00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  رسالة إلى ولدي وحفيدي

مقالات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

رسالة إلى ولدي وحفيدي

 

عبد المحسن عباس الوائلي

 

 

كتبت قبل هذا اكثر من مقال بخصوص الاولاد والاحفاد واعلم مسبقا ان هذا الجيل ويا اسفي الشديد قليل الالتزام قليل السمع قليل الطاعة متمردا على اعراف عديدة ويرجع سبب ذلك ان الذي يقرأ منهم يقرأ فقط واجباته المدرسية وليس في فكرة اي شيء غير انه ينجح بالدروس ويحصل على وظيفة هذه قمة طموحه وبعدها يلجئ للكماليات وينسى حتى ما قرأ من دروسه وكأنه حقق المستحيل فلم يكن بباله خدمة ابويه وجديه ان بقيا على قيد الحياة ليرد جزء من وفائهم ولا يهتم بشؤون وطنه وابناء وطنه ان لم اقل بالإنسانية ولدي وكل اولاد وطني هم أولادي وكل احفادهم هم احفادي وهذه مسؤولية الكلمة يجب ان اقولها عن نفسي ومثلي الكثيرون وكما قال احد الشعراء:

أحن اليكم حنين الصغار.. ومثلي كثيرون خلف الجدار.

لذا اقول مخاطبا ولدي وكل اولادي. يا بني اشد ما يؤسفني ما ارى في جيلكم من افراط في اللهو، كما كان يؤلمني ما كنت ارى في جيلنا من افراط في الجد، لقد عشت انا في جيل كان اكثر طلبته لايعرفون الا بيوتهم ودروسهم وكتبهم. فاذا اراد احدهم ان يلهو وطاوعته ماليته، ذهب لزيارة مراقد احد الائمة (عليهم السلام) أو زيارة رحمة قربة الى الله تعالى وشوقا اليهم. واذا قرأ مجلات او جرائد فمجلات جادة وجرائد وطنية، واذا عرف فتاة فقريبته تزور بيته مع امها، او يزور بيتها مع اهله، واذا اجتمع الطلبة وارادوا ان يتسلوا تنادروا على كتبهم ودروسهم، وقد يتنادرون –في ادب- على اساتذتهم. وعشت انت في جيل لايشبه الجيل القديم في شيء، عماده الحرية المطلقة وقلة الشعور بالمسؤولية، والنظر الى اللذائذ المادية على انها غاية الغايات، ينظرون الى الكتب والدرس والاساتذة على انها دواء مر يتعاطى للضرورة، والضرورة هي الشهادة فالوظيفة. ولاحساسكم بمرارتها ترحبون بكل ما يريحكم منها من اضراب واعتصام ومطالبة بطول اجازات ونحو ذلك. واذا قرأتم شيئا بجانب دروسكم قرأتم الكتب الرخيصة والمجلات الوضيعة التي تلهب الغرائز، وتقوى الشهوات، وتضعف الذكاء، وتبلد العقل، وفي كل يوم سينما أو تمثيل، وفي كل ساعة تليفون يرن لكم أو يرن منكم لمقابل لاهية او محادثة عابثة.

انقباض النفس

يا ولدي.. لقد غلونا في جدنا وغلوتم في هزلكم.. غلونا في جسدنا اكتأبت نفوسنا، وانقبضت صدورنا، ولم تتفتح للحياة كما يجب، ولم نبتهج لها كما ينبغي. وغلوتم في هزلكم حتى صرتم كالشيء التافه لاطعم له، وكالماء الفاتر لا ساخن ولا بارد.. وحتى صرتم شيئا رخوا ينكسر لادنى ملامسة او هشيما تذروه الرياح. ويوم يجد الجد وتظهر المصاعب فتتطلب حمل المسؤولية، نجد لكم ايديا مسترخية، وقلوبا متخاذلة، وارادات واهية، اضعفتها كثرة الطلب للذة، وقلة التعود لمواجهة المصاعب وحب الترف والنعيم.

من اجل هذا كثرت –مع الاسف- ضحاياكم، وعدت بالألوف صرعاكم. لا امل فيهم، ولا خير يرجى منهم، اصبحوا جثثا تتحرك كالأشباح، ومواد محطمة بل ارواح. اضاعوا صحتهم، واتلفوا مالهم، وخربوا نفوسهم، وجنوا على اسرتهم وامتهم. وهؤلاء صرعى الحب البائس أو الحب اليائس، او النزوة الوقتية من غير تقدير للمسؤولية.. الى غير ذلك من صرعى اللذات، وكلهم في الهم سواء. قد جرهم الى هذا الوبال ان رأوا بعض زملائهم ذوي المكانة –لسبب ما- قد استهتروا فقلدوهم، وتوالت على سمعهم ان الدنيا لذة فوجهوا اليها كل قوتهم. ورأى هؤلاء القادة انهم قد ضلوا، فأحبوا ان يشركوا معهم غيرهم فأضلوا.

ياقطعة كبدي.. لست اريدك ان تكون راهبا، فقد خلقت انسانا لا ملكا فلتكن انسان له ملذاته وشهواته في حدود عقله ومنفعة امته. والقرآن يقول "قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطبيبات من الرزق". –اريدك ان تفهم معنى اللذة في حدودها الواسعة لا الضيقة.. ان للذة درجات كدرجات السلم اخذة في الصعود، فأسفل درجاتها لذة الاكل والشرب واللباس وما الى ذلك. ومن غريب امر هذه اللذة انها تفقد قيمتها بعد الاستمتاع بقليل منها، فلكل انسان طاقة من هذه اللذة يقف عندها، فاذا تعداها انقلبت الما. ثم هي ليست مرادفة للسعادة، فكثير ممن يأكلون الاكل الفاخر، ويلبسون اللباس الانيق، ويسكنون القصور الفخمة، هم مع ذلك اشقياء.. فسعادتهم انما هي في نظر غيرهم لا في نظر انفسهم، ولو كانت هذه اللذة هي السعادة لكان هؤلاء اسعد الناس دائما. ثم هذه اللذائذ قيمتها في الاعتدال فيها، وعدم التهافت على كسبها.

ان شئت فأحسب حساب من افرط فيها في فترة قصيرة من الزمن ثم فقد صحته، فلم يعد يستطيع ان يتابع لذته، وحساب من اعتدل فطال زمن لذته مضافا الى لذته من صحته.  وارقى من هذه درجة لذة العلم والبحث والقراءة والدرس.. فهذه لذة العقل وتلك لذة الجسم، وهذه اطول زمنا واقل مؤنة وابعد عن المنافسة والمزاحمة والتقاتل والتكالب، وصاحبها اقل عرضة لتلف النفس وضياع الصحة. وان اردت الدليل على انها ارقى من اللذائذ، فأسال من جرب اللذتين، ومارس النوعين، تجد العالم الباحث والفنان الماهر والفيلسوف المتعمق لا يهمهم مأكلهم وملبسهم بقدر ما تهمهم لذتهم من بحثهم وفنهم وتفكيرهم.

وارقى من هذه وتلك لذة وهب نفسه لخدمة مبدأ يسعى لتحقيقه، او فكرة انسانية يجاهد في اعلانها واعتناقها، او اصلاح لداء اجتماعي يبذل جهده للقضاء عليه.. فهذه هي السعادة ولو مع الفقر، ولكن لا يصل الى هذه الدرجة من اللذة الا من رقى حسه وسمت نفسه.

يانور عيني.. انك خلقت انسانا ذا جسم وعقل وروح، وقد ربيت فنما جسمك وثقفت فنما عقلك، وارجوا ان يكون قد صادفك في بيئتك ما نما روحك. ولكل من هذه العناصر الثلاثة غذاؤه، ولكل لذته.. ولذة اللذائذ ان تستطيع ان تمد العناصر الثلاثة بغذائها ولذاتها من غير ان يطغى عنصر على غيره، فيختل التوازن، ويضيع التعادل.

يا حياتي.. طالما دعوت ربي جاهدا ان يجبنك الزلل، ويقيك شر اصدقاء السوء، ويمنحك من قوة الارادة ما تتقى به شر المغريات المغويات، وان يهيدك الصراط المستقيم.

وبعد هذا ياولدي اني اعرف جيدا كيف يكون تفكير الكثيرون.. ودعني اتحدث لك عن الوالدون والاولاد بكل صدق متمنيا ان يأخذ به بصورة جدية لأنه تجربة صادقة عشتها وبعدها اتحدث لك عن مراحل العمر كما يراها مفكرون كبار علمهم الله الشيء الكثير فأن الله ارسل كتبه ورسله وانبيائه لخدمة الانسانية واصلاحها فظهر فيها المتعلم والجاهل المتدين والمؤمن حقا والضال والعياذ بالله وان مراحل عمر الانسان تبدأ من الثالثة والعشرين سنة وما قبلها طفولة ودراسة لاتحسب وابدأ بالقول فأقول.

عائلة جديدة

اذا اشتغلنا بأمر البنين والبنات، اي بأمر العائلة الجديدة التي هي المؤلفة لامة المستقبل، وأكثرنا من البحث فيه، فما نحن بذلك مجاوزين حدود الضروريات. بل اذا لم تقصر عزائمنا على تأليف امة المستقبل تأليفا خاليا من عيوب الحاضر، فبماذا نشتغل اذن؟..

انها لاشك ان اصلاح العائلة هو اساس اصلاح النظم الاجتماعية.. وانه ليسرنا بنوع خاص ان نسمع عن ابنائنا وبناتنا انهم يشاركوننا في افكارنا الخاصة بهم، ويميلون كل الميل الى العمل لتحقيق الامال لتغيير نظام العائلة العراقية تبعا للرضي الحاضر. بين العائلة العراقية بالامس، وبينها اليوم شبه واحد هو ان كلتيهما تؤدي الينا النتيجة الاجتماعية من الزواج، وهي الاولاد، ولكنها من حيث سعادة الزوجية، وما يستتبع ذلك من المنافع الشخصية والعامة تقدمان بين ايدينا فروقا هي سبب القلق الذي نحن فيه ونعمل لتلافيه. كان في عائلة الامس بين الرجل والمرأة شبه تام في الجهل، شبه تام في النظر الى الحوادث وتقديرها، شبه في فهم السعادة الزوجية. كان الرجل يجمع في البيت الواحد زوجتين او ثلاثا او اربعا. وقد يضيف الى عددهن ممن كانوا يسمونهن خطأ ملك اليمين من الشابات الرقيقات بيضا وسودا. ومع ذلك كانت الزوجة الاولى راضية بالمعيشة، وكانت تعتبر غيرة قلبها عليه من الزوجات الاخريات أو الجوار احساسا يجب ان تخفيه بقدر ما تستطيع. كان يمنعها الوقار غالبا من ان تفتح قلبها بالشكوى اليه أو الى ذي قرابة منها بما تجده من الالم، كان يرضيها من زوجها ان يعدل بينها وبين غيرها في المعاملة. كان يرضيها منه احترامه لها وعطفه عليها وعلى اولادها. وكانت مع هذا تحبه وتحفظ شرفه.

لا ادري هل كانت الزوجة بهذه الحال سعيدة، وهل كان الزوج على حال تلك الضرائر سعيدا ايضا؟ لكني اقول ان روايات الوفاق بين الزوج وزوجته واولاده كانت مستفيضة في جيلنا، وان حوادث الخلاف كانت اقل مما يسمع الان مع قلة الجمع بين زوجتين في هذا الجيل. ولا افهم سببا لكثرة الوفاق في عائلة الامس، وقلته في عائلة اليوم الا انه كان هناك شبه بين الزوجين في الطبقة الوسطى والعليا تقريبا، وان الزوجين كانا متفقين في فهم السعادة العائلية.

اما الان فأن الشاب الذي اتم دراسته يتطلع الى معاشرة زوجة تفهمه ويفهمها، ولكنه لايتزوج غالبا الا بأبنة جاهلة او قريبة منها، انه يفهم السعادة الزوجية على اخر نمط قال به الحكماء العصريون، وقرره مشاهير القصصيين. وهي لاتفهم تلك السعادة الا بمجموع ما يحصله خيالها من الروايات والحكاميات.. انه يرى الجمال في رشاقة القوام، وتناسب الاعضاء، وخفة الحركة، وطراوة الصوت، وبريق العينين، وجاذبية الحديث. وتفهم هي الجمال في السمن والبياض.. انه يرى الزينة في الحال الطبيعية او القليل المألوف من التجميل، ونرى هي الزينة في الكحل وتزجيج الحواجب والصبغ بالالوان.. انه يرى دلائل المحبة في تبادل الحديث على صفاء وحسن رعاية في المعاملة والمجاملة، ولاتفهم دلائل المحبة الا بكثرة الهدايا.

ذلك قليل من الفروق الكثيرة بين اخلاق طرفي العائلة الحديثة في العراق.. اذا قدر على الشاب المتعلم ان يتزوج بغير المتعلمة.. فاذا ابتليت الفتاة المتعلمة بالزواج من غير المتعلم كانت تلك الفروق اظهر اثار في تنكيد العيش العائلي الى ما يشاء الله، لان التعليم يوجد بين المتعلمين شبها عظيما، خصوصا اذا كانت طريقة التعليم واحدة، فتعالوا بنا الى المدارس لانجد فيها البنات على نسبة البنين. ويكون من الطبيعي الى كل متعلم لايستطيع اذا كبر ان يتزوج بمتعلمة. وعلى ذلك لايمكننا ان نحصل على السعادة العائلية التي هي قاعدة جميع السعادات الاخرى.

انه لاسبيل لملاقاة ذلك الا باكثار عدد المتعلمات من البنات وتقريب معلوماتهن العامة من معلومات البنين بقدر المستطاع، فأن التي لاتعرف الا القراءة والكتابة لاتعلم شيئا، بل لابد لتكوين ملكة الفهم وانمائها وتقوية الاستعداد للحياة الراقية من الاخذ بقسط من العلوم والفنون والاداب.

وخير للفتيات العراقيات ان يتعلمن وان يتممن تعليمهن اذا استطعن لتتربى عقولهن تربية تضمن لهن ارضاء مطامع ازواجهن، فأن التعليم الابتدائي ليس له في ملكات الفتاة الا اثر محدود اذا نفعها اليوم في ان تتزوج من شاب مهذب، فلن ينفعها غدا حين يوجد لها مثيلات تعلمن تعليما ارقى، فصرن احق منها بسعادة العشرة مع رجل كفء ذي عقل كبير ومركز سام بين الناس. وهكذا تدور الايام بالإنسان فيرى الخير والشر في هذه الحياة طيلة مراحل عمره وتفكيره. فأن بلغ المرء الحادية والعشرين من العمر، يتمنى لو كان متقدما في السن. ففي الخامسة او السادسة عندما يكون تلميذا بالروضة يتمنى ان يكون في سن ابيه حتى يحصل على امتيازاته، أو في السن التي تؤهله للزواج من مدرسته. وفي الحادية عشرة، يتمنى ان يكون في السن التي يسمح له فيها باستعمال الدراجة. وفي السابعة عشرة يتمنى لو كان في الخامسة والعشرين حتى يسمح له بالزواج من "بنت الجيران" التي ملك حبها كل تفكيره. وعند العشرين يتعجل الوقت ويتمنى لو بلغ السن التي يتحرر فيها من رقابة والديه فيصبح حرا يفعل ما يريد ويتفق كما يشاء من كسبه الخاص.

ولكن عندما يبلغ المرء الثالثة والعشرين- ويكون في الغالب قد ظفر بالدراجة وادرك غباءه للتفكير في الزواج من معلمة المدرسة أو بنت الجيران، ويكون قد فقد نصف ايمانه بالنساء.. عندئذ يرى ان بقاءه على قيد الحياة –دون ان يتقدم الى الشيخوخة- هو خير ما يتمناه.

وفي نظري انني مازلت الشاب ابن الثامنة عشر الملء بالحماسة والحيوية والامل والرجاء رغم هذا ان زياراتي للحلاق. فالحلاق يحرص على تخبئه الاماكن التي خف فيها الشعر. واذا جلست بين جمع من الناس ضمنى الشيوج في دائرتهم. ومع انني بلغت هذه السن، لازلت اخذ حمامات كل صباح حتى في ايام الشتاء. وعندي الان مال اكثر مما مضى لي اصدقاء احكم واذكى وعندي الان افكار ومشاريع لكتب وروايات وقصص من الكثرة بحيث لو عشت مائة سنة اخرى ما استطعت ان اكتبها.

مواجهة مصاعب

وقد اصبحت اكثر شجاعة وقدرة على مواجهة المصائب والنكبات.. خبرت خسة البشر. –وانا منهم- وحتى الالم، اصبحت اكثر مقاومة له واقل احساسا به. وفي التاسعة والاربعين يزايل المرء الغرور، ويرى سعادته في ان يكون على وفاق مع الناس ومع خالقه.

ولكن هل انا حزين لأنني بلغت هذه السن، ونادم على ايام الشباب التي ولت؟.. لا... ان هناك خيرا كثيرا نجنيه من التقدم في العمر. ان العقل يذكو ويرجع كلما مضيت السنون وعرك المرء الحياة. انني لست كالذين في اواسط العمر- اهتم بالصلع وابيضاض الشعر واجزع من النظر الى التجاعيد وعلامات الكبر والشيخوخة. فالحياة اذا عرف المسن كيف يستمتع بها غدت بالصلع والتجاعيد وانحناء الظهر وضعف النظر حياة طبية ممتعة. واذا كانت بعض الملكات والرغبات والحواس تضعف، فأن غيرها تشحذ وتهذب وتقوى. لقد غدوت الان اكثر غراما بالحديث الطيب الحلو، وبقراءة الروايات الجيدة والكتب القيمة. والدعاء الى الله مخلصا بحسن العاقبة وعدم الاحتياج لاحد لان هنالك قولا للامام علي (ع) يقول فيه "ذقت المرارة كلها فلم اجد امر من الحاجة الى الناس".

 

عدد المشـاهدات 45   تاريخ الإضافـة 12/01/2019   رقم المحتوى 25254
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الجمعة 2019/3/22   توقيـت بغداد
تابعنا على