00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  قراءة كتاب أو مقال قرب مقام الخضر طقس روحي مثمر

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

أمكنة للروح الغائبة في أنحاء الوطن العربي كله (2)

قراءة كتاب أو مقال قرب مقام الخضر طقس روحي مثمر

نعيم عبد مهلهل

 

 

رد مستنكراً: والفقراء!

قلت: لهم الله.

قال: ونحن لهم مع الله.

وقتها أدركت لماذا كان الرّحالة وليفرد ثيسكر يقول عن المعدان بأن لديهم ذكاءً خارقاً من خلال نظرة عميقة يحسّها تفسر الأشياء جيداً.

بعينيه المتلصصة من فتحة الحقيبة ظلّ كافافيس يرافق الطريق، فمن الإسكندرية إلى مدينة الناصرية خيط من حنين وشغف قراءة يسكنني، وربما هو قرأ ذات يوم في ثقافته الإغريقية أن الإسكندر كان قد أرسل جنوداً إلى هنا في طريقهم إلى سوسة عاصمة فارس والقريبة من حدود دويلات سومر، ولكنه لم يكن قد قرأ وعرف أن المكان الذي تم اكتشافه في هذه الأرض هو أحد أمكنة البدء الكتابي، وأن القلم الباركر الجديد الذي اشتراه هو من بعض إنجازات أول لوح للكتابة، كتبته هذه الأرض التي بدأت سيارة الفولفو الخشب تدفع في طريقها المزفت عجلاتها على أمل أن يصل السائق دون أي عطل، ويعود إلى بيته مبكراً بعد أن يكون أغلب ركابه في طريق عودته من النساء اللائي يجلبن إلى المدينة بضاعتهن من القيمر ويبقين جالسات على الرصيف كل الليل في انتظار الصباح الباكر حيث يأتي الزبائن وهم يحملون صحونهم ليشتري كل واحد من المعيدية التي تعوّد الشراء منها في كل مرّة ويسمونه في الدارجة (المَعْميلْ).

أعرف أن أول محطات وقوف الحافلة ستكون عند مرقدٍ مفترض للنبي الخضر، ويطلقون عليه هنا (الخضر حي الدارين).

عند هذا المرقد تتوقف أغلب سيارات الركاب بناءً على طلب من الركاب عندما يكون لأحدهم نذراً يريد أن يسلّمه إلى خادم المكان، حيث توزع الخدمة بشكل دوري من قبل عائلة علويّة من سكنة المنطقة.

هذا المكان الذي عاش في ذاكرتنا مع عشرات الأمكنة التي تحمل قبوراً وأضرحة لأولياء حقيقين وآخرين تؤسطرهم أو تفترضهم الذاكرة الشعبية، وما دام ضريح النبي الخضر موزعاً بمئات الأمكنة على طول الوطن العربي، فإن الخضر حي الدارين سيكون من ضمن الأمكنة المفترضة ولكنه بسبب وجوده في تلك البريّة وللإغراء الروحي الذي تمتلكه قبته الفيروزية على الرغم من بساطة البناء، فهو يمثل رؤيا مفترضة لشخصية مقدّسة تسكن في الذاكرة الجمعية لعموم سكان الأهوار عن نبي سيظهر بعد حين، وقد أخبرهم قرّاء مآتم عاشوراء الذين يقيمون مجالسهم في الأهوار كل محرم: أنه عند ظهور الإمام المنتظر سيكون الخضر معه في الظهور، ولأني لم أقرأ عن تلك النبوءة في حضور الخضر مع المهدي المنتظر، حسبت الأمر اجتهاداً وتصوراً حين سمعتها من أحد الواعظين الذي زار قريتنا في ذات محرم.

رواية الذاكرة

ومازالت رواية أبي عن الخضر تقبع في ذاكرتي نقلها من أحد الخطباء، أن الخضر كان نبياً مرسلاً بعثه الله إلى قرية فدعاهم إلى توحيد الله والإقرار بأنبيائه ورسله وكتبه، وكانت آيته أنه لا يجلس على خشبة يابسة ولا أرض بيضاء إلاّ وأزهرت يانعة وخضراء، ولهذا يسمى الخضر. من الاخضرار الذي يحلّ معه أينما يكون، جالساً أو ماشياً أو على مائدة طعام.

خيّل إليّ وأنا أسمع هذا الوصف من أبي أن أي خطوة يخطوها الخضر على الأرض تتحول إلى عشبٍ أخضر. وتخيلت أيضاً أن الرعاة يذهبون مع خطوته حتى ولو وصل إلى آخر الأرض.

يومها ذهبت إلى الكتب لأعرف شيئاً عن هذا النبي المقدّس فعرفت أن له في العراق وحده مئة وثمانية وستين مقاماً، وفي كل هذه المقامات يتجلى الطيف المقدس، وجميع هذه المقامات قد يفترضها المخيال الشعبي، أنها محطات لاستراحته ولحظة عبادته، أو الأمكنة التي سافر إليها ليسع إلى التوحيد، وقد يعتمد أغلبهم على قول للمؤرخ الثعلبي: هو نبي على جميع الأقوال بعمر محجوب عن الأبصار.

وحي الدارين بالرغم من بساطة بنائه وعدم وجود أثاث أو قفص بشباك في داخله إلا أن المعدان يهابون المكان ولا تخلو سفرة من سفرات سيارات الفولفو إلا وهناك واحد أو اثنان يحملون نذورهم إلى المكان، وأغلب هذه النذور يكون من الدواجن أو بعض النقود التي لا تتعدى درهما أو عشرة فلوس.

في سفرتنا هذه وعند الاقتراب من المقام نادى رجل على سائق الحافلة ليخبره أن يتوقف ليسلِّم نذره، وهو عبارة عن كيس فيه خمسة كيلوات من البرتقال.

امتثل السائق للأمر وأوقف الحافلة قرب باب المقام، ليستقبلنا خادم المكان فرحاً مستبشراً على أمل أن تأتيه نذور دسمة فتفاجأ بكيس البرتقال، وربما لم يرق له الأمر فصعد إلى السيارة قبل نزولنا منها وبدأ يوزع البرتقال على الركاب وهو يقول للمعدي صاحب النذر: لا عليك لقد وصل نذرك.

تندّر أحد الركاب على التصرف المفاجئ لخادم المكان وقال:  أعرفه، فقيّم المكان لم يعجبه كيس البرتقال، لقد كان يريد أن يكون النذر كبشاً، عندها لن تنالوا منه حتى كبد الكبش.

ضحك الجميع وقال السائق مازحاً: بسبب الذهاب والمجيء والتوقف في هذا المكان، فأنا وحدي من يعرف النوايا.قال المعيدي صاحب النذر: المهم أوصلت نذري.ردّ خادم المكان مستنكراً مقولة الكبش وقائلا:هل تستكثر على الخضر أن يكون نذره كبشاً؟.

قال الرجل بشجاعة غريبة: طبعاً لا أستثكر فهو يستحق ذهب الدنيا كله، ولكن يا أخي من يأكل الكبش أنت وليس النبي.

عاد الخادم إلى غضبه وقال: احملوا معكم قشور البرتقال في سيارتكم ولا تتركوها هنا، ثم ذهب ليعيد شدّ راية خضراء على باب المقام.ظلّ السائق يضحك وهو يقشّر برتقالته بهدوء، ثم قال: العجلة تحتاج للراحة وتبريد ماكنتها، لقد بذلت جهداً وهي تسير في طريق ملأته الأطيان، لهذا عليكم النزول وبإمكانكم أن تؤدوا الزيارة براحتكم، وخذوا معكم قشور البرتقال وارموها بعيداً، فبلاد السويد صنعت هذه السيارة لتظل نظيفة. وحتى لا يغضب عليه الركاب رمقني بنظرة ضاحكة وقال: هذا كلام الأستاذ المعلم وليس كلامي.

غرفة صغيرة

ضحكت وأنا أنزل من الحافلة، وسأدخل مع الركاب إلى داخل الغرفة الصغيرة لأدور مثلهم. هو دكّة صغيرة من الطابوق غُطيت بقماش من الساتان الأخضر. ومع كلمات الدعاء الذي ردّده الزائرون، رفعت يدي مسكوناً بهيبة اندماجهم مع طقس ما يقومون به، على الرغم من أن البناء قد لا يحوي ما يبهر العيون كمقامات وأضرحة وقبور المدن المقدسة، لكني وأنا أتذكر كلام أبي عن الخضر، ومع إيماني أن هذا المكان افتراضي، لكني كنت أخضع لهيمنة الاسم والمكان وأتذكر أول وقوف للحافلة عنده يوم اتجهت إلى مدرستي في أول يوم للتعين . وفي تلك الليلة عندما كان المشهد يسجل رهبة السماع في قليل من الصمت وتخيلي أن القصب يتحول في الظلمة إلى أجساد رجال نحيفي القوام آتين من أزمنة سومرية بعيدة، ليغلقوا المذياع ويحاسبوك على كل الذي فعلته من منكر في حياتك، وحتى أبعد هذه الهالة المخيفة عن عيوني كتبت خاطرة أستغيث فيها بالنبي الذي توقفت عنده الحافلة في تلك الظهيرة الباردة، وهالني إصرار الركاب من المعدان وعرب أسديون.

 أن يقبّلوا كل بوصة من عتبة بابه الطيني:((سيأتي الخضر(ع)، الغيوم سفينته. وخبز العباس زاد الطريق. سيسأل عن الطريق إلى كربلاء إن كان دمعة أمّ، ونذر لرجل باع جاموسته النحيفة في المدينة وعاد، وجندي يعود من حروب الجبال البعيدة إلى حقل من القمح وأجفان أطفاله، كل هؤلاء سيدلّونه على وجهته)).

درت معهم، وأطلقت ذات الأمنية التي تسكنني مع كل زيارة لهذا المقام، أن تكون باريس وجهة قادمة لصيفي، حلمي أن أرى برجيت باردو وأن أقبّل أجفانها قبل أن تهرم وتشيخ.أتذكر أن أحد المعلمين كان يغضب من هكذا أمنيات، كان يعتبرها فاحشة في حضرة أولياءٍ صالحين.

قلت وقتها: هو الحب، والأنبياء كل رسائلهم هي حب.

ردّ بغضب: ولكن ليس حباً على الطريقة الباريسية.

ضحكنا طويلاً يومها، وأنا أبرر لزميلي المعلم أن النيّة في صدق العاطفة حين تتحول إلى أمنية، فإن جمال القصد سيجد قبولاً عند كل نبيّ ووصيّ وإمام.

هو المكان المفتوح في تلك البريّة المتسعة والريح الباردة تغري الزائرين بالدخول إلى داخل المقام الضيق، لكنهم بسبب لهفتهم إلى الطيف الذي يسكنه يشمّون رائحة الحنّاء المطبوعة على الباب وهي تحمل صورة أكف لزائرين جاؤوا قبلهم وحنّوا المكان، ثم يدخلون سوية في تزاحم قد لا يعجب خادم هذا المكان لأن الجميع جاؤوا وليس معهم سوى كيس من البرتقال.

انزويت  لأجلس على رابية صغيرة من التراب مقتنعاً أني شاركت أولئك الطيبين مراسيم زيارة نبي حي الدارين، وعشت لحظة شوق لقراءة القصائد الأولى لكافافيس في هذا الكتاب وقد أغراني في المكان تلك المديات المفتوحة، وحسبت أنها  مناسبة لطقس قراءة هذا الشاعر حيث تبتهج الزرقة الباردة مع خضرة بعيدة لحقول قمح تحاول أن تعكس لنا المياه البعيدة للأهوار، وكم تمنيت أن أبدأ قراءتي بصوت عالٍ في لهفة لأضع هاجساً إغريقياً في مكان ربما مرّ عليه في يوم ما جنود الإسكندر القادمين من تلك الأمكنة التي تحتفي بها القصائد، ولكني خشيت أن يختلط صوتي بأصوات الأدعية التي يطلقها الزائرون وقد خرج الآن أغلبهم من الغرفة الصغيرة وصاروا يدورون حول المكان بطواف وأكف مرفوعة ومناجاة وطلبات أغلبها يأتي من نساء يتمنين عودة أبنائهن الجنود سالمين من حروب الشمال بين الدولة وجنود الملّا مصطفى البرزاني الذين يسمونـــــــهم البيشمركة.

بدأ طوافهم يشتد مثل طقس صوفي في حلقة دراويش فأتت منهم نسائم تراب تحمل عطر البرتقال الذي أكلوه قبل لحظات، لهذا أنا أشعر بسعادة مضافة أن قراءتي الأولى للشاعر اليوناني يصاحبها دعاء وعطر برتقال وأظن أن الشاعر نفسه حين افترضته أنا ذات مرة يشعر بسعادة طافحة وهو يكتب قصائده بقلم الباركر، افترضته الآن مع سعادة القلم يعيش سعادة أن أحدهم وعلى حافة طريق مشى عليه جنود إغريقيون ذات يوم يقرأ قصائده وفي نفس الوقت تملأ رئتيه رائحة البرتقال.

اكتشاف موهبة

أنا أيضا أحب الكتابة بالقلم الباركر، ولم يزل يرافق كتاباتي إلى اليوم، وظلّ معي وفياً في تجسيد ما كنت أتمنى وأعيش هاجسه. هذا القلم أهداه إلي معلم اللغة العربية وأنا في الخامس الابتدائي، يوم اكتشف موهبتي في كتابة الإنشاء عندما تجرأت لأكتب عن حلمي في أن تكون شهرزاد هي أمي حتى تقصّ عليّ حكاية كل ليلة. على الرغم من أن الإنشاء الذي أراده منا المعلم كان كتابة موضوع بعنوان (البقرة سوداء لكن حليبها أبيض).

لم يطلب مني المعلم تفسيراً لكتابتي في غير موضوعه وقال لي: يا ابن عبد مهلهل أنت تكتب بموهبة وذاكرة قد يمتلكها طلبة الإعدادية، وأظن أن موهبتك في سرد الحكايات ستتطور، وحتى تتطور سأهديك قلمي الباركر ليشجعك على كتابة أحلامك الجديدة التي تحتاج إلى من يدوّنها على الورق وسيساعدك هذا القلم الذي أعتز به لتحقيقها.

لهذا قلم الباركر والدفتر الذي أدون فيه يومياتي معي أينما أكون لشعوري أن لحظة الكتابة لا تحمل مواقيتاً وأمكنة، إنها تجيء متى أرادت أن تجيء، والآن أتت تلك اللحظة بعد أن شعرت أن الركاب سيطول دورانهم حول الضريح وقد درت معهم عدّة دورات وأتيت إلى هذه الرابية أتأمل فطرة طقوسهم وملامحهم التي تشد الرّاية الخضراء المرفرفة فوق القبة إلى صدورهم.

اقترب السائق مني قائلا: أستاذ لماذا لا تفعل مثلهم، فقد يمنحك النبي ما تتمناه وتحلم به.

ــ لقد درت  معهم وزرت، وتمنيت ما تمنيت أن يتحقق لي. وربما قراءة كتاب أو مقال قرب ضريح قد يكون طقساً روحيا مثمراً.

قال السائق وهو يتأمل من بعيد الكتاب الذي بيدي: لابد أنك تقرأ في مفاتيح الجنان؟.

ــ كلا أقرأ لشاعر يوناني.

ضحك مازحاً بمرحه المعتاد وقال: اليونان لا تصنع السيارات، كنت أتمنى أن تقرأ لشاعر سويدي، لأن السويد صنعت لنا سيارات الفولفو.اكتشفت من حديثي مع الرجل أن لدينا سائقاً مثقفاً، ولكنه لن يعرف أن هناك في عالم الأدب شاعراً اسمه كافافيس، والدليل أنه حسب الكتاب الذي بين يدي هو كتاب للأدعية.قال لي: شاعرك هذا لا أعرفه، أنا أعرف فقط معروف الرصافي والزهاوي لأني قرأتهما في الثالث المتوسط ثم تطوعت ضابط صف في صنف التموين والنقل وجُرحت في منطقة سبيلك الجبلية في حرب برزان، وخرجت لأسباب صحية، الراتب التقاعدي قليل لهذا عدت إلى السياقة لأعيل عائلتي وعائلة أخي الذي استشهد في ذات الحرب. ثم تركني ليمازح ركابه الذين يعرفهم ويعرفونه جيداً، ولكنهم ظلّوا يدورون ولا يستمعون حتى لمزاحه.ناديت عليه وقلت: دعهم فقط غابوا بلذة لم يعرفوها من قبل .

ــ نعم لقد تغيروا كثيراً هذه المرة في طقوس زياراتهم. فحتى تعرف مزاج المعيدي في السفر، أسمعه أغنية حنين للقصب ومياه الأهوار وطيورها، ولكن أبصارهم الآن تلتصق مثل المغناطيس براية النبي فوق القبة.

يبدو لي أن لديهم الرغبة ليقضوا الليل كله في الدوران حول المقام.

ــ  نعم إنهم يعشقون الأماني في وجودهم في المــــراقد، لكن الكــثيرين منهم يتمنى أن يكون قبره في الماء.

ــ أنت لم تسافر معهم مثلي في الطرقات البرية، هناك مقبرتان نمرّ عليهما في الطريق، وهما مخصصتان للأطفال الذين يموتون بأشهرهم الأولى، فتدفنهم العشائر قريباً من مضاربها، هم لا ينتبهون للمكان.انتبهت إلى هذه الملاحظة وأتذكر أن أكثر من طفل رضيع توفي في قريتنا، ولكني أجهل أين دفنوه.. وأظن أني لو سألتهم فسوف لن يجيبوا.قال السائق: حاول أن تسألهم رحمة لوالديك.

ــ ولماذا ؟

 

 

عدد المشـاهدات 21   تاريخ الإضافـة 05/12/2018   رقم المحتوى 24267
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الخميس 2018/12/13   توقيـت بغداد
تابعنا على