بالتضاد والاسرار والخجل المتراكم من سؤ ادارته. يصور لنا علاقة الفرد بالوطن. مسرحية ( المجنون) اولى لوحاتها صوت المجنون، وبعدها صارت كل الكلمات مهمشة وكل المطالب هباء، ورصاصة ذي بعدين مغزاها الاول يغازل الثاني ويعاكسها وكأنها صوت من الاتي يحاكي بصمت ويقول على السياسي في بلدي ان يدرك ان الشعب يستطيع ممارسة الصبر والانتظار بالنسبة لبعض المظالم والمطالب السياسية والاجتماعية المؤقتة؛ كأن تتحمل في التباطؤ في الانتقال من نظام غير مفهوم المعالم الى نظام ديموقراطي بعيد عن الشعارات والشكليات. في بلد يبحث عن سيزيف ليحمله ويصعد به لأعلى الجبل؛ ويأبئ البلد ان يبقى في القمة فيسقط في اسفل الوادي من جراء العقلية التي تحكمها ولا ينهض بها سيزيف غير الذي اعتدناه في تلك الاسطورة الاغريقية يبداء الحدث من نقطة العدم ليلتف  ويدور ويدخل متاهات ويستقر في العدم الذي بداء فيه، دوامة وحلقة لا تعرف اين بدايتها واين نهايتها. مسرحية ( الجنون ) لمؤلفه ومخرجه ( مسعود عارف) يضعنا امام طرح اطلقه ( البير كامو) وعلينا ان نفكر فيه كثيرا قبل ان نجيب ” من هو الثائر؟ أ هو الإنسان الذي يقول لا” ولازلنا نبحث عن الاجابة. ظروف حملتنا وكانه سيزيف الذي يعاقبنا وليس سيزيف المعاقب حملنا واجبرنا على مشاهدة شاشة عرض سينمائية تعرض فيها كل ما الم بنا من هموم وكل ما طمحنا به ولم نجده ولم نعشه  بسبب عقلية الحاكم وضعف المحكوم. هكذا اقد ابداء في الكتابة على حافة الجنون لمجموعة مجانين يحملون سيزيف وصخرته معا على اكتافهم ويقودهم مخرج مجنون بإبداعه ومراقصته لخشبة المسرح .

ماهو الجنون؟

يتسألون ما هو الجنون؟ فنجيب من خلال الدلالات المسرحية بانه تعبير عن وظيفة دلالية مركبة، بشكل يجعلها تحيل على مرجعيات ومصادر مختلفة ومتعددة ترتبط بطبيعة البيئة الاجتماعية والثقافية التي ظهرت فيها فيتم التعامل معها وفق مستوى الوعي الذي وصل اليه المجتمع. اما بمنظورها النفسي فان بعض الادبيات العلمية والتحليلات النفسية الحديثة فسرت الجنون  حسب التصور الذاتي والمرضي، بحيث تنطلق في كل ذلك من معطيات تجريبية وتطبيقات علمية كونها اي الجنون ظاهرة نفسية يمكن تفسيرها. اما فيلسوف مثل “ميشيل فوكو” في كتابه ( الجنون والحضارة) يؤكد ان ثمة علاقة موجودة بين الشكل المأساوي للجنون وشكله النقدي، بحيث ان كليهما يرتبط بعنصر اساسي وهو ان صاحب الحالة، في الشكلين معا، فاقد للتوازن الطبيعي والواقعي، غير انهما مختلفان كثيرا في نوعية ودلالة هذا الذي سميناه بفقدان التوازن. الشكل المأساوي للجنون يجعل صاحبه يعاني ويلات المرض، والتي تتضح في مظهره الصحي والجسدي، وبالتالي النفسي والذهني، في المقابل ينفصل بالفعل صاحب الشكل النقدي للجنون عن واقع الناس الطبيعي وخاصة الاجتماعي، الا انه يرتقي بتفكيره الى مستوى عال، ليتمكن من تحصيل معرفة خاصة به ينظر من خلالها الى عالمه الخارجي. اي يمكننا القول ان صاحب الشكل الاول محجوز داخل دائرة الالم، في حين يمكن اعتبار صاحب الشكل النقدي محاصر داخل دائرة لا حدود لها، ومن جانب اخر فان الشكل النقدي الجهة المقابلة  للشكل المأساوي يتميز بمحتواه الايجابي، بالمعنى النقدي والفعالية الفكرية التي توظف ضد كل ما هو مألوف ومهيمن، سواء كان قيما او انظمة او افكارا.  ان الشخص المصاب بهذا النوع من الجنون والذي لا يعتبره (فوكو) مريضا، يضع نفسه واقفا ضد كل ما هو تقليدي وتسلطي في المجتمع، ويدافع عن قيم التغيير والتجديد والابداع. وصاحب هذا النوع من الجنون يعتبر نفسه صاحب قضية ورسالة ، كان يقف ضد البؤس والظلم ويدافع عن الحق وينشر الحقيقة. كان يقول (فوكو)  لنا ان هذا النوع من الجنون يوصف بانه رجلا حكيما وفيلسوفا ونبيا. كونه يتخذ مسارا تصحيحيا في  مجتمع يعيش ازمة قيم انسانية. وهذا ما اكده وادركه من جانبه المفكر الفرنسي (رولان جاكار) حين اعتبر الشخص المجنون هبه او بتعبير اخر مبعوث من الله لتصحيح الاخطاء ومواجهة اللذين يقودون المجتمعات لمسارها الخاطئ. المسرحية تنطلق باعتراف يطلقه ممثل او “مجنون”  يصنف ضمن الشكل النقدي  وفق تصنيف (فوكو)، ومتحديا  بجنونه كل  تعنت السلطة وقسوة الظروف ولايبالي بما سيجنيه  غير انه مقتنع بانه لابد من الوقوف امام كل من خان وباع الارض، ذاك المجنون الذي استرجع في ذاكرته قصة  ” فيكتور جــارا ” 28 سبتمبر 1932- 16 سبتمبر 1973  الثوري  الذي سمي ب حنجرة الثورة، موسيقار ومغني وناشط سياسي يساري الذي تم نقله بعد اعتقاله الى ستاد تشيلي بعد انقلاب جيش تشيلي بقيادة ” بينوشيه” وبدعم من وكالة الاستخبارات الامريكية على سلفادور الليندي اول رئيس شيوعي منتخب ديمقراطيا. قتل ” جارا” وحيث وجدوا اثار (44 ) طلقة في جسده ولم تمت الثورة. المخرج استنجد بذكاء بقصة ذاك الثوري التشيلي الذي ابى ان تصمت حنجرته امام الظلم ورسم صورة وطنه بموسيقاه. المسرحية بطابعا الملحمي تعدى بذلك حدود المكان والزمان؛ فعلى هذا النحو رأى مخرجنا بأن وظيفة المسرح المتمثلة في المعالجة النقدية للمشاكل الحياتية بغية تغييرها، هي السبيل لبلورة شكل درامي خاص يتلاءم والوضع الاجتماعي والسياسي الراهن، ومن هنا تحركت  المسرحيه  باسلوبها الملحمي بنوافذ مفاهيمية لاستيعاب الواقع الاجتماعي والسياسي الذي أصبح من المتعذر في عصرنا حسب رأي “بريخت” أن ننظر إليه نظرة ميتافيزيقية.. فما الإنسان إلا نتاج لبنية فكرية / إديولوجية معينة وجب إدراك القوانين السائدة و المتحكمة فيها والإيمان بإمكانية تغييرها.

عرض مسرحي

وهذا ما حاول العرض المسرحي ان يعالجه من خلال مفردات جدا بسيطة متمثلة بشباك متحرك و مجموعة مصطبات صغيرة يقفون عليها واحيانا يعلقونها  واداة لطبخ الخبز عليها ومعطف يتقاسمه المجانين ورسائل من الماضي. لو نظرنا الى تلك الادوات لوجدنا انها نقطة انطلاق للمثل او للمجتمع  كي يخرجوا من تلك الدائرة المغلقة وينطلقوا لعالم ارحب واكثر انسانية من خلال الشباك الضيق بحثا عن حريتهم وكرامتهم وقوت يومهم متخذين من فكرهم المتحرر المدعوم بنوعية الجنون النقدي نقطة انطلاق. ولكن كيف سيبدؤون؟ ظل هذا السؤال متواجدا طوال مشاهد عدة فهناك رجل حكيم لم نراه ولم يراه الناس في المجتمع حيث ان السلطات عملت على قمع كل من هو حكيم ويفكر بإخلاص، و من استطاع ان ينجوا هاجر، واصبحت البلاد تدار من قبل اناس يتخذون من الالقاب  والمظاهر سبلا لإخفاء ضعفهم  الانتاجي والفكري والاداري. اناس جل اعمالهم مظاهر خلابة و ذات وروح جاهلية. فكان التغريب منفذا اخر امام المجانين، ولكى يحقق المخرج عنصر التغريب في العرض المسرحي، قام بتوظيف عناصر العرض ومفردات الإخراج المختلفة البسيطة توظيفاً جديداً، يعمد إلى تخليص خشبة المسرح من كل ما هو سحري وخدَّاع، حتى لا يدفع الجمهور للانخداع بحيل الإيهام المسرحي، فيغيب وعيه، وتُسلَب إرادته، وتُعَطَّل حاسة النقد لديه. والتغريب هنا هو جعل المألوف غريبا؛ إذ إن التوصل إلى تغريب الحادثة أو الشخصية يعنى فقدانها لكل ما هو بديهي ومألوف وواضح، بالإضافة إلى إثارة الدهشة والفضول بسبب الحادثة نفسها. فمع التغريب يصبح الاعتيادي والمعروف ملفتاً للانتباه ومفاجئاً، والبديهى يصبح غامضاً، كل ذلك من أجل أن تظهر الأمور بشكل أكثر وضوحاً. إذن يسعى التغريب إلى تغيير رؤية المتلقي الاعتيادية للأحداث الدائرة على خشبة المسرح، من أجل خلق علاقة بينهما قوامها التفاعل المتبادل؛ وهذا ما كان يهدف (بريخت) نفسه من وراء الأثر التغريبى في مسرحه إلى إثارة وعى المتلقى بغرابة واقعه الاجتماعي والسياسي وتناقضاته، ومن ثمَّ إثارة رغبته الملحة في تغيير هذا الواقع تغييراً جذرياً حتى يستقيم مرة أخرى. إن احتقار سيزيف للآلهة ونأيه عن الموت وسعيه إلى التمتع بالحياة دفع بالآلهة اليونانية إلى الحكم عليه بحمل صخرة كبيرة إلى أعلى الجبل ومن ثم رميها إلى الأسفل، ومن ثم حملها إلى الأعلى ورميها إلى الأسفل وهكذا دواليك. إذ تؤكد هذه الأسطورة التفات العقل اليوناني الذي اختلقها إلى عبثية الوجود الإنساني، فكل إنسان ما هو إلا سيزيف يحمل صخرة أحلامه وأهدافه ورؤاه وما تنفك عن السقوط، ولا يقنط سيزيف، الإنسان، ومن إعادة الكرة موقنا وراضيا بهذه العبثية وخاضعا لها. “اللاجدوى نقيضة الأمل”? قد تكون الجملة السابقة أبسط جمل كامو في كتابه المعنون “أسطورة سيزيف” وأكثرها تعبيرا عن معنى اللاجدوى، إلا أن العقل الانساني الذي كان قد حطمه (نيتشه) كمركز قبل أعوام، تعرض لصدمة وضعته أمام حقيقة لا مفر منها، وهي حقيقة الحرب الدامية. إن هذا الكم الهائل من الدمار والقتل أفرز حالة من الإيمان بلا جدوى الفعل الإنسان وعبثيته في الحياة، وبذلك ظهر تيار العبث ليؤكد عجز الإنسان عن مواجه قدره العبثي، وعن مواجهة “لامعقولية العالم” كما يعبّر عنها كامو. أن “هذا العالم غير معقول، ولكن اللاجدوى تمكن في مواجهة اللامعقول” فالعالم عند كامو يتأرجح على طرفي نقيض من لا جدوى الفعل من جهة ولا عقلانية العالم من جهة أخرى يبحر كامو في “أسطورة سيزيف” معبّرا عن معنى اللاجدوى، ويضعها موضع العقدة بين العالم والإنسان، فاللاجدوى “تعتمد على الإنسان قدر اعتمادها على هذا العالم، وفي الوقت الحاضر فإن اللاجدوى هي الرابطة الوحيدة بينهما” فهو يرى فوق ذلك أن اللاجدوى هي صفة لا يتصف بها الإنسان وحسب بل حتى العالم المحيط بنا كموجودات بشرية يتصف بها وهي طبيعة متأصلة فيه. “إن اللاجدوى ليست في الإنسان وليست في العالم، وإنما في وجودهما معا، واللاجدوى هي الرابطة الوحيدة التي تجمع بينهما الآن” وهو، أي الإنسان، ليس جاهلا بلا جدوى فعله ووجوده، بل هو مدركها أيما إدراك، وأبرز مثال على ذلك يسوقه كامو، هو أسطورة سيزيف وما فعلت به آلهة الأولمب، كونه حارب الموت وكره الآلهة وسعى إلى الحياة. استدلال المخرج هنا بقصة سيزيف كانه يعيد لنا ما قاله ( كامو) : “ليس هناك سوى جحيم واحد وهو على الأرض” فالكل هنا تحولوا الى سيزيف يبدأ يومه من نقطة وينهي يومه بنفس النقطة. يحملون همومهم ويخرجون للبحث عن حلول لمشاكلهم فيرجعون بهموم اخرى وكأنهم سقطوا مع صخرة سيزيف من قمة الجبل لقاع الوادي. ومن جانب اخر يبدو ان سيزيف المسرحية هنا ما فسره الفيلسوف الأبيقوري “لوكريتيوس″  حين فسر أسطورة سيزيف في القرن الأول قبل الميلاد باعتباره ممثل لشخصية السياسيين الذين يطمحون إلى منصب سياسي ولكن يتم هزيمتهم باستمرار، وهكذا تظل أسطورة سيزيف في الأرض تجسد الفشل والجهد المبذول دون أي طائل أو استفادة .وحتما من يحكمون بهذه العقلية التي نراها سيفشلون ولابد لهموم الشعب ان تنجلي سيزيف هنا في المسرحية  ندركه بكلا الحالتين،  الاولى ما يتم صنعه تجاه الشعب من تهميش وقتل وخطف واهانة من قبل السلطة والثانية ما قدمه ” لوكريتيوس″ من فشل الطبقة الحاكمة في خلق امل للأجيال القادمة كي تعيش بسلام وامن وتحلم بيوم جديد بعيد عن صوت الرصاص والصراخ والتعذيب. سلطة تقوم بتجويع الشعب من ناحية وتأخذ يد الشعب المحتاج لتسرق وتقتل وتفعل كل ما هو بائس وفي الاخير تحكم عليه بالإعدام لأنه من حاجته وعوزه نفذ امر السلطة .. فتظهر السلطة هنا كأنها عادلة لا تحب من يخرج عن القانون ويظهر الشعب المتهم الاول.  فجاء المجانين ليقولو للعقلاء من هذا البلد فيقوا فنحن الوجه الاخر لكم وكفانا صمتا وخوفا من جبروت الحاكم . فما بقي شيء لم يدنس ولم يبقى شيء هنا في هذا الوطن لم يباع بثمن بخس كي يبقوا على سدة الحكم. وكأنهم يعيدون قول  كامو “:الحكومة بطبيعتها ليس لها ضمير، وأحيانا يكون لها سياسة”. مجانين اتخذهم المخرج وغاص في اعماقهم فكشف فيهم الاخلاص والوعي بأمور الحياة بمنظورهم الجنوني فانتقدوا السياسة الحاكمة  فقالوا لقد ولدنا جميعا محملين بإرث إنساني لا خيار لنا فيه. بداية من الأسماء التي اختيرت لنا، مرورا بالعائلة والأقارب والدين، وصولا للجنسية والوطن والمستوى الاجتماعي. ونحن، حين أدركتنا الهزيمة، لم نكن نهرب أو ننسحب من المواجهة. بالعكس، كنا نفعل أكثر الأمور ملحمية. نتحدى مأزقنا الوجودي، بالثورة عليه تارة أو فهم الجدوى من ورائه تارة أخرى. هل كان تحدي عذابنا حماقة؟ ربما! لكن الأحمق مِنه دون شك هو ألا نتحداه، هو أن نقبل بمأزقنا مستسلمين دون أي محاولة مِن جانبنا لتغييره.

خسارة معركة

 مزقتنا المحاولة، خسرنا المعركة، ومزقتنا تجاربنا الشخصية وإرثنا الإنساني وثورتنا إلى أشلاء. ومع ذلك، لم يكن في الإمكان أبدع مما كان. وهكذا نحن كُنا، على طريقة ألبير كامو، نؤمن على ما يبدو بعبثية الوجود، فثُرنا عليه، وحاولنا العيش على طريقتنا، ونعم، قد تقتلنا ملحمية أفكارنا في النهاية ، ولكننا لن نصمت. هكذا قالها الممثلون وهم ( فرست عزت ، محمد عبدالعزيز، عبدالسلام رمضان، هوطر طاهر)، واجادوا قولها في جدلية سياسية اجتماعية، فهم وجِدوا في حالة انفلاق ذاتي وفق مبدأ تفكيك المركب ورغم ذلك ورغم التقارب الزمني والمكاني والاجتماعي بينهم إلا اننا وجدنا ان لغة كل واحد منهم تختلف جذريا عن لغة الاخر من حيث التركيب الشخصي، اما من حيث التركيب الاجتماعي؛ فرغم التفكيك الواضح في البنية الشخصية فان كل من تلك الشخصيات تعتمد في بناءها الدرامي على خلفيته الثقافية وتعتمد ايضا على موقفها وزاوية نظره الى الاحداث، مع انهم كلهم يجتمعون في الاخير حول قضية واحدة ألا وهي قضية الوطن المسلوب من قبل السلطة و من يديرونهم في الخارج. الممثلين في هذه المسرحية كبنية تم اعتمادها وفق المفهوم الفرويدى فقام المخرج بتفكيك الواحد الى مجموعة لكل واحد منهم ( الهو) و ( الانا) و (الانا الاعلى) المشترك، ولكن بتعاقب الفترات والمواقف يتحول المشترك الى مفترق والمفترق الى مشترك  من جديد في صراع بين حالة غريزية لا واعية و حالة تم تعديلها نتيجة تاثير العالم الخارجي فيه تاثيرا مباشرا بواسطة الحس والادراك، وحالة  يعمل دور المراقب الذاتي بمبدأ ضمير اخلاقي ممتلئ بالمحتوى ومحول ليمثل التقاليد والاحكام والقيم، هذا الانفلاق في بنية الشخصية تم استغلالها بشكل سلس و بحرفية تحديدا في تحويل اللحظات وبناء المواقف واستكمال البنى الاساسية لمشاهد متعاقبة تبنى على تراكمات ماضية وتقلبات حاضرة مستعينا بامكانات الممثل و الخطاب المسرحي المتسلسل و الادوات التي تعطي اكثر من دلالة في نسقها الفني والفكري والجمالي كل ذلك في ملحمية بريختيه اجادها العرض المسرحي وقدم الصورة المعبرة لنوعية العلاقة التي يجب ان تكون بين الفرد والوطن. ومستفيدا من مفردة التغريب، والمسرحية اوضحت لنا اولى لحظات و مراحل اغتراب الانسان الانفصال غير الكامل تماما عن موضوعه فمراجعة الذات ونقد الموضوع في علاقة جدل تطورية لا تتم في فراغ وهمي يفصل الذات عن الموضوع. ولا فاعلية لذات ليس لها موضوع، ولا موضوع حقيقي تبرزه علاقة ذاتية غير عادية او منحرفة. اي يمكننا القول ان المسرحية عملت على المشاهد بأدوات بسيطة جدا ولكن لا يمكن توصيل المشاهد الى موقف نقدي متجاوز لاغترابه باندماجه بالحدث الدرامي بل بالاحتفاظ بمسافة الانفصال والرصد والابتعاد النقدي المتفحص.

 ولا نقصد هنا بمشاهد ناقد متخصص في التقنيات الجمالية والفنية للعمل المسرحي، انما هو الموقف النقدي الباعث على التركيز على العلاقات الدرامية التي ترتبط بها  الشخصيات ومن ثم تحليلها وفق رؤية ايديولوجية تقود الى نتائج تغيير وتبديل للأدوار العلاقات  غير الانسانية.  لغة المسرحية التي اطلقتها مشاهدها المبنية على تفكيك الكل وتركيب المفكك تذكرنا ان على سياسي هذا البلد ان  يدرك ان الثقافة والسياسة هي مجموعة من القيم والمعايير السلوكية المتعلقة بالأفراد في علاقاتهم مع السلطة السياسية وهي جزء من الثقافة العامة للمجتمع، فالشعوب تستطيع الصبر على تاجيل احلامها الصغرى لانها تعلم ان ممارسات القمع والظلم لها نهاية  والمسرحية بخطابها الجاد وبناءها المتكامل تطرح فكرة  السيادة وعلاقة الفرد بالوطن وبالسلطة وكيفية ادارة البلد، وهنا يحضرني اسطورة صينية اسمها ( سيد القرود) : اذ كان هناك رجل عجوز يعيش في ولاية ( تشو) الاقطاعية في الصين، وقد استطاع هذا الرجل البقاء على قيد الحياة من خلال احتفاظه بقرود لخدمته، وكان اهالي ( تشو) يسمونه ( جو غونغ) اي سيد القرود كان هذا الرجل العجوز يجمع القرود كل صباح، في ساحته ويأمر اكبرها ان يقودها الى الجبال لجمع الفاكهة من الاجمة والاشجار، كان سيد القرود يفرض على قردته قاعدة، وهي ان يقدم كل قرد منهم عشر ماجمع اليه، وكان يعاقب كل من يتخلف عن الدفع بجله دون رحمة، كانت معاناة القرود عظيمة، ولكنها لم تجرؤ على الشكوى. وفي يوم من الايام سال قرد صغير الرود الاخرينقائلا: هل زرع الرجل العجوز جميع اشجار الفاكهة والاجمة؟ فاجابوه : لا، انها تنمو لوحدها! ثم تسال القرد الصغير فقال ألا نستطيع ان ناخذ الفاكهة دون اذن  من العجوز؟ فاجابوه : نعم نستطيع! فقال القرد الصغير : اذا لماذا نعتمد على الرجل العجوز؟ لماذا علينا ان نخدمه؟ فهمت القرود جميعها ما كان يقصده القرد الصغير، حتى قبل ان ينهي جملته. وفي نفس الليلة وعند ذهاب الرجل العجوز الى فراش نومه، حيث ذهب في سبات عميق. قامت القردة بكسر قضبان اقفاصها جميعها كما انها استولت على الفاكهة التي كان العجوز قد خزنها، واخذتها الى الغابة لم تعد القرود الى العجوز بعد ذلك ابدا.. وفي النهاية مات الرجل العجوز.

هذا ما يفعله السياسي هنا،ولكن بصورة معكوسة فالسياسي تعود على اخذ اللحم والعظم من محلات اللحوم ويذهب بها الى منطقة تزدحم بالكلاب المسعورة فيرمي بينهم اللحم وهو ينظر اليها كيف تتقاتل وتنهش بعضها بعضا في سبيل الحصول على بعض الفتات من ناحية، وايضا ليبينوا لسلطانهم انهم الاوفى لحماية مصالحهم. وكان المسرحية تسال كيف استطاع هؤلاء الحكام ولعقود طويلة دون ان ندرك هشاشة حكمهم الظالم لنا! ودون ان ندرك لاي مدى خدعنا؟ وهذا يذكرنا بما قاله احد الساسة العالميون حين وصف مهنة السياسة وهو ( جيمي كارتر) حين قال في مذكراته : ” ان السياسة هي ثاني اقدم مهنة في التاريخ بعد الدعارة، وتشتركان في اسلوب واحد في التسويق، فكما ان العاهرة تزين نفسها لجذب الزبائن كذلك الحال بالنسبة للسياسي.

 

 

عدد المشـاهدات 245   تاريخ الإضافـة 13/04/2019   رقم المحتوى 28027
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الجمعة 2019/4/26   توقيـت بغداد
تابعنا على