00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  ظواهر سلبية بصورة مظاهر متخلّفة

مقالات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

ظواهر سلبية بصورة مظاهر متخلّفة

لويس إقليمس

 

لا توجد مجتمعات كاملة حدّ الكمال في سلوكياتها، كما لا يمكن الحكم على أخرى بالسلبية القاطعة. فالمجتمعات عمومًا، لا تخلو من مظاهر إيجابية أو سلبية. إلاّ أنّ العبرة تكمن أساسًا في انتقال تلك المجتمعات من حالة السلبية إلى الأفضل في السلوك اليومي ونحو حالة أحسن في التعايش وفي إدارة الحياة اليومية بأفضل السبل الكفيلة عبر الحفاظ على تعاضد النسيج الاجتماعي وتكاتفه. والمجتمعات الأفضل في سلّم الرقيّ هي التي تحمي السلم الأهلي وتحافظ على نظارة البلاد وبيئتها ونظافة مدنها وأحيائها ومؤسساتها وشوارعها، انطلاقًا من السلوك الأسري داخل المنزل، ومرورًا بالمؤسسات التعليمية التي ترسّخ للسلوكيات الصحية الصحيحة وتكمّل ما تكون قد بدأت به الأسرة والعائلة.  بعض هذه المظاهر تصبح مقرفة ومضجرة إلى حدّ التخلّف في أشكالها وأبعادها، خاصّة حين تتحوّل إلى ظواهر سلبية مدانة تخرج عن دارة التمدّن والتحضّر والقاعدة. فالمجتمعات السليمة تبحث عن كلّ ما هو سليم وصحيح ويصبّ في مصلحة البشر في الشارع أو الحي أو المدينة التي يسكن فيها. ولنا في هذا ما تتّسم به دول الغرب المتحضّر من تطبيق لقوانين النظافة والنظام النابعة من شعور المواطن نفسه بنظافة سكنه وشارعه وحيّه ومدينته وبيئته وبتنظيم كلّ متطلبات الحياة. قد نجد مظاهر متخلفة من هذا النوع أو ذاك في هذه البلدان الغربية أيضًا، ولكنّ الأداة الأكثر شيوعًا في إظهار بعض صور شيء كبير من هذه المظاهر المتخلّفة تجدها متأتية من أشخاص غرباء أو قادمين جدد من خلف الأسوار فشلوا في الاندماج في المواطن والمجتمعات الجديدة. والسبب، لكونهم لم يستوعبوا بعد نوع الحياة الجديدة في هذه البلدان التي قدموا إليها سيًّاحًا أو لاجئين أو هاربين من جحيم بلدانهم المتخلفة. ولكن تبقى المظاهر الإيجابية في هذه البلدان المتحضّرة هي الأكثر والأفضل والأكبر حجمًا ونوعًا وتطبيقًا. في بلدي الجريح الذي لم ولن يستطيع لملمة جراحه المثخنة بسهولة، كلّما طرق مسامعي أو وقع أمام ناظري شيءٌ من مظاهر التخلّف التي تشهد لتراجع البلاد والمجتمع إلى الوراء يومًا بعد آخر، أبكي وأتحسّر وأتأوّه لأنّ أحلامي قد طارت برؤية وطنٍ ناهضٍ متحضّر يعيد مجد حضاراته ويرفل بعزّة جبروته ويتمتع بخيراته الكثيرة التي لا ينتفع منها المواطن الصاغر البائس. ليس بيدي حيلة ولا بيد كلّ حالمٍ مثلي بالعيش في بلد آمن يقدّر نعمه ويحافظ على ثرواته ويحمي حدوده، تمامًا مثلما يحترم فيه خيارات الآخر الذي يشاركه العيش والأرض والمصير ويقبل بتعددية المكونات فيه على أساس الاحترام والمساواة والعدل. وبطبيعة الحال، كلّي إيمانٌ وثقة بأنّ المظاهر قد تكون خدّاعة في أحيان كثيرة. لكنّ مظاهر نابعة أصلاً من نوع التخلّف في العيش والسلوك اليومي في الشارع وموقع العمل تعبّر بصورة لا تقبل الشكّ عن طبيعة المجتمع السائدة. كما قد تذكّر هذه بنوعية الفكر وأخلاق العقيدة وطبيعة الذهن والبنيان الشخصي التي يرسو عليها الفرد ويتعامل معها في هذا المجتمع أو ذاك انطلاقًا من هذه مجتمعة. لستُ هنا بصدد اللوم على هذا أو ذاك، فالكلّ معنيون بتخلّف المجتمع أو رقيّه، بتأخرّه أو تقدّمه. وهذه الصفة سلبية كانت أم إيجابية، فهي تعكس صورة المجتمع وفكره وأسلوب حياته.

مظاهر الحواجز العشوائية

اليوم، كلّما وقع بصري على حواجز من أيّ شكلّ كانت وفي أيّ موقع، فهي تعيد لذاكرتي آلامَ مراحل شاقة متعددة في تاريخ بلدي الجريح، وهي تقلبُ عليّ وعلى سواي المواجعَ وتُذكّر بخيبة مستديمة بعدم إمكانية رؤية الضوء الساطع على المدى القصر والمتوسط في نفق الظلام المستديم الذي يعيشه عموم الشعب العراقي. أينما تسير راكبًا أو راجلاً في الشارع والحيّ ومداخل المدن ومخارجها، تتراقص أمام الأعين مثل هذه الحواجز بأشكالها المتعددة والغريبة في عادة الأحيان. فمنها الكتل الكونكريتية التي ماتزال بقاياها ماثلة بالرغم من جهود جهاتٍ حريصة للتخلّص منها في الحملة الأخيرة التي نأمل استكمال رفع وإزالة ما تبقى من مناظرها المقرفة كي تعود نظارة المدن إلى واجهاتها الأصلية الجميلة. أمّا الطامة الكبرى، فهي الحواجز والمطبّات الاصطناعية العشوائية غير النظامية الكثيرة بشكل خرسانة أو فواصل بلاستيكية أو اسطوانات وأواني فارغة أو جذوع الأشجار أو سياجات غير نظامية تراها متراكمة أو مصفوفة على امتداد الشوارع والمحلات والبنايات وفي أحياء المدن، ومنها العاصمة بغداد تحديدًا. فعتبي على الجهات المعنية في أمانة بغداد ودوائرها البلدية وكذا مديريات البلديات في المدن الأخرى، وهي تتعايش مع مثل هذه المظاهر المتخلفة التي أصبحت ظاهرة منتشرة أمام هذه المواقع بصورتها غير الحضارية. فنحن ندرك أن لجوء المواطن إلى استخدام مقتربات الأرصفة وجوانب الشوارع لاستغلالها لفترة من الزمن بركن مركبته مثلاً من أجل قضاء حاجة أو تمشية معاملة في دائرة أو مؤسسة أو محلّ قريب، سببُه يعود لعدم توفر مثل هذه الخدمة الضرورية. ولو توفرت حقًا مواقع لركن السيارات أو كراجات آمنة عامة، لما لجأتُ أنا وغيري من المواطنين لركن سياراتنا في غير المواقع المتاحة.

هل من حلول لمشكلة مواقف السيارات

إنَ من مسؤولية أمانة بغداد ودوائرها البلدية المنتشرة في العاصمة، وكذا دوائر البلديات في المحافظات كافة وإدارات هذه الأخيرة، أن تجد حلولاً شافية لهذه المعضلة المتفاقمة. أمس اضطررتُ لزيارة منطقة الحارثية في الكرخ، وليتني ما فعلتُ! فقد استغرق منّي وقت كثير للوصول إلى مضيّفي وقبلها لإيجاد مكان لركن سيارتي. ومثلها شوارع المنصور والربيعي والكرادة وبغداد الجديدة والأعظمية والشورجة والرشيد وباب المعظم وغيرها ممّا لا أذكر، وهي تعاني من ذات مشكلة الازدحام المروري ومن غياب لمواقف سيارات رصينة. فقد سمح نفرٌ من ضعاف النفوس ومن الشقاوات لأنفسهم بتملّك شوارع واستغلالها لصالحهم لتدرّ عليهم أجورًا يتقاضونها من جراء ركن السيارات على جنبات الشوارع بحجة استئجارها ضمنًا من أمانة بغداد أو من دوائر بلدية في المنطقة أو الحيّ أو من جهة أمنية مشرفة على المنطقة. فيما الجهات المعنية، البلدية منها أو في أجهزة الأمن المعنية، متغاضية عن مثل هذه الظاهرة المدانة ولا تحرّك ساكنًا وكأن لسان حالها يقول: هذا لا يعنيني، أو إنّ ما يحصل يجري بالاتفاق بين أطراف لها مصلحتُها المشتركة مع هذا النفر. هذه حالة أخرى من مظاهر التخلف والاستغلال التي أصبحت هي الأخرى ظاهرة سلبية تطبع عددًا من شوارع وأحياء بغداد والمدن الرئيسة.

 هنا لي السؤال: هل تيسرت فرصة لمسؤول في الدولة العراقية أو مسؤول معنّي بأزمة المرور في الشوارع ليس لرصد هذه الظواهر السلبية والمظاهر غير الحضارية الناجمة عن الزحام القاتل والفوضى القائمة يوميًا والصعوبة في الحركة، بل من أجل التفكير بحلول عاجلة وعدم ترك الأمور تعيش واقع حال مرير؟ وكيف للدوائر البلدية أن تجيز بناء عمارات من دون التفكير بفرض إقامة كراجات داخلية في كلّ مشروع للإسكان أو بناية مخصصة للأغراض التجارية، كما هي حال المولات التي أصبحت ظاهرة لا يُعلى عليها في مجال التسوّق، وكأنّ العراقيين لم يعد لهم غير التسوّق الاستهلاكي الذي يفرغ الجيوب ويكسر الخواطر؟  لم تعد الحالة تُطاق، والضرورة تقضي اتخاذ ما يلزم للتخفيف عن كاهل المواطن وإيجاد البدائل التي تتيح لأصحاب المركبات اللجوء لأماكن تتيح لهم ركن سياراتهم في مواقع مخصصة لهذا الغرض. فهذه من صلب اهتمام أمانة بغداد ودوائرها والدوائر البلدية التابعة للمحافظات. ومثل هذه الخطوة يمكن طرحها كمشاريع للاستثمار بعد تحديد المواقع وتخصيص قطع أراضي قريبة من الشوارع والأحياء المكتظة بالمحلات التجارية المتميزة والمولات المتنامية كالأميبا الزحارية. وكفى تدميرًا لمدننا المسكينة وعاصمتنا الجميلة بالبناء العشوائي وغير المنتظم الذي أصبح “واقع حال” للبعض بحجة الاستثمار هنا وهناك.

فلو قمنا بجولة في مواقع متميزة من العاصمة بغداد تحديدًا، لوجدنا أنّ العديد من المشاريع الاستثمارية التي مُنحت، كانت غير موفقة في المواقع التي تقوم عليها الآن، سواءً من حيث هندسة البناء التجاري الكيفيّ الذي شوّه الطراز البغدادي أو من حيث الموقع الذي لا يصلح أصلاً لمثل هكذا مشاريع تجارية سواءً بسبب إقامتها وسط أحياء سكنية لها طابعُها السكني المعماري والديمغرافي أو بسبب مزاحمتها لمشاريع مماثلة لا تتحمّل أعباء وخدمات إضافية. عسى أن تحظى هذه المناشدة بشيء من الاهتمام والتفكير العاجل بحلول مقبولة.

 

 

 

عدد المشـاهدات 801   تاريخ الإضافـة 14/03/2019   رقم المحتوى 27278
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الثلاثاء 2019/3/26   توقيـت بغداد
تابعنا على