00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  أحاسيس

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

قصة قصيرة

أحاسيس

سرحان الركابي

لا ادري لما لا ارى الاشياء على حقيقتها من اول وهلة ، مع انها موجودة بكامل هيئتها من اول نظرة ، وكل شيء حولي يبدأ مختلفا او صغيرا او مختفيا عن ناظري ثم يظهر فجأة ، الاشياء الصغيرة التي اراها ، ليس بالضرورة ان تكون صغيرة في الحجم و الوزن ، فقد تكون صغيرة في التأثير واثارة الانتباه وما تتركه من انطباع في النفس ، فثمة اشياء تبدو على غير حقيقتها في بداية ظهورها ، ثم تبدأ بالتشكل على هيئة جديدة او حجم مختلف ، وكأنها كبرت او تحولت الى اشياء باهرة وساطعة في حضورها ووجودها ، ولكن الغريب وبعد مرور فترة زمنية معينة ، انسى البدايات في اغلب الاحيان ، فلا اكاد اصدق ، ان تلك النجمة الكبيرة المضيئة في سماء العالم كانت عبارة عن نيزك صغير وتافه ، ولا يكاد يهتم لامره احد ، فاتعامل على هذا الاساس مع الواقع كما هو ، اذ ليس بمقدوري ان اعيد تشكيل العالم حسب مزاجي ، فاحاسيسي المصممة في داخل جسدي هي التي تقودني وهي التي توجهني نحو الاشياء التي ارغبها او تلك التي انفر منها ، وبما ان هذه الاحاسيس على تماس مباشر مع العالم الذي يحيط بي ، فغالبا مع كنت ارى ذلك العالم معكوسا فوق مرايا مهشمة ومشطورة ، وانا اتحدث هنا عن الاحاسيس وليس عن الحواس ، فالحواس هي مجسات كبيرة او تلسكوبات هائلة تلتقط اعقد الاشياء واصعبها ، ومن خلالها ناخذ صورة كاملة عن العالم ، الفرق بين الحواس والاحاسيس كالفرق بين الة التصوير ( الكاميرا ) وشريط السينما الذي تسجله تلك الالة ، فالحواس هي الكاميرا ، والاحاسيس هي الشريط الذي سجلته تلك الكاميرا ،

. لكن من يدري ؟ فربما نحن مخدوعون حينما نصدق تلك الحواس وما ترسمه لنا من مشاعر ومدارك ومعارف وصور ، اذ ان الفرق بين الوهم والحقيقة خاضع لمجسات تلك الحواس نفسها ، واذا اردنا ان نفرز الحقيقة عن الوهم ونميز بينهما ، فعلينا اللجوء الى تلك الحواس نفسها ، وهنا المشكلة ، فنحن والحالة هذه ، كأننا نقف امام قاضي ليحكم لنا و علينا ، وهذا القاضي هو الخصم وهو الحكم نقسه ، وعلى مقولة انت الخصم وانت الجكم ،

. من منا يستطيع ان يغوص خلف غموض هذا العالم دون الاعتماد على حواسه ، وقدراته الحدسية ؟ تلك الحواس التي تشعل فينا احاسيس وصور مختلفة عن الاشياء التي نتعامل معها ، كاختلاف العالم المتشعب والمنبسط والمقعر ، حتى ليبدو ان تلك الاحاسيس هي ترجمة لاشياء العالم وموجوداته المتنوعة

. اقول هذا وانا اتحدث عن زميلتي التي تجلس بجانبي في كل يوم على نفس المنضدة ، وتعمل معي وتحت امرتي ولا تخالف لي امرا ، وكانني قدر مقدر ، ومكتوب عليها ان تستسلم لهذا القدر طواعية وعن طيب خاطر ، كنت ارى وجهها الطافح بالاصباغ الفاقعة في الصباح الباكر فاشعر بالغثيان وافقد شهيتي للاكل تماما ، فحالما اراها ، ترتسم لي صورة لكائن او جنس ثالث غريب الاطوار ، وجنتاها منتفختان ، و ثمة شبه كبير بين تلك الانتفاخة البارزة في وجهها وبين تلك الشرائح اللحمية المعدة للطهي والتي غالبا ما اراها في المطاعم ، انها متورمة وليست ناضجة ، ولذلك صرت اتعمد تناول فطوري في البيت قبل المجيء الى الدائرة ، وحينما تدعوني لتناول الفطور معها صرت اختلق الحجج والاعذار كي افر بجلدي من هذا المهرجان الصباحي المقرف ، وكانت عيناها كبيرتين بحيث تبدوان لي مثل عيني كائن مذعور وهارب من مصير موحش ، وحينما كان الناس يزدحمون حولي من اجل مراجعة سجلاتهم ومنحهم تواقيع تثبت صحة سجلاتهم كانت تقف الى جانبي لمساعدتي ، وتوفر لي كل شيء حتى الاشياء التي لم اطلبها منها ، لكنها ما ان ترتكب خطأ بسيطا حتى انهال عليها بالعقاب الصارم والتوبيخ القاسي وسط ذهول الناس وحيرتهم حتى ظن البعض من الناس انها زوجتي

. حينما تقترب مني مستغلة فرصة الزحام في العمل اشعر بطرف فخذها وهو يحتك بساعدي الايمن ، لا ادري ما اذا كانت هذه الحركة بريئة وغير مقصودة ام انها تتعمد هذا الامر وتخطط له بقصد وسوء نية ، في تلك اللحظات لم اكن اتخيل كيف تبدو ملامح وجهها ، ورعشة جسدها الذي تفوح منه رائحة تذكرني برائحة امي حينما كنت اندس بين احضانها بجسدي فاغوص في عالم آمن ودافيء ، بل كنت اتخيل فقط تلك الانتفاخة الفاقعة والمقززة وهي تقترب مني وتحتك بساعدي ، واحمد الله ساعتها اني تناولت فطوري في البيت ولم تعد بي حاجة الى الاكل ، وحينها اشعر بمصارين بطني وهي تصدر اصواتا غريبة ، وكأن معارك طاحنة تدور هناك في الداخل ، بينما هنا في الخارج اجد نفسي وقد شعرت بالاختناق والغثيان ، اذ ليس اصعب من ان تجبر نفسك على التغاضي عن احساسك بالضيق وان تفتعل ابتسامة بلهاء على وجهك كي لا يشعر زميلك بانه يسبب لك ضيقا وحرجا ، انها احاسيس تنبعث في داخلي ولا اعرف مصدرها او كنهها او سببها

. وعلى الرغم من ذلك وفي مرات كثيرة ، كنت ارى بعض الموظفين والزبائن وهم يتوددون الى زميلتي ، ويحاولون التقرب منها او افتعال الاحاديث الجانبية معها ، وحينها اشعر انهم عبارة عن اناس متبلدي المشاعر ، او انهم لا يمتلكون مشاعر اصلا ، وبوصلة اذواقهم منحرفة ، او انها عاطلة عن العمل تماما ، ولذلك لم يعودوا قادرين على التمييز بين ما يسر النظر ويبهج الخاطر وبين ما يسد النفس ويفقدها شهيتها للاكل .

وفي احيان اخرى كنت اعذر هؤلاء الناس الذين يتوددون الى زميلتي ، والى كل النساء اللواتي تصادفهم في كل الامكنة ، واعتقد ان مشاعرهم ليست متبلدة الى الحد الذي بالغت في وصفه ، وربما استطيع اعزو سبب نفوري من النساء لتجربتي الفاشلة في الزواج ، فأنا احب السهر والعزلة والتدخين ، وكنت احلم بزوجة جميلة مطيعة وذكية وتشبه الجارية تماما ، تلبي كل طلباتي دون ان تفتح فمها بكلمة واحدة ، لكن زوجتي بدلا من ذلك كانت تخطط لتاسيس اسرة كبيرة ، واقامة بيت دائم ، ورباط زوجية لافكاك منه ، لذلك كانت تعمل في البيت ليل نهار ، تطبخ وتمسح ، وتسقي الحديقة وتغسل الافرشة والبطانيات ، واحيانا تغسل ملابسي مرتين قبل ان ارتديها مرة واحدة على الاقل ، وفي المساء تشعر بالتعب والارهاق الشديد فتنام بعد مغيب الشمس مباشرة ، حتى دون ان تنظر الى عقارب الساعة المعلقة على الجدار ، وحينما اعود من سهراتي اجد البيت فارغا ، يخيم عليه الصمت ولا يبدد صمته سوى صوت شخير زوجتي المدوي ، وجسدها المرمي في الصالة مثل جثة هامدة ، لذلك افترقنا ولم اعد افكر بالزواج ابدا ،

. في صباح ما ، لم اعد اتذكره ، شعرت باحساس مختلف عما كنت احسه تجاه زميلتي ، لم اكن اصدق ان ثمة احساس جميل ولذة تسري في عروقي مع هذه المخلوقة الغريبة ، حينما لامستني بفخذها ، ومسدتني رائحة جسدها الزكية .، لقد مرت سريعا وهي تحمل حزمة من الاوراق ، وتمنيت ان يطول مقامها على هذه الحال ، لم تتغير نظرتي تجاهها ، مازالت في نظري امراة قبيحة الشكل تلطخ وجهها مساحيق التجميل والاصباغ الفاقعة ، لكن احساسي فقط تغير ، صرت اشعر بالنشوة حينما تقترب مني ، لكنها كانت تؤدي عملها دون اكتراث ، وابتعدت وهي تبحث عن بعض السجلات التي طلبتها منها ، كانت تريد ان تعرف نوع السجلات التي طلبتها منها فلاحت منها نظرة عابرة تجاهي ، انحنت بجسدها الرشيق والفاتن نحو الاسفل ، فتدلى شعرها الاسود وغطى نصف وجهها ، وبانت عيناها من خلف شعرها الذي انحدر نحو الاسفل ، فبزغت واشرقت مثل نجمتين متلألئتين وهاربتين خلف غيوم كثيفة ، تساءلت في نفسي ، من اين لها هذه الهيئة الانثوية الساحرة ، يالها من شيطانة ، كانها ابدلت جلدها المقرف ولبست جلدا جديدا ناعم الملمس ، ذكرتني تلك النظرة الساحرة بلقطات الدعاية السينمائية ، لقطات الاغراء والفتنة ، ولم اعد اثق بحواسي ، وصرت اشك اننا قادرون على التقاط صورة حقيقية للاشياء التي تحيط بنا ، وغاصت بي الاسئلة مثل فيلسوف يقف امام محراب معضلة معرفية تعترض طريق بنيانه الفلسلفي ،وكان ديكارت حاول ان يجيب عن هذا السؤال ، اراد ان ينهي الشك الذي يحيط بحواسنا وان يمنحها الثقة الكاملة بتلك الحواس ، وان كل ما تقوله حواسنا ليس وهما ، فقال قولته الشهيرة ، انا افكر اذن انا موجود ، وربما يحق لي ان اقول بناءا على ما قاله ديكارت ، انا اشعر اذن انا موجود ، اذ ليس من المعقول ان تكون حواسي تمارس معي الخداع الى هذا الحد الذي تصور لي تلك المخلوقة الغريبة والقبيحة وهي بهذه الفتنة والجمال

. بعد فترة الاستراحة رايتها تذهب الى غرفة مجاورة لغرفتنا ، وهناك خرجت مع احد الزملاء و تناولت معه الفطور ، كانا مبتسمان وسعيدان .، بينما كان صوت شخير زوجتي وتأوهات امي وهي تتالم من نوبات الالم الليلي ، ترن في اذاني

. في صباح اليوم التالي جئت الى الدوام متاخرا ، وكانت زميلتي تجلس في نفس المكان الذي اعتدنا ان نجلس فيه سوية ، بدت لي انيقة ووادعة في جلستها ، لم ادخل مباشرة الى الغرفة وانما وقفت في الباب وتطلعت في وجهها ، فوجئت حينما اكتشفت ان وجهها مدور بشكل لطيف ، وانفها دقيق ومنسجم مع استدارة وجهها ، لم اشاهد ذلك الانتفاخ المقزز الذي يشبه شرائح اللحم المشوية ، وبدلا من ذلك رأيت خدين متوردين تكسوهما حمرة خفيفة ، كان وجهها مشعا ونضرا ، و تلك الحمرة الخفيفة تزيدها فتنة وسحرا ، وتحت عينيها ثمة هالة تشبه تدرجا لونيا او حزمة طيق ضوئي جميل واخاذ . نظرت نظرة عميقة الى زميلتي ، واعدت النظر اليها ، كأنها ليست هي ، على الرغم من انها هي نفسها ، ولم يتغير فيها شيء على الاطلاق ، لكن هكذا انا على الدوام ، لا ارى الاشياء على حقيقتها من اول وهلة ، رغم انها موجودة على هيئتها هذه من اول نظرة ، وكان الانتفاخ المقزز على وجهها عبارة عن وجنة متوردة يكسوهها طيف لوني مائل الى الحمرة يزيد من بهاء وجهها ، وكانت عيناها مشرقتين وهما محاطتان بهالة لونية اخاذة ومائلة الى السمار ،

، لم اعد اتناول فطوري في البيت ، على امل ان نفطر سوية ، انا وزميلتي ، لكن وفي كل مرة اصل فاكتشف ان زميلي الاخر قد سبقني اليها ، وظلت تتناول فطورها في كل صباح مع زميلها ، بينما اجلس انا وحيدا ونائيا واكل بعدم شهية حتى ذبل لوني وشحب وجهي

. ذات صباح وصلت الى الدوام مبكرا ، وسلمت على زميلتي بحرارة ، وقد ذهبت تلك التقاطيع القاسية التي كنت ارسمها على وجهي حينما اتحدث معها ، وبدلا من ذلك ، صرت انسانا ودودا وعطوفا معها ، لكنها لم تعرني انتباها ، وقد تغير لون وجهها حينما طلبت منها ان نفطر سوية ، ثم اعتذرت بكل لطف وادب وقالت انها تناولت فطورها في البيت ، لا اعرف ما اذا كان عذرا وتهربا منها ام انها فعلا باتت تتناول فطورها في البيت ، واذا كانت فعلا باتت تتناول فطورها في البيت كما تقول ، فماذا يعني هذا ؟ ايعقل مثلا انها ........ لا لا من غير المعقول ان يكون هذا . رباه ، ما هذا الجحيم الذي اخوض فيه ؟ واي مشاعر واحاسيس متقلبة هذه التي نمتلكها نحن البشر ؟ ، ربما بات منظري يسبب لها قرفا ويسد شهيتها كما كانت تسد شهيتي ؟ راودني هذا الهاجس الغريب على حين غفلة ، فاسرعت نحو المرآة لارى وجهي ومنظري ، وهناك رايت ما لم اصدقه ، وما لم اره من قبل في ملامحي ، كان وجهي منتفخا ، وتلك الانتفاخة تشبه شرائح اللحم المعدة للطهي ، انها تشبهها تماما ، وعيناي غائرتان خلف محجرين متكهفين ، وانفي طويل ، وتساقط شعر راسي فصارت هامتي صلعاء وحواجبي منتوفة مثل ريش طائر غريب ،

وعندما جلست فوق المنضدة ادرت وجهي عن زميلتي ، التفت الي ، ارادت ان تعرف ماذا حل بي ، لكني ابتعدت عنها بوجهي ، تمنيت ان اخفي وجهي عنها ، لم ارغب ان تراني وانا على هذه الحال ، المسكينة ربما كانت تجاملني وتتحمل من اجلي الكثير ، فكم كنت اسبب لها ضيقا وحرجا ، لكن يبدو انها كانت تبتسم لي مراعاتا لمشاعري ، يالها من فتاة لطيفة وجميلة وخلوقة ، ويالي من زميل صفيق ومعتوه وقبيح ومغرور ، لكن هل كانت تبتسم لي مراعاتا لمشاعري ام ان ابتسامتها حقيقية وليست مفتعلة ؟ وهل كانت قبيحة الى تلك الدرجة التي تسبب لي قرفا واشمئزازا ام انني انا القبيح والمقرف ، ترى كيف استطيع ان اعرف الحقيقة ، هل من خلال احاسيسي المتقلبة فقط ام ان ثمة اشياء اخرى نستطيع ان نحتكم اليها لنعرف الحقيقة ؟

 

عدد المشـاهدات 176   تاريخ الإضافـة 09/02/2019   رقم المحتوى 26155
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
السبت 2019/2/23   توقيـت بغداد
تابعنا على