00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  تشارلز ديكنز يبتكر صورة عيد الميلاد الأبيض

أخبار وتقارير
أضيف بواسـطة admin
النـص :

الروائي تعيش العصر الأكثر برودة في بريطانيا

تشارلز ديكنز يبتكر صورة عيد الميلاد الأبيض

لندن - ديغو أرغودس أورتز

كان ذلك يوم الخامس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول، حينما هرع الطفل الصغير جورج آدمسون إلى النافذة، آملاً في أن يجد عالماً يكسوه اللون الأبيض على الجانب الآخر من المنزل. لكن بمجرد أن أزاح الستائر، أصيب بخيبة أمل، فقد جاء كريسماس آخر بلا ثلوج.

الآن يدرك آدامسون، بعدما صار محاضراً في الجغرافيا في كلية "كينجز كوليدج" بلندن، من هو الشخص الذي ينبغي أن يلام بسبب تلك التوقعات التي كانت في غير محلها، إنه الروائي تشارلز ديكنز الذي جعل قصصه تغص بمشاهد تصوّر الحياة وقد كستها الثلوج خلال فترة عطلة عيد الميلاد.

ليس آدامسون وحده من كان يتخيل فترة أعياد الميلاد وقد غطت الثلوج فيها كل شيء. ودائماً ما يثير هؤلاء اهتمام وإعجاب هذا الرجل. ففي المملكة المتحدة التي نشأ فيها لا تتساقط عادة الثلوج في ديسمبر /كانون الأول، ورغم ذلك تجد المحال هناك تبيع بطاقاتٍ بريديةً تحمل صوراً للبلاد وقد غمرتها الثلوج في عيد الميلاد. كما تتزين المطاعم بثلوجٍ اصطناعية أو زخارف على شكل ثلوج. فمن أين استمد الناس هذه التوقعات، إذا لم يكونوا قد عايشوها بالفعل من قبل؟

برودة شديدة

يعتقد الباحثون أن تلك التصورات نابعةٌ من مفاهيم ثقافية تم تناقلها عبر العصور، ونبعت بشكلٍ أساسيٍ من السنوات العشر شديدة البرودة التي بدأت عام 1810. ثم أعقب ذلك، تغلغل كتابات ديكنز المرموقة والشهيرة في مخيلتنا.

وفي هذا الصدد، كتب عالم الأنثروبولوجيا بريان فيغَن في كتابه "العصر الجليدي المُصغر" يقول إن ديكنز "نشأ خلال العقد الأكثر برودة في إنجلترا، منذ العقد الأخير من القرن السابع عشر. ويبدو أن قصصه القصيرة وروايته القصيرة `آيه كريسماس كارول` (أنشودة عيد الميلاد)، تدين بالكثير لسنواته تلك" التي كان يسهل خلالها التأثر بالعوامل المحيطة به.

كان الطقس بالفعل قارس البرودة في بواكير حياة ديكنز، إلى حد أن مياه نهر التيمز تجمدت في فبراير/شباط من عام 1814 وهي السنة التي احتفلت فيها لندن بآخر كرنفال لـ "التيمز المتجمد"، وقد تضمن إقامة البعض خياماً على الجليد لمدة أربعة أيام، واقتياد فيلٍ لعبور النهر المتجمد تحت جسر بلاكفايرز. وهكذا فلا بد أن "الكريسماس" - بالنسبة لديكنز الصغير الذي وُلِدَ عام 1812 - كان تجربةً شديدة البرودة.

وبعد سنواتٍ من ذلك، عندما عكف ديكنز على كتابة رواياته وقصصه القصيرة، جعلها تحتشد بذكرياته بشأن ما كانت تبدو عليه فترة عيد الميلاد في طفولته.لكن هذا التفسير لا يعني أن ما يمكن أن نُطلق عليه مفهوم "عيد الميلاد الأبيض" أو "الكريسماس الأبيض" كان شائعاً في العقود التي تلت ذاك العقد قارس البرودة الذي تحدثنا عنه.بدايةً، قد يكون من قبيل المفارقة أن نعلم أن تعريف "عيد الأبيض" الذي قد يبدو بديهياً، هو أمرٌ شائكٌ ومثيرٌ للجدل، وهو ما يجعل تحديد عدد المرات التي شهدته فيها بريطانيا مسألةً معقدةً على نحوٍ مدهش.

فـ "عيد الميلاد الأبيض"، بحسب حسابات مكتب الأرصاد الجوية في المملكة المتحدة، هو ذاك الذي تُرصد فيه "قطعة ثلجٍ واحدة"، وهي تسقط في أي مكانٍ في البلاد، خلال الساعات الأربع والعشرين التي يتألف منها يوم الخامس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول.

وبمقتضى هذا التعريف، سنجد أن ظاهرةً مثل هذه ليست شديدة الندرة على الإطلاق، إذ ستكون قد حدثت أكثر من 30 مرة على مدار العقود الخمسة الماضية. لكن يتعين عليك أن تشرح ذلك المفهوم والمعيار المستخدم لتعريف "الكريسماس الأبيض"، لفتاةٍ صغيرة تنظر من النافذة في يوم عيد الميلاد، باحثةً عن الثلوج المتساقطة من السماء.

مكتب ارصاد

ويقول آدامسون: "إذا حدث هذا لن يقول أحد إن ذلك هو عيد ميلاد أبيض". رغم أنه كخبيرٍ في المناخ، يتفهم أنه من الضروري أن يكون لدى مكتب الأرصاد في بريطانيا تعريفٌ رسميٌ لمثل هذا الأمر.وقد طلبت "بي بي سي فيوتشر" من مسؤولي المكتب تزويدها بمزيدٍ من المعلومات بشأن تساقط الثلوج على بريطانيا في عيد الميلاد، بحسب ما يرد إليهم من أكثر من 200 محطة تابعة لهم في مختلف أنحاء البلاد.الإجابات التي حصلنا عليها أكدت أن ما ساورنا من شكوكٍ كان صحيحاً. فقد تبين أن الحالة الشاذة التي لا يُقاس عليها، هي تلك المتعلقة بأن تغمر الثلوج بريطانيا، كما حدث عام 1982حينما أبلغ مســـؤولو الأرصاد   في 260  موقعاً مختلفاً عن وجودها على الأرض. أما في غالبية الأعوام، فلم يزد عدد المحطات التي أبلغت عن ذلك عن 20 محطة.ويوضح مسؤولو الأرصاد في بريطانيا السبب في ذلك بالقول إن فرص تساقط الثلوج في هذا البلد تزيد كثيراً في الفترة بين شهريْ يناير/كانون الثاني ومارس/آذار، عنها خلال ديسمبر/كانون الأول.

لِذا لماذا لا نزال نرسم في أذهاننا صورة "عيد الميلاد الأبيض" هذا، طالما لم يكن ذلك متحققاً أو دقيقاً في بريطانيا لفترةٍ من الزمن؟ وكيف يمكن أن يتأتى لكتابات رجلٍ واحدٍ أن تغير فهمنا الجماعي لظاهرةٍ مُناخية؟

من المفيد لفهم ملابسات هذه المسألة أن نعلم أن ديكنز هو الرجل الذي يُنسب إليه الفضل - خاصةً في بريطانيا - في جعل "عيد الميلاد" وإحياء طقوسه أمراً جذاباً للعامة من جديد.

ثورة صناعية

فمع بدء عصر الثورة الصناعية في ترسيخ أقدامه، وتنقل البريطانيين من هذه المنطقة إلى تلك بداخل بلادهم، أصيبت التقاليد بالوهن وتلاشت العادات أو فُقِدَتْ.

وفي العقود الأولى من القرن التاسع عشر، رثى كلٌ من الشاعر والروائي والكاتب المسرحي الاسكتلندي السير وولتر سكوت والكاتب والمؤرخ والدبلوماسي الأمريكي واشنطن إيرفينغ كيف ضاعت المهرجانات والاحتفالات والأعياد التي كان يحتفي بها الناس قديماً.وهكذا فعندما نشر ديكنز روايته القصيرة "أنشودة عيد الميلاد" عام 1843  تشبثت بريطانيا الفيكتورية بما أورده فيها من وصفٍ لعطلة عيد ميلادٍ مثاليةٍ ومُفعمةٍ بالسعادة والهدوء والسلام، إذ نظر الكثير من البريطانيين - ممن كانوا في منتصف العمر آنذاك - بحنينٍ غامرٍ إلى الماضي، ليتذكروا احتفالاتهم بعيد الميلاد خلال فترة شبابهم.

ربما يجدر بنا في نهاية المطاف الإشارة إلى رأي بيتر أكرويد، كاتب سيرة ديكنز، بشأن ما وصفه بـ "الحقيقة التي تفيد بأنه من الممكن القول إن ديكنز ابتكر وحده تقريباً الصورة الحديثة السائدة لعيد الميلاد".ويضيف أكرويد أنه إذا وضعنا هذه الحقيقة في الاعتبار "فمن المثير للاهتمام أن نلاحظ هنا أنه خلال الأعوام الثمانية الأولى من حياته (ديكنز) حدث `عيد ميلادٍ أبيض` في واقع الأمر كل سنة، لذا ففي بعض الأحيان تكون الحقيقة موجودةً بالفعل، قبـــــــل الصورة التي تُضفى عليها صفات المثالية والكمال".

عدد المشـاهدات 129   تاريخ الإضافـة 31/12/2018   رقم المحتوى 24943
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأربعاء 2019/6/26   توقيـت بغداد
تابعنا على