00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
   قراءة في ديوان عبد الجبار الجبوري..  شاعر يعشق على سنّة الحب ورسوله

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

 قراءة في ديوان عبد الجبار الجبوري..  شاعر يعشق على سنّة الحب ورسوله

احمد الحاج جاسم العبيدي

"لا تكسر زجاج الوقت، فينفرط عقد النجوم على صدر الملكة"

"كيف لي أن أخيط لك الظلام عباءة، وأستر عري الكلام"

بهذه المفردات الشعرية يستهل الشاعر عبد الجبار الجبوري ديوانه الأخير الصادر عن دار نون للطباعة والنشر والتوزيع في محافظة نينوى عام 2018. وقد جرى حفل توقيع ديوانه في ملتقى الكتاب بتاريخ 28/6/2018 وقدمه الشاعر والروائي الأستاذ الدكتور نجمان ياسين الذي أشاد بلغة الشاعر وشفافيته وتميزه، ثم عرج على مهاجمة النقاد – وأولهم أنا طبعاً- بعد أن اعتد بمقولة انطوان تشيخوف "أن النقاد كشعرة في ذيل الحصان..." والتي جاءت بعد أن تجاهلوا الصور الفنية في أدب تشيخوف،  فقد سعى النقاد الى خندقة أعماله في خندق واحد باعتباره شاعراً أممياً نهض بالأدب والإنسان على نحو ما يقوله الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسّو، حيث قال: "إنّ القلب ذاته يخفق في كلّ الصدور الإنسانية". طبعا هذه الصورة النمطية التي وُضع فيها تشيخوف قد حدّت من وهج اشعاعه كأديب بالسليقة، وهذا ما دفعه لأن يقول كلمته. يحتوي الديوان على ثمانية عشر قصيدة نثرية طويلة مقسمة الى عناوين فرعية كل واحدة منها تشكل قصيدة قائمة بحد ذاتها. اتبع الجبوري طريقة لم تكن مألوفة سابقا في تنضيدها، فالمتعارف عليه هي الطريقة العمودية في ترتيب الجملة أو العبارة في تشكيل القصيدة النثرية، بينما اتبع الجبوري الشكل ألأفقي ربما لطول قصائده وزحمة مفرداتها الشعرية وتعابيرها المجازية وبلاغتها اللفظية.

العنوان

دائما نجد الشاعر عبد الجبار الجبوري يختار عناوين طويلة نحوياً ومباشرة دلالياً لدواوينه، فقد سبق هذا الديوان كل من "رحيل امرأة اللوتس"، و"البحر ليس اسمي"، و"طواسين ليست للحلاج"، و"تلوح لي بشالها الأبيض"، ولعل أطولها الديوان الذي بين يدينا "أُحبك على سنة الحب ورسوله" والتي وردت الكلمة الأولى بصيغة المنصوب ولا أعلم هل هو خطأ مطبعي أم مقصود، ولكن المفردة "أُحبك" تحتمل الوجهين؛ أي في علامتي النصب والكسر، فالأولى يصنفها النحويون على أنها تخاطب الآخر/ الحبيب بصيغة المذكر سواء كان هذا الحبيب/ الوطن، أم الأنثى، وفي الصيغة الثانية "أُحبكِ" تشير الى كليهما أيضاً الأمة/ الحبيبة الغائبة العنيدة البعيدة المستبدة بغيابها وفراقها، وهناك تكرار غير محبذ في جملة العنوان لفعل الحب، ولو قال الشاعر "أعشقك على سنة الحب"، أو "أهفو بك على سنة الحب" لكان أفضل من إسناد الفعل الى المصدر نفسه. ولكن اذا كان هذا الرأي ضده دلالياً، فهناك آراء تقف معه تداولياً، فالعنوان – برأي علماء اللغة المحدثين – لا يلتزم بقاعدة نحوية أو دلالية، كما لا يلتزم بالترتيب المفرداتي للعبارة أو الجملة، كما لا يراعي الحذف والتكرار، أي أن العنوان لا دين له. كما وهناك حقيقة نقدية تفيد بأن المعنى في قلب الشاعر وله الحرية فيما يقول ويكتب، كما للناقد الحرية فيما يقرأ ويحلل وليس هناك أواصر تقاطعية بينهما. يتخذ الجبوري من الانزياح اللفظي آلية للاشتغال المفرداتي بمصاحبات لغوية مجترحة شعرياً من خلال جمل وعبارات وحتى مفردات شعرية تأتي باسلوب الحوار المفترض أحياناً بين الأنا/ الذات الشاعرة والآخر/ الحبيب الغائب: "قالت خذ رشفة من فمي، وأمررها على شفتيك، ستأخذك النشوى الى جلجلة العذاب". (ص9) واحيانا يوردها بضمير الغائب - العاقل/ هي: "أبصرها ممدة على سرير روحي، وهي تبصرني، أقلب طرفي، فلا أرى، غير صورتها، معلقة على غصن قلبي، وشفاهي يابسة من الظمأ،..." (ص 11). واحيانا بضمير المخاطب المفرد/ أنت: "تعال أيها البعيد، أعد لي بهجة الحرف الذابل على شفتيها، وأعد لسمائه نجمة ضلت الطريق الى قلبي.... تعال تعال، وافتح نوافذ المدى، وأروي لها حكاية المطر،..." (ص 14)? وهنا وصلت المشاعر الى ذروتها فلم ير بد من الجلوس على كرسي الاعتراف: "أعترف لكِ، أن أيامي كلها، تجثو على ركبتيها لتقبل كف نهارك"، ولكن أي نهار هذا الذي يقصده الشاعر؟ "المحمل بالشوق، وأزاهير القبل"، هنا تدوير ضمني محذوف لمفردة النهار قصد منه الشاعر استدراك الحدث الثاني بتفسير المشهد الأول. ثم لما لم يجدِ الاعتراف، كان لا بد من البوح بها للملأ بغرض التعبير عن حجم المعاناة والأسى للذات الشاعرة من جهة، وللتخفيف من حدة التأزم المنسربة بداخلها عبر تقنية التفريغ النفسي، فالبوح لديه قد أصبح فعلاً لازماً لا مفر منه، ولا يحتمل السكوت عنه بعد وصوله درجة النزيف حباً وأسى من أجل الآخر/ الحبيب الغائب المستبد بغيابه:

فجاءت عباراته بضمير المخاطب/ أنتم: "أنا لا أبوح الآن لكم، أنا أنزف أمامكم حباً وأسى جميلاً...". ص14.

عالمية الخطاب الشعري

سعى الجبوري في قصيدته "أوقفتني عند بوابة البحر" الى تشكيل فسيفساء لونية يستمدها من محيطه الايكلوجي ليعبر عن وحدة الحب في الأديان السماوية الثلاث بدأها بالترتيب التعاقبي حسب ظهورها التاريخي على سطح الأرض وهنا تداخل التاريخ في الشعر، وشاعرنا مؤرخ ولديه شهادة عليا في التاريخ لذلك لم تغب عنه هذه الطريقة في الترتيب الأبجدي لفلسفة الحب في الأديان، فتراه: "وقالت لي، رتب لي أيامي، واجعل السبت قمراً يبكي على حائط مبكاه.... وامسك الأحد من ضوء صليبه، وعلقه على حلمة النجمة البعيدة،.... وإقرأ له مزامير داوود، أو رتل له، المجد لله في العلى، وعلى الأرض المسر والسلام، ثم أوقظ الاثنين من نومه،... والثلاثاء يرمق المساء، ويسجد لقبلة السماء..." (ص 12)? وتراه قد عمدها في الماء مساء الأحد، ليكتمل التشكيل اللوني لديه في بيئة عدت على أنها مرجعا لكل الأديان والثقافات، كما شكلت بعمق تاريخها مهدا لكل الحضارات الانسانية، وبذلك نجده قد مرغ أنف العولمة التي سعت الى صدام الحضارات ونقد الأديان والغاء التاريخ والهوية وحتى كرامة الإنسان.

 وجع الآخر/ الغياب

تشير قصائد الجبوري نصيا الى الى أن الحبيب ليس غائباً فقط، وانما مستمداً بغيابه تاركاً أناه تسمر وحدها وتقلب صفحات الليل وتعد نجومه نجمة نجمة: "أهتف لليل تعال معي الى سرير نومها نفلي صباحاتها، ونوقظ أحجار صمتها،... وأركض خلف نجمتها التائهة في عمق الليل،... وها أنا أقلب الليل، صفحة صفحة، وأعد نجومه، نجمة نجمة." (ص 15) مما يثير فيه هذا الآخر من وجع الذات المكابدة في وجع الغياب/ وجع القلب:

"أنظري كيف يلوب قلبي،... وكيف ترحل ذاكرتي نحو سواحل وجهك المطل..."

"قلبي الذي شاب رأسه... ابيضت عيناه من البكا..." ص 106? ثم ينتقل الوجع الى الجسد ككل: "أتعبني هواك،... ينخر جسدي النحيل..." ثم يتطور الوجع الى نبوءة بنهاية حتمية نتيجة هذا الحب: "أعترف أن حبَّكِ قاتلي،... أنا قمرك القتيل..."، ثم تنهي المسألة بإختصار الزمن وحصول الطوفان الكلي/ اليأس: "... ولا سواكِ امرأة تختصر أيامي الحزينة كشالك الأسود، وتمسك يد الظلام في باحة الأسى، ويبدأ الطوفان...". ص 107.

وصف الآخر/ الحبيب

يعمد الشاعر الى تقنية انتقال الشفرة اللغوية بين ظمير المخاطب المؤنث (أنتِ) وبين ظمير الغائب (هي) في عملية وصف الآخر/ الحبيب:

"لا لستِ أنتِ من يطفئ حرائق الحرف،... أنتِ من يشعلها،... وحدكِ في هذا الكون إمرأة والباقي نساء" ص 19? وفي عملية الإنتقال الى ضمير الغائب يشير الجبوري في قصائده الى عملية حوار افتراضي وكأنه يجيب على سؤال المتلقي في حوار ضمني بالشكل الآتي:

من هي التي تكتب لها كل هذه القصائد؟

هي حبيبتي.

من هي؟

"هي الوحيدة التي تقرأ شعري، وتكتب قصائدي، وتمشط شعر أيامي، وتغسل بضوء شفاهها جسد همومي..." ص 19? كما "أنها خُلِقت من ضلع قلبي،..." ص 20. ونظراً لجمالها الفاره فهو مستعد حتى للموت فداء لها:

"أموت – فدوة – لتلك القامة الفارهة، والشفاه المجنونة... والشعر المنسدل على كتف الظلام..." ص30? وهنا يستخدم الشاعر مفردة عامية ويقحمها في سياق الحال ويحالفه النجاح في توليفها سياقياً بخلاف بعض المفردات التي اقحمها الشاعر في قصائد أخرى ولكنه ربما لم يكن موفقاً بها.

التناص والاغتراب

تشير تقنية التناصُّ الى عملية ربط ألنصِّ بنص سابق، قد يستعمل جزءًا من ذلك النص السابق، وقد يشير إليه مباشرة أو قد يلمِّح له، ويعد وسيلة لإثراء النصِّ بفتحه على نصوص أخرى. ويرد التناص في أغلب الحالات بشكل عفوي نتيجة الخزين التراكمي للقراءات المتعددة للكاتب، أو بشكل متعمد لنصوص أخرى قريبة منه، أو متأثر بها. وقد ورد التناص في ديوان الشاعر عبد الجبار الجبوري في قصيدة (ليت الفتى حجر.. يا ليتني حجر) ص 42-43 بشكل متعمد يتضح هذا من خلال الأقواس المحيطة بالعبارة المتناصة. يقول في قصيدته:

"أدس في جيب الظلام، نشيد الحجر، وأقول للغيث لا تنتظر، أبحرت مراكبي الى ضفاف مغلولة اليدين،... تصيح للريح تعال، وتسرج على صهوة الغيم المطر، (يا ليت الفتى حجر.. يا ليتني حجر)، أنا صريع الشفاه، أنتظر السماح من يدها، وأحتمي بظل قبلةٍ، علَّ الرياح تمسك القمر،... ليت الفتى قمر، كي يضيئ لها، سهولا لا ترى، وجبالا لا تطال، وعشبة تخضوضر على شفتيه وحده،..."

وقد اقتبس العنوان من متن قصيدة للشاعرة الدكتورة بشرى البستاني بعنوان "موسيقى عراقية" والتي استلهمت بدورها العنوان من قصيدة لمحمود درويش بعنوان "موسيقى عربية"، تقول البستاني في قصيدتها:

ليت الفتى حجر

يا ليتني حجر

التمُّ حين شظايا الدهر تنهمر

التمُّ حين تلوح الأرضُ

ساقية شوهاء

ينشج في أطرافها الشجر  

(مكابدات الشجر: بغداد/ 2002ص 47

وقد استعارت البستاني هذا المقطع من بيت للشاعر العربي القديم تميم بن مقبل:

ما أطيبَ العيشَ لو أن الفتى حجرٌ              تنبو الحوادثُ عنهُ وَهْوَ ملمومُ

ولكن لماذا تميم بن مقبل؟

تزوج ابن مقبل زوجة أبيه الدهماء أيام الجاهلية، فجاء الإسلام وفرق بينهما، وقد تعلق تميم بالدهماء وبكى فراقها شعراً، ومما قاله فيها:

أناظر  الوصل  أم  غاد   فمصروم         أم  كل  دينك  من  دهماء   مغروم

أم ما تذكر  من  دهماء  إذ  طلعت         نجدي  مريع  وقد  شاب   المقاديم

هل عاشق نال من  دهماء  حاجته         في  الجاهلية  قبل  الدين   مرحوم

إن ينقص الدهر مني فالفتى غرض         للدهر  من   عوده   واف   ومثلوم

وإن  يكن  ذاك  مقدارا  أصبت   به         فسيرة    الدهر    تعويج    وتقويم

ما أطيب العيش لو أن الفتى  حجر         تنبو  الحوادث  عنه  وهو   ملموم

والأداة (لو) هنا تشير الى أمنية راودت ابن مقبل بعد أن شعر بالاغتراب من الوضع الاجتماعي الذي أصبح فيه، فقد عرف عنه الحنين الى مجتمع الجاهلية والى زوجته الدهماء التي احبها كثيراً، فأمسى يعاني من الاغتراب السيسيلوجي ثنائي القطب؛ الأول فقد الحبيبة القريبة اللطيفة، والثاني فقد التوازن الايكولوجي الذي نشأ فيه واعتاد عليه مدة طويلة من الزمن وبدى كمن هو مغلوب على أمره. ولكن ما الذي تفقده بشرى البستاني في قصيدتها المتناصة "موسيقى عراقية"، وما الذي فقده الجبوري لينشد ليت التمني؟

لقد فقدت الشاعرة وطنها وتاريخها وأرضها وصيرورتها الايكلوجية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وما رافقه من ويلات جرت على المجتمع، فأصبحت نزعة التمني هي النزعة الوحيدة الناتئة التي تعبر عن حالة الاغتراب السيسيوبولتيكي للذات الشاعرة عبرت عنه بمجموعة من القصائد في ديوانيها "مكابدات الشجر"، و"اندلسيات لجروح العراق"، والتي كانت تعبر عن مكابدات وجروح بشرى البستاني نفسها، أما الجبوري فهو الآخر مكلوم بحبيبته التي تمثل صيرورته، والصيرورة تتثمل في وطنه الضائع فالحبيبة هي الأُمةُ وهي والوطن وهي الكينونة التي تحيا بها ألأنا داخل التكوين الايكلوجي للمجتمع ككل.

فقد كتب جميع قصائده في الديوان الذي بين أيدينا وغيره من الدواويين الأخرى خارج أرض الوطن، بعد أن غادر عائلته ومسكنه ورفاق صباه في رحلة كانت محفوفة بالمخاطر لينتهي به المطاف في أرض المهجر، ليس له رفيق الا الشعر والقرطاس والقلم. ولكن اذا كانت ارض المهجر تزودنا بشعر عذب وكلمات شفافة وبوح وتعلق بالحبيب/ الوطن فدعنا يوميا نغترب، فالقول ما قاله أبو تمام:

ولمْ تعطني الأيامُ نوماً مسكناً ... أَلَذُّ بهِ إلاَّ بنَوْمٍ مُشَرَّدِ

وطولُ مقامِ المرءِ في الحي مخلقُ ... لديباجتيهِ فاغتربَ تتجددِ

فإني رأيْتُ الشَّمسَ زيدتْ مَحَبَّة ً... إلى النَّاس أَن ليْسَتْ عليهمْ بِسرْمَدِ

خاتمة

خلاصة الكلام لا بد أن نشير هنا الى أن الجبوري قد شكل لنا في ديوانه الذي بين أيدينا لوحة بانورامية للحب/ الغياب حبلى بالمفردات والعبارات الشفافة والرومانسية تثير مكامن النفس تجاه فعل الحب أفضل شعور حمله الانسان ليقف به على النقيض من فعل الحرب أسوأ فعل نتج عن عبث هذا الإنسان بذاته. لذلك فقد عمد الشاعر الى الرقي بالمشاعر الإنسانية ليضعها في مواقع متقدمة في سجل الثقافة والأدب والمعرفة الإنسانية

عدد المشـاهدات 761   تاريخ الإضافـة 11/02/2019   رقم المحتوى 26257
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الإثنين 2019/8/19   توقيـت بغداد
تابعنا على