00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  مطبعة النشر

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

مطبعة النشر

الصديق الأيسري

على أصوات مواء القطط و نباح الكلاب يحتسي أنوار كأس القهوة، رجل في عقده الخامس ،قوي البنية ذو شارب كثيف يفتل طرفيه الطويلين بأصابعه كلما غزت أسئلة صعبة الحلول مخيلته، جالس على كرسي عند بوابة فِيلّا فاخرة، عيناه جاحظتان تتسما بالحدة و الصلابة، شخصية واثقة من نفسها يمتاز بحدسه و حاسته السادسة، فكل حركة و نظرة يعلم كنهها وهو المتخصص في علم الحركات الجسدية من إيحاءات وإيماءات ، اليراع لايفارق يده به يسجل و يوثق كلما يمر أمامه من أحداث،الشارع المقابل للبوابة مظلم تحت أضواء خافتة ،فارغ إلا من رجل يكنس حواشي الأرصفة يبدو من خلال هندامه أنه من رجال النظافة، أشباح و ظلال حيوانات تتحرك من بعيد تسمع أصواتها المختلطة. حوالي منتصف الليل و قد ساد السكون الحي الأرستقراطي و شلت الحركة و الكل نيام،و على بعد خطوات من حارس الفِيلّا توقفت سيارة رباعية الدفع لونها أسود، فاخرة تتلألأ تحت مصابيح الشارع، بعد كبحها ببطء أطفأ السائق جميع أضوائها و نزلت منها سيدة لابسة معطفا أسود اللون طويلا يغطي جسدها واضعة قبعة على رأسها، تسير بطريقة بطيئة دون صخب حيث الحذاء المطاطي لايصدر منه أي صوت، وصلت أمام الحارس فتقدمت لإستفساره و هي تفرك يديها بطريقة متتالية و سريعة : " مساء الخير يا سيدي عندنا موعد مع الزعيم فنحن من أصدقاء العائلة، و قد أتينا من منطقة بعيدة، أخبره بقدومنا، ربما ما زال سهران ينتظرنا حيث أننا اتصلنا به هاتفيا قبل ساعة لما وصلنا إلى ساحة النصر وسط المدينة، ممكن تتصل به وقل له نحن من مطبعة النشر و سيفهمك" بعد نهايتها من الكلام تراجعت إلى الوراء ثلاث خطوات و وقفت تنتظر جوابه، أنوار و هو العالم بأسرار الحركات الجسدية والنفسية لكل واحد، فقد لاحظ منذ البداية حركاتها الثقيلة و فرك يديها و تأخرها بعد تقديم نفسها، و كلها علامات تدل على الكذب و الإرتباك، فقال لها " تحياتي سيدتي يمكن لك الرجوع إلى السيارة و إخبار أصدقائك أنني سأخبر الزعيم بحلولكم هنا فبمجرد أن يرخص لكم بالدخول إلى الفيلا سأناديكم بإشارة ضوئية قصد الولوج عند الزعيم، يمكن لك سيدتي المغادرة و الإلتحاق بأصدقائك، تفضلي" بعد مغادرتها تناول يراعه و فتح سجله فشرع في تدوين ملاحظاته، إمرأة مرتبكة، قصيرة ، كذابة، مترددة، مبهمة، خائفة... وضع قلمه في جيبه و غلق السجل، فاتصل بالزعيم عبر كاميرات المراقبة المتبثة في جميع الأرجاء ليخبره بالزوار الجدد، فأذن له بتركهم للدخول بسرعة و بدون طرح الأسئلة أو أخذ بطاقات تبوث هويتهم كما هي العادة المتبعة على جميع القادمين لزيارة الزعيم الإسم المفضل عنده حتى صار طاغيا و كثير الإستعمال فنسي لقبه الحقيقي. انصاع الحارس للأوامر العليا، إشارة ضوئية للضيوف، فتح أبواب الفيلا، إنطلقت السيارة الرباعية بسرعة و دخلت إلى الداخل، ثم أغلق الأبواب، معلنا لهم أن الزعيم في انتظارهم فى أقصى الطريق على اليمين. أنوار لا يغفل أي شيء يدون كل التفاصيل الدقيقة ، فبمجرد دخولهم هرع و سار مسرعا إلى غرفة المراقبة، على شاشة البث ركز نظراته الحادة على السيارة و هو يرصد كل حركات و نظرات الزائرين و هم يهبطون متجهين نحو الزعيم، بدأ يدون ملاحظاته :

الزائر الأول : رجل طويل مرتديا بدلة رياضية و وشاح أسود ملفوف حول رقبته، ينظر بعيدا بشكل متكرر، يرمش بسرعة، وحجم بؤبؤ العين واسع، نظراته تدل على انزعاجه و خوفه الشديد بذلك يخفي مشاعره.

الزائر الثاني : رجل ذو لحية بيضاء خفيفة تكسو ذقنه، يتكيء على عكازه، مرتديا سترة كاكية مرقعة، يعض على شفتيه برهة ثم بعد ذلك يخفضها إلى الأسفل، ما يعني أنه غير مرتاح و قلق و مؤشر على الحزن و الغضب.

الزعيم: استقبل ضيوفه منتصب القامة، مرفوع الهامة، بخطى ثابتة أثناء سيره، مما يدل على قوة شخصيته و عظمتها مع الثقة في النفس، مما جعل الكل ينجذبون نحوه . استقبلهم الزعيم بحفاوة و بإبتسامة عريضة، ليضفي عليهم بوادر الارتياح و إزالة آثار السفر الطويل المتعب على وجوههم الحزينة، أذن لهم بالجلوس حول الطاولة المعدة سابقا للعشاء، حيث تجد كل أشكال و أنواع المأكولات و المشروبات و الحلويات. بفعل عمله الأمني و المحافظة على حياة الزعيم، الحارس أنوار ما برح يركز و يتمعن في كل ما يدور في محيط الفيلا من الداخل و الخارج مستعينا بكاميرات المراقبة واضعا السماعات على أذنيه، يملك كلاب الحراسة من فصيلة دوبرمان، كما يخزن تحت حزامه مسدسا يدويا سهل الإستعمال و سريع التصويب لبساطته. بعد نهايتهم من الأكل و تناول الطعام و احتساء المشروبات، و بعد الإستراحة و استرجاع الأنفاس ، تناول الكلمة الزعيم موجها الأمر للجماعة و خصوصا للرجل ذو اللحية البيضاء " لقد اتصلتم بي و أعلمتموني بأن الأستاذ الجامعي قد طبع عندكم مطبوعات دعوات الزواج، فلذلك اتصلت به فسيحضر غدا للإستعداد لمراسم الزفاف من و ثائق و مصارف العرس و مقتنيات الإحتفالات، و ضبط كل مواعد الحضور، و شراء الهدايا، و الإتصال بممون الحفلات"

أجابه بكل دقة و قال له : " سيدي لقد كتبنا فوق البطاقات عبارات: هذه الليلة مميزة جدا بالنسبة لنا، لهذا دعونا الأشخاص المميزين أيضا"

كما هي العادة فالمراقب أنوار يسلك نفس المنهجية في التدوين حيث يكتب الجزئيات على صفحات المدونة، فقد لاحظ أن الرجل المسن يشكل بابهام وسبابة يديه الاثنين مثلثا، مما يدل أنه يحاول من خلال هذه الحركة خلق بعض الهدوء خاصة في المواقف الصعبة. تناولت السيدة الكلمة و كما يلاحظ من سلاسة تدخلها و دقة مفاهيمها أنها أديبة أو شاعرة : " سيدي إن الأستاذ الجامعي يكتب مواضيع مميزة، و كسب قراء كثيرين و تزايدت مبيعاته بشكل ملحوظ، حيث يتطرق في جل مواضيعه عن حقوق الإنسان، عن أسس الديموقراطية المثالية و النمودج الصحيح، و نبد كل أصناف التطرف الديني أو العرقي أو اللغوي أو الجنسي، بذلك ازدادت ثروته و نمت أسهمه في البورصة، و تصاعدت علاقته الديبلوماسية، و صار مشهورا على نطاق واسع، وأصبح يهدد سلامة الناس الذين يعارضون أفكاره" المراقب أنوار و هو يبرم جوانب شاربه صار متشبت بمعرفة أسرار حضورهم في هذا الوقت المتأخر من الليل، و بكثرة عددهم، و بلباسهم المميز، و سواد لونه، و وضع القفازات لأيديهم كأنهم في مراسيم الجنازة، عيناه لا تفارق الشاشة، يكتب جميع تفاصيل اللقاء:  السيدة استعملت لغة سليمة، و كلمات سهلة وقصيرة، و هي جالسة مرتفعة الرأس و كتفين مستقيمين، و تبسمها بشكل مستمر، المرأة تتسم بالثقة في النفس بحضور الزعيم. بينما الزعيم يستمع إليها استخدم غمزة العين لإرسال رسالة للرجل الكبير دون أن تدرك الجماعة الحركة وهي تصغي باهتمام للسيدة ، و ركز الزعيم نظره على الكيكة الهشة ، حيث بدأ بقطعها بسكينة مسنّنة، تشبه السكين الخاصّة بالخبز، حيث صار يقطعها من خلال تحريك السكين ذهاباً وإياباً باتجاه الداخل والخارج "كالمنشار"، وحرص على عدم الضغط الشديد على الكيكة حتى لا تتفتت، ناول كل و احد قطعة منها و كأس من عصير الرمان الأحمر. ما زال أنوار يسطر كل ما يجول داخل القاعة الرجل المسن : لا تفارق عيونه الزعيم أثناء تقطيع الكيكة و بعد غمزة الزعيم حرك رأسه الى الأمام دليل التصديق و القبول، و لما أعطاه العصير الأحمر قال له الزعيم " اشرب عصير الرمان فهو سيرجع لك حيويتك و تعود لك بشرتك الحمراء، إياك أن تسكبه فهو مثل الدم لا تزيل أثاره بسهولة" أجابه المسن " حاضر سيدي الرسالة مفهومة، و كلامك قد وصل، و سنكون عند حسن ظنك" بعد نهاية الحوار و المناقشة، دلهم الزعيم على غرف النوم والمراحيض و الحمامات، فودعهم راجيا لهم نوما مريحا. ساد الصمت في الفيلا و نام الجميع، بينما أنوار لاحظ جميع كاميرات المراقبة أن الصور تدل على أن الكل يغط في سبات عميق، فقام بجولة أخيرة للحراسة بعدها أغلق جميع المنافذ و الأبواب ثم أطلق رباط كلاب الحراسة لتساعده في المراقبة، فاستسلم بدوره للنوم . مع بزوغ أولى خيوط شمس الصباح ، دبت الحركة في الشارع، و تزايد الصخب و ضجيج المارة و السيارات، و تصاعدت أصوات منبهات السيارات، صار نباح كلاب الحراسة تتقوى بمحادة مقر المراقبة حيث مازال أنوار ينام، أصرت الكلاب المزيد من النبح لإيقاظ الحارس، وحينئذ سيتناولون وجبة الإفطار وهي مزيج من أطراف الدجاج و العظام، استيقظ أنوار مذعورا مفزوعا بفعل قوة النباح ظانا أن هناك مشكل في الفيلا، أول ما فعله هو اللجوء إلى كاميرات المراقبة، ولم يهدأ له البال حتى تيقن من الهدوء والإستقرار يسود المنطقة، بعد ذلك ربط الكلاب في محلهم و ناولهم طعام الصباح. الثامنة صباحا بدأ الضيوف يستيقظون تباعا، بينما الزعيم هو السباق حيث أعد لهم وجبة الفطور اللذيذة، الزعيم رجل نشيط و ذكي، مكافح و جاد في أقواله لا يتراجع ابدا في أوامره، لذلك نادى على الشيخ ليحمل معه وجبة الفطور إلى قاعة الأكل، فاستغل الفرصة ليذكره بقدوم الأستاذ الجامعي هذا الصباح، حينها قال له : " الكيكة في درج المطبخ و السكين المسنن فوق الفرن، اقطعه برفق من غير أن تترك الفتاة على الأرض " أجابه الشيخ : " مفهوم سيدي فقطع الكيكة مهمتي فأتقن جيدا القطع، بدون ترك الآثار، كن مطمئنا و مرتاحا "

فابتسما سويا ثم دخلا لتناول الفطور.

عند البوابة حضر رجل متوسط القامة،أبيض البشرة، ذو لحية خفيفة، و نظارات طبية، تبدو عليه علامة السعادة مع سيدة يبدو عليها أنها خطيبته،حيث تضع خاتم الخطوبة في أصبعها تقدم نحو الحارس أنوار فاستفسره عن الزعيم : " السلام عليكم سيدي، عندي موعد مع الزعيم، اتصل به بخصوص موضوع الزفاف، فهو سيلبي لي جميع طلبات الاستعداد للعرس، قل له اني وصلت، أنا هو الأستاذ الجامعي، وهذه خطيبتي " "تفضل سيدي أنت و خطيبتك إلى سيارتكم، سأناديك بعد الإستشارة مع الزعيم، فلا تنسى سيدي أن تركن سيارتك خلف الفيلا لأن هنا ممنوع الوقوف." نادى الزعيم من كاميرات المراقبة ليخبره بقدوم الأستاذ الجامعي مع خطيبته، و هو يريد مقابلته في شأن موضوع الزفاف، و قد ركن سيارته عند الباب الخلفي للفيلا.  فقال له الزعيم " حاضر سأستقبله بنفسي من الباب الخلفي، أما أنت فقم بمهمة الحراسة جيدا و لا تترك أحدا يقترب للفيلا مهما كان منصبه، عند الانتهاء من مراسيم الزفاف، سأخبرك في الحين " أول شيء قام به أنوار بعد صدور أوامر الزعيم هو إغلاق الأبواب بإحكام و التركيز على كاميرات المراقبة، أخذ قلمه ليدون ما يراه عند البوابة الخلفية : الأستاذ الجامعي يسير بخفة مما يدل على سعادته العارمة، خطيبته جالسة في السيارة تستمع لأغنية عزيزة جلال مستنياك حيث رفعت من صوت جهاز الموسيقى من هاتف خطيبها و زجاج السيارة مفتوح، كاميرات المراقبة مجهزة بأحدث التقنيات الحديثة حيث يمكن سماع كل الأصوات حتى حركات النمل، الزعيم استقبله بنفسه و عرض عليه الجلوس مع الضيوف و هو يعرفهم جيدا. دخل الأستاذ الجامعي إلى قاعة الأكل فحياهم جميعا، ثم تناول رفقتهم الفطور مع آخر قطعة الكيكة، فتسلم بطاقات الزفاف فقد أعجبته كثيرا لتوضيبها و تصميمها المحكم، ثم بعد ذلك تناقش عن مراسيم الزواج و كان الإنسجام و الوفاق هو السائد، غادر الزعيم القاعة و تركهم لوحدهم فذهب فقطع التيار الكهربائي على الفيلا بكاملها.  على نور الشمس، الضيوف صاروا يناقشون أخر كتاب لعدم القدرة على طبعه و المشاكل التي تواجههم في نشره و من المستحيل طبعه لأنه يتطرق لمواضيع جريئة يصعب قبولها جهويا أو حتى دوليا، فتعاركوا و تخاصموا حتى أغمي على الأستاذ و مات بسكتة قلبية، وضعوه برفق على الطاولة و بدأوا يقطعونه أجزاء صغيرة بواسطة المنشار، ثم جمعوا الأطراف في أكياس سوداء و نظفوا المكان.  بعد قليل دخل الزعيم و هو يدخن السيجارة و ملامح الدهشة على وجهه، حيث لاحظ غياب الأستاذ بين الحضور كما لاحظ نظافة الطاولة و خلوها من السكين و الغطاء الذي كان يكسوها، حينئذ آمر الشيخ و الزوار بالمغادرة فحملوا أكياسهم و اتجهوا نحو السيارة.

رجع إلى داخل الفيلا فأعاد اشعال الكهرباء فنادى على أنوار لفتح الباب للضيوف للمغادرة. غادرت السيارة الفيلا بسرعة جنونية، ثم ذهب أنوار لتسليم شريط التسجيل و التقرير الكتابي المدون على السجل حيث فيه جميع التفاصيل الدقيقة طيلة أربعة وعشرين ساعة الأخيرة.  و بمجرد أن تسلم الزعيم التقريرين الكتابي و المرئي منحه إجازة مفتوحة و هو الذي كان يطلبها مرارا حيث سيقيم عرسا لبنته البكر، كما كان سعيدا فأعطاه جميع المفاتيح و مسدسه الوظيفي و شكره فغادر بدوره الفيلا. مكث الزعيم لوحده في الفيلا فأشعل سيجارة ثانية و هو يفكر في عواقب الزيارة و العرس المشؤوم.

عدد المشـاهدات 69   تاريخ الإضافـة 05/12/2018   رقم المحتوى 24280
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الخميس 2018/12/13   توقيـت بغداد
تابعنا على