00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  النهر

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

قصة قصيرة

النهر
محمد عبد حسن


‮(‬1‮)‬
‮-(‬ولَكْ‮ ‬يُمّه محمد‮).‬
قالت ذلك بنشيج‮ ‬يدمي‮ ‬القلب مستحضرة كلّ‮ ‬تاريخ حزنها المتراكم؛ فبدتْ‮ ‬وكأنّها تنتزعه من أعماقها كخنجر مثلوم وهي‮ ‬تقطع المسافة بين السيارة المتوقفة،‮ ‬ليس بعيدًا،‮ ‬وضفة النهر‮.. ‬متعثّرة بأكوام أحجار لم تسوَّ‮ ‬بعد‮. ‬عباءتها،‮ ‬وقد سقطتْ‮ ‬على كتفيها قبل أنْ‮ ‬تتركها مكوّمة على الأرض،‮ ‬تنفخها الريح فتبدو كبالون أسود كبير‮. ‬جَمَعْتها،‮ ‬أنا الذي‮ ‬أسير خلفها‮.. ‬وكانت قد سبقتني‮ ‬إلى هناك‮. ‬لم‮ ‬يكن الحارس قد وصل بعد حين سقط طائر أمامي‮.. ‬قريبًا من قدميّ‮. ‬أفزعني‮ ‬سقوطه‮. ‬بقيتُ‮ ‬أنظر إليه وهو‮ ‬يرفرف بجناحيه مثيرًا التراب حوله قبل أنْ‮ ‬يهدأ تمامًا وجناحاه مفرودان على الأرض‮. ‬ولم‮ ‬يكن هناك أحد‮ ‬غيرنا نحن الثلاثة وأكوام التراب‮ ‬غير المفروشة‮.. ‬فيما دوّامات النهر مستمرة بحفر اللسان الترابي‮ ‬وحمل ذرّاته بعيدًا‮.‬
‮(‬2‮) ‬
خُيِّل لي،‮ ‬وأنا أراه‮ ‬يدخل للمرة الأولى من باب الدائرة الرئيس،‮ ‬أنّني‮ ‬أعرفه‮. ‬ربما كنت رأيته من قبل‮. ‬انتبهتُ‮ ‬إلى أنّ‮ ‬أحد أزرار قميصه كان مفتوحًا‮. ‬ذكّرني‮ ‬دخوله بقلقي‮ ‬وتبعثري‮ ‬وأنا أدخل من الباب ذاته أوّل مرّة قبل سنين‮. ‬وقتها لم‮ ‬يتبعني‮ ‬أحد ليدلّني‮ ‬على المكتب الذي‮ ‬ذكره لي‮ ‬موظّف الاستعلامات؛ ولذلك تبعته‮. ‬قمتُ‮.. ‬ربطتُ‮ ‬زرّ‮ ‬قميصي‮ ‬المفتوح وتبعته‮.‬
‮ ‬لا أدري‮ ‬إنْ‮ ‬كان هو مَنْ‮ ‬اختارني‮.. ‬أمْ‮ ‬أنّ‮ ‬الأمر كان نتيجة طبيعية لسيارة وسائق دون مهام محدّدة‮. ‬فقد كنت أقضي‮ ‬النهار متنقّلًا بين الغرف‮.. ‬وربما أخرج على عجل بمهمة تستجد‮. ‬ولذلك بدا الأمر وكأنّني‮ ‬كنتُ‮ ‬أنتظره‮.‬
في‮ ‬اليوم الأول،‮ ‬وأنا أوصله إلى البيت،‮ ‬لا أعلم كيف قدتُ‮.. ‬و أي‮ ‬الطرق سلكتُ‮. ‬ربما كان‮ ‬يُرشدني‮ ‬ويحدد لي‮ ‬الانعطافات حتى،‮ ‬وفي‮ ‬غفلة منّا نحن الاثنين،‮ ‬توقّفتُ‮ ‬أمام بيتهم‮. ‬عند الباب‮.. ‬كانت فتاة صغيرة،‮ ‬علمتُ‮ ‬فيما بعد أنها ابنته،‮ ‬تنتظره‮. ‬وإذ رأتني‮ ‬هبّتْ‮ ‬واقفة‮:‬
‮- (‬أجه بابا‮). ‬
(3)
بعد أيّام،‮ ‬أسبوع أو أكثر،‮ ‬من تكليفي‮ ‬بمرافقته‮.. ‬فتح ثغرة بيننا حين دعاني‮ ‬لشرب‮ (‬استكانة‮) ‬شاي‮. ‬حصل ذلك عندما أوصلته‮. ‬أصرَّ‮ ‬عليَّ،‮ ‬آخذًا بيدي،‮ ‬لأدخل‮.. ‬فدخلتُ‮. ‬ولم‮ ‬يدخلني‮ ‬لغرفة الضيوف‮.. ‬بل سحبني‮ ‬معه عبر دهليز‮ ‬يغمره الظلّ‮ ‬متجاوزَين بابها المغلق دائمًا،‮ ‬إذ لا ضيوف‮ ‬يأتون،‮ ‬إلى باحة الدار المضاءة‮. ‬وكان كلّ‮ ‬شيء في‮ ‬محلّه‮.. ‬أدركتُ‮ ‬ذلك وأنا أقف متأملًا الأشياء حولي‮: ‬باب المطبخ في‮ ‬الزاوية البعيدة،‮ ‬الشباك المفتوح على الباحة‮ ‬يُمكّنني‮ ‬من رؤية مصباح الغرفة المضاء،‮ ‬الدرجات الثلاث للسلّم الصاعد،‮ ‬قبل أن‮ ‬ينعطف،‮ ‬خالية ومكنوسة للتوِّ‮.. ‬وقد أُصلح الكسر القديم في‮ ‬شفة الدرجة الثانية فبدا لونه مغايرًا‮. ‬ولمّا كنتُ‮ ‬أعرف مكاني‮ ‬على أريكة الصالة الوحيدة؛ ذهبتُ‮ ‬لأجلس فيه دون أنْ‮ ‬يطلب أحد منّي‮ ‬ذلك‮.‬

(4)
‮-(‬ولَكْ‮ ‬يُمّه محمد‮).‬
وكنت أراها،‮ ‬عبر دهليز المدخل المظلم،‮ ‬في‮ ‬باحة الدار المضاءة بعد صباحات على رحيله جمعت فيها كتبه الموزّعة في‮ ‬أدراج الطاولة وعلى الرفوف‮.. ‬أوراقه المزدحمة بالشطب والتعديل لعمل كان‮ ‬يكتبه عن‮ (‬طويل العمر‮) ‬كلّما خلا بنفسه في‮ ‬مكتبه؛ إضافة إلى بعض أيقونات كان‮ ‬يضعها أمامه مضمّنًا إحداها صورة طفلته‮.. ‬حملتها كلّها وذهبتُ‮. ‬عندما فتحت الصغيرة الباب ورأتني؛ صاحت وهي‮ ‬تركض إلى جدّتها‮: (‬أجه بابا‮). ‬وقبل أن تهمّ‮ ‬العجوز بالنهوض كنت قد أصبحتُ‮ ‬قريبًا منها،‮ ‬ضمّتني‮ ‬إليها‮.. ‬فيما الصغيرة مستمرة بتسريح شعر دميتها عند طرف الأريكة الآخر‮. ‬ثم دخلتُ‮ ‬إلى‮ ‬غرفته‮.. ‬أعدتُ‮ ‬بعض الكتب إلى أماكنها على الرفوف،‮ ‬والتي‮ ‬يحتفظ بها عند رأسه؛ تركتها فوق طاولة صغيرة قريبة من طرف السرير الملاصق للجدار ومعها صورة الصغيرة متجهة نحو الوسادة،‮ ‬بعدها دسسّتُ‮ ‬أوراقه مع تلك التي‮ ‬يحتفظ بها تحت رأسه‮. ‬فكرّتُ‮ ‬بأخذها‮.. ‬ولكنّي‮ ‬لم أفعل‮.‬
(5)
أخبرني،‮ ‬ونحن نعود ذات ظهيرة،‮ ‬أنّه سيكلّف بتنفيذ سدّة ترابية‮.. ‬وكان حديث بهذا الخصوص قد سرى في‮ ‬أروقة الدائرة قبل أيّام‮. ‬نزَّ‮ ‬القلق إليّ،‮ ‬وتذكرّتُ‮ ‬أمي‮ ‬وهي‮ ‬تُحذّرني‮ ‬من النزول إلى النهر،‮ ‬وكنتُ‮ ‬أطيعها‮.. ‬أبقى جالسًا،‮ ‬على الجرف،‮ ‬بدشداشتي‮ ‬المقلّمة‮.. ‬أنظر إلى صحبي‮ ‬وهم‮ ‬يلهون بالماء فيما‮ ‬يدي‮ ‬فوق ثيابهم المكوّمة قربي‮ ‬كي‮ ‬لا تطير‮. ‬لمّا التفتُّ‮ ‬إليه؛ وجدتُه قلقًا‮. ‬وبدلًا من أنْ‮ ‬نذهب للبيت‮.. ‬قدتُ‮ ‬السيارة إلى النهر بعد أنْ‮ ‬طلب منّي‮ ‬ذلك‮.. ‬أو أنّي‮ ‬قرأته على وجهه‮.. ‬لا أدري‮. ‬وقتها أخبرني‮ ‬أنّه جازف‮ ‬يومًا واقترب من النهر بعد أنْ‮ ‬وضع حجرًا على الثياب المكوّمة قربه‮.. ‬لمَّ‮ ‬دشداشته المقلّمة إلى فخذيه وأدلى ساقيه في‮ ‬الماء‮. ‬وحين أحسّ‮ ‬برودته تدغدغ‮ ‬ساقيه وتتغلغل بين أصابعه‮.. ‬كانت ذراعا أمّه قد أحاطتا بجسده‮. ‬وحملته إلى الدار‮. ‬وظلّتْ،‮ ‬وهي‮ ‬تسير،‮ ‬تُعيد بصوت لا‮ ‬يتعدّى أذنه‮: (‬ولَكْ‮ ‬يمّه محمد‮).‬
(6)
حين استلم الأمر الإداري‮ ‬القاضي‮ ‬بتنسيبه مديرًا لمشروع إنشاء سدة ترابية لحجز الماء المتدفّق من النهر إلى أراضٍ‮ ‬مجاورة‮.. ‬وكنت واقفًا أنظر إليه‮. ‬لم‮ ‬يكن الموسم موسم فيضان،‮ ‬فأنهارنا لم تعد تفيض‮. ‬كان ظهره إليّ‮. ‬وعندما التفتَ؛ رأيتُ‮ ‬وجهه كما لم أره في‮ ‬أيّ‮ ‬يوم آخر‮.. ‬ثم سبقته إلى السيارة‮. ‬في‮ ‬زيارتنا الأولى لتفقّد موقع العمل،‮ ‬لتحديد الاحتياجات ووضع خطّة تضمن إنجاز العمل ضمن جدوله الزمني‮ ‬المعدّ،‮ ‬بقي،‮ ‬الطريق كلّه،‮ ‬صامتًا وهو‮ ‬يجلس إلى جانبي‮. ‬جسده،‮ ‬فقط،‮ ‬يتحرّك مع مرور السيارة فوق حفر كثيرة‮ ‬يصعب تحاشيها‮. ‬وفي‮ ‬اللحظات التي‮ ‬اختلستُ‮ ‬النظر فيها إليه؛ وجدته‮ ‬ينظر للنهر العريض الممتد على‮ ‬يمينه‮. ‬وهناك‮.. ‬حدد،‮ ‬بيده،‮ ‬مكان‮ ‬غرف إدارته‮.. ‬والنقطة التي‮ ‬سيبدأ عندها العمل تاركًا ساحة كبيرة تسمح للعجلات والمعدات التحرّك فيها بحرية‮.. ‬ثم عدنا‮. ‬لم أنجح في‮ ‬تجاوز الكثير من حفر الطريق لكوني‮ ‬أمرّ‮ ‬من هناك للمرّة الأولى‮.. ‬أو لا أراها وأنا أنقل عينيّ‮ ‬بينه والنهر محاولاً‮ ‬العثور على نقطة تسمّرتْ‮ ‬عليها عيناه متجهة معنا نحو المدينة‮. ‬لم‮ ‬يستغرق تجهيز الموقع أكثر من ثلاثة أيام نقلنا فيها عددًا من‮ (‬الكرفانات‮) ‬وخزانين للماء‮.. ‬ومولد كهرباء نصبه بعيدًا ليتخلّص من ضجيجه‮.. ‬ثمّ‮ ‬مهدّنا الطريق بطوله لتسهيل دخول الآليات‮. ‬وفي‮ ‬صباح اليوم الرابع‮.. ‬وبدلًا من أنْ‮ ‬نذهب إلى الدائرة‮.. ‬باشرنا العمل في‮ ‬الموقع‮.‬
(7)
‮-(‬ولَكْ‮ ‬يمّه محمد‮.. ‬جِبِتْ‮ ‬بتّكْ‮ ‬ويايّ‮).‬
عندما تأخرّتُ‮ ‬عليها في‮ ‬الصباح؛ وجدتها عند الباب والطفلة معها‮. ‬كانت مكوّمة على العتبة وعيناها تتابعان الصغيرة وهي‮ ‬تتقافز قريبًا منها بثياب سود‮. ‬لا أدري‮ ‬إنْ‮ ‬كانت قد قالت‮: (‬إجه بابا‮).. ‬أمْ‮ ‬أنّ‮ ‬العبارة طفتْ‮ ‬في‮ ‬رأسي‮ ‬لكثرة ما سمعتها منها أيّام كنت أوصله ونجدها هناك بثياب ملونة‮. ‬ومع إنّها كانت تلعب قرب جدتها؛ إلا أنّ‮ ‬شيئًا ما فيها‮ ‬يبدو قد انطفأ‮. ‬تيقّنتُ‮ ‬من ذلك وأنا أتابع،‮ ‬عبر المرآة،‮ ‬وجهها الطفل وضفيرتيها المربوطتين بشريط أسود‮.. ‬فيما جدّتها تسند رأسها على ظهر مقعد السيارة وكأنّها نائمة‮.‬
‮(‬8‮)‬
هذه المرّة‮.. ‬وجدنا الحارس‮ ‬ينتظرنا في‮ ‬الساحة الكبيرة‮. ‬يبدو أنّه خرج لمّا لمح سيارتنا تقترب‮. ‬كان هو الوحيد الذي‮ ‬بقي‮ ‬في‮ ‬الموقع مع حارس آخر لم أره في‮ ‬كلّ‮ ‬المرّات التي‮ ‬جئتُ‮ ‬فيها بعد توقّف العمل‮.. ‬ولم أسأل عنه‮. ‬ولمّا وقفنا قريبًا منه؛ سارع لفتح الباب وساعدها على النزول‮.. ‬فيما التقطتْ‮ ‬هي‮ ‬يد الصغيرة وهي‮ ‬تقفز إلى الأرض‮.. ‬ثم كلّمني‮ ‬بصوت هامس لم‮ ‬يصل إليّ‮. ‬وفهمتُ،‮ ‬من إشارة‮ ‬يده إليها‮.. ‬وإلى باب المكتب المفتوح،‮ ‬أنّه سيبقى معهم‮.. ‬وأنّ‮ ‬بإمكاني‮ ‬قضاء بعض الوقت مستريحًا هناك‮. ‬في‮ ‬المكتب‮..‬
‮ ‬كان كلّ‮ ‬شيء باقٍيًا على فوضاه المحببة‮: ‬بذلة العمل ما زالت تتدلّى من مشجب‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬الركن‮ ‬،‮ ‬وقد ترك ارتداءها ذلك الصباح وكأنّه أراد مواجهة النهر بكامل أناقته‮.. ‬بعض أوراق ثبّتَ‮ ‬عليها ساعات عمل الآليات وكميّات التراب الواصلة للموقع؛ وأمور أخرى‮ ‬يبدو أنّه خربشها على عجل‮.. ‬علبة سجائر فارغة،‮ ‬فيما واحدة،‮ ‬يبدو أنّه أخذ منها نفسًا أو نفسين قبل أنْ‮ ‬يتركها ويخرج،‮ ‬تضطجع منطفئة في‮ ‬المنفضة‮. ‬امتدّتْ‮ ‬يدي‮ ‬إليها‮.. ‬ثم إلى القداحة المحشورة في‮ ‬قلب العلبة‮. ‬ومع ارتفاع الدخان نحو السقف؛ أمسكتُ‮ ‬بالقلم وبدأتُ‮ ‬أتمُّ،‮ ‬فوق الورقة المبسوطة أمامي،‮ ‬ما كان قد بدأه‮.‬
‮(‬9‮)‬
أثناء فترة وجودنا هناك‮.. ‬بقيت الصغيرة مشغولة بجمع الحصى ورمي‮ ‬النهر به،‮ ‬وكانت تمنعها كلّما انتبهت إليها‮:‬
‮- (‬لا‮ ‬يمّه‮.. ‬خاف تصيبين راس أبوچ‮).‬
وفي‮ ‬طريق العودة‮.. ‬نامت أمّه محتضنة الصغيرة فيما النهر مستمر بجريانه‮ ‬غير عابئ بكلّ‮ ‬توسّلاتها ومواويلها الحزينة‮. ‬تحسستُ‮ ‬رأسي‮ ‬وأنا أسير‮: ‬إحدى عينــــــــــيّ‮ ‬غافلة عن مطبّات الطريق وحفره‮.. ‬فيما عيني‮ ‬الأخرى تتابع نقطة،‮ ‬وسط النهر،‮ ‬وهي‮ ‬تنحدر معنا نحو المدينة‮.‬


‮                                                                                               ‬

 

عدد المشـاهدات 119   تاريخ الإضافـة 06/01/2019   رقم المحتوى 25073
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأربعاء 2019/6/19   توقيـت بغداد
تابعنا على