00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  مقام النبي الخضر بحي الدارين في الأهوار

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

أمكنة للروح الغائبة في أنحاء الوطن العربي كله (1)

مقام النبي الخضر بحي الدارين في الأهوار

نعيم عبد مهلهل

تبعد مدرستنا حوالي ثلاثة أميال عن مدينة الجبايش، وتعد من أكبر مدن الأهوار في جنوب ميزوبوتاميا. وهي عبارة عن برٍّ كبير تحيط به المياه من كل جانب ولا يربطه مع مدينة الناصرية من جهة الشمال سوى طريق قديم التزفيت بعرض ستة أمتار، ولا يوجد حوله  في أغلب مسافته سوى الماء والقصب. يمتد هذا الطريق بذات المسار ولكن بعرض أقلّ صوب مدينة القرنة التي يلتقي عندها نهري دجلة والفرات.

تتناثر قرى القصب العائمة على الماء حول المدينة وأغلب سكان هذه القرى هم العرب ــ المعدان الذين يعيشون على تربية الجواميس وصيد الطيور والسمك وتوريد منتجاتهم التي يصنعونها من حليب الجواميس الدّسم إلى مدينة الجبايش ثم إلى المدن الأخرى وهو القيمر واللبن الرائب والقصب الذي يتم تحويله بواسطة عمال مهرة إلى أثات منزلية بسيطة وأغلبها ما يُفرش على الأرض ويسمى بارية.

لا أستطيع الوصول إلى المدرسة إلا من خلال زورق يسمونه (المشحوف) الذي يسير من خلال الدفع بواسطة عصاً غليظة يغرزها صاحب المشحوف بالماء والطين ويتم اندفاع المشحوف عبر طريقة الفعل وردّ الفعل ويستغرق السير حوالي ساعة لأصل إلى المدرسة التي تمّ تعيني فيها منذ عشرين عاماً ورفضت مغادرتها إلى مدارس المدن، حيث بمقدوري بفضل سياسة الاختلاط في التعليم أن أجد لي معلمة جميلة تشاركني بهاء وهدوء بقية العمر، لكني وبسبب هاجس غريب يسكن ذاتي فضلت الاقتران بالمكان وحسبته عشقاً روحياً لذيذاً يبعدني كثيراً عن أمراض الحضارة  وعقدها، وعندما تتملكني شهية الذكورة الطافحة لجسد الأنثى، فإنه علي أن أصبر حتى العطلة الصيفية، وأسافر سياحة إلى مدن رخيصة، هناك حيث تستطيع أن تصادق امرأة جميلة على ساحل مدينة فارنا البلغارية أو في شوارع وارشو أو براغ، فعادة ما تكون الحياة في تلك المدن رخيصة مقارنة بمدن الغرب الأوربي.

تقع قريتنا المبنيّة من القصب في جزيرة مائية، لا تتعدى مساحة البر فيها خمسمئة متر مربع، وتسمى قرية آل ما هود منسوبة إلى جدّهم الأكبر الذي بناها في هذا المكان بعد أن هرب هو وجواميسه ونساؤه الثلاث من دعوة الترك لأبناء المنطقة ليكونوا جنوداً لصدّ المدرعات الإنكليزية المسلّحة القادمة من البصرة لفتح جبهة جديدة من أجل تطويق مدينة الناصرية والعمارة وطرد العثمانيين منها. كان بيتاً واحداً، لكن هذه العائلة الكبيرة تناسلت كما آدم وحواء في أول نزولهما وأصبحت الآن أكثر من أربعين بيتاً تتزاحم في هذا البر الضّيق الذي يعوم في الماء مثلما تعوم نجوم الثّريا في السماء أثناء الليلة المقمرة.

غرفة صغيرة

ولا تتعدى مساحة كل بيت عشرين متراً وهو عبارة عن غرفة صغيرة تأوي إليها العائلة مهما كان عدد أفرادها وإلى جانبها غرفة أخرى عبارة عن زريبة يأوي إليها الجاموس بعد قيلولة نهار كامل في المياه الخضراء الراكدة  ليُخضع ضرعيه الكبيرين المتهدلين والممتلئين بالحليب لأنامل النساء اللائي يسحبن حلمة الضرع برقة لتدرّ حليباً في الإناء الكبير، ويذهبن به إلى غرفة المعيشة ليستخرجن منه القيمر واللبن الرائب الذي تبدأ عملية تحضيره أول الليل ليكون مكتملاً في أول الفجر حيث تنتظره الزوارق لتنقله هو والنساء إلى مدينة الجبايش أو المدن القريبة منها.

في تلك المستعمرة المائية كانت الحياة البدائية أجمل ما يمتلكه المكان وساكنيه، ومنهم معلمي المدرسة الخمسة. وكانت المراحل الدراسية  فيها تصل إلى مرحلة الخامس الابتدائي ومن أراد إكمال السادس، وهذا ما يحصل نادراً، عليه الذهاب إلى مدينة الجبايش وإكمال الدراسة في واحدة من مدرستيها الابتدائية، الخزرجية أو الأسديّة، وعليه أن يقطع الطريق يومياً ذهاباً وإيابا بواسطة المشحوف في أجرة شهرية تكلفه درهماً واحداً. ومن يمتلك أقارب له في المدينة يستطيع النوم عندهم، وحتى يرضي مستضيفيه من الأقارب فهو يجلب لهم القيمر واللبن الرائب عند كل يوم سبت بعد العودة من إجازة الجمعة.

هذا المكان هو الوحيد الذي يستطيع أن يمنحك الطاقة الروحيّة والحسيّة ليجعل من التأمل مادة مثيرة لأدامة كل الذي نتمنى أن نصل إليه في نشوة مبتغاة لنا، نحن الذين فضلنا هذه الطبيعة قريناً لكل غرائزنا الروحية والجسدية، فيما لا يمتلك المعلمون المتزوجون في مدرستنا، وهم اثنان، مثل ذلك الهاجس بالرغم من أن أحدهما قارئ جيد ويكتب القصة.

وتواصلنا مع ما نعتقده جمالاً مختلفاً نسعى إلى إظهاره واكتشافه قد لا يتم إلا عبر القراءة والسماع والكتابة وهذا يحتاج منا إلى العوم في أخيلة التّصور والمناشدة كما يفعلها أصحاب الطرائق والمتصوفون وخصوصاً أيام الخريف والشتاء حيث تقاسمك ذات المشاعر تلك المشاهد الطائرة في سماء ذلك التأمل عندما تأوي إلى المكان طيور متعددة الأنواع قادمة من سيبيريا ومدن البلطيق وكندا والصين. وكنا عندما نشتهي لحم أحد هذه الطيور ننصب له فخاخاً تعلمنا طريقة نصبها من أهالي القرية ويطلقون عليها (الجوزة). ومرات نجد في أقدام هذه الطيور قطعاً معدنية تحتوي على عناوين معاهد أوربية وأسيوية تعتني بهجرات الطيور ودائما يكون مع هذه العناوين رسالة صغيرة مطويّة على قدم الطائر ومكتوبة باللغة الإنكليزية ترجو من يصيد هذا الطائر أن يكتب على هذا العنوان أنه اصطاد الطائر في المكان الفلاني ويكتب أقرب دلالة جغرافية معروفة كاسم البلد والمدينة وموقعها من جغرافية ذلك البلد، وكثيراً ما كتبنا الرسائل إلى تلك المعاهد والأكاديميات في مونتريال واستكهولم وشنغهاي وبطرسبورغ، أننا وجدنا طائر الكراكي هذا في قرية آل وهب التي تقع قريباً من مدينة الجبايش في الجنوب العراقي، ونحن نشعر بالسعادة أن قريتنا أصبحت معروفة لدى المعاهد وربما يفكر أحدها بدعوتنا لزيارة بلدانهم، ولكن لم يصلنا ردّ أو شكر لأي رسالة من رسائلنا تلك، وبالرغم من هذا حسبنا الأمر هواية وواجباً إنسانياً أن نرسل رسالة كلما وجدنا قرصاً معدنياً معلقاً في قدم طائر.

انشغلت مع حياتي التي أحببتها هنا، وحملت من المكان عادات وطقوس روحيّة ممتعة، وبالرغم من صعوبة الحياة فيها، لكنك ستألفها سريعاً عندما ترى بساطة الحياة وتأقلم المعدان معها، والفرق بينك وبينهم أنهم يسيرون ويدخلون المياه ويرعون جواميسهم ويصيدون الطير والسمك وهم حفاة وأنت ترتدي حذاء الفان هاوزن الألماني الذي اشتريته من السوق الحرّة في اسطنبول في واحدة من رحلاتك الصيفية المتكررة.

وأيضا كان للكتب وجهاز المذياع بعض السلوى في التخلص من قسوة الطبيعة في بعض أيامها عندما تكون الرياح شرجية ويكثر على رقبتك لسع شجرة الحرمس، وهي حشرة لا تُرى بالعين المجردة، وفي الشتاء عليك أن تحصّن سقف غرفة القصب بقماش النايلون فالمطر سوف لن يرحم أثاثك القليل وسيتلف الكتب والمذياع وربما يمتلأ حذاء الفان هاوزن بالماء وتعود تمشي وتدرِّس تلاميذك حافياً كما المعدان. وقتها سوف يضحكون  ويتهامسون فيما بينهم: المعلم صار يمشي مثلنا.

أكبر خوفي من المطر على كتبي، وكنت متى شعرت أن السماء تلبدت بالغيوم وأن الجواميس عادت مبكرة من قيلولتها، أحفظها في مكان أمين. ومن بين هذه الكتب كتاب ملكني شغف كبير لاقتنائه ولم أكمل قراءته بعد، وهو بعنوان (كافافي ــ 100 قصيدة) بترجمة الشاعر سعدي يوسف، وكنت وقت وصول الكتاب إلى مكتبات الناصرية غير راغب في النزول إلى المدينة، ليس بسبب المطر والأوحال التي ربما ستعطل سير الطريق بين الجبايش والناصرية، بل بسبب خوفي من نفاد نسخ الكتاب. غامرت وذهبت الى المدينة لأجد صاحب المكتبة قد حسب حسابي واحتفظ بنسخة لي.

قصائد مترجمة

بدأت علاقة كافافيس مع الأهوار منذ اللحظة التي اشتريت فيها قصائده المترجمة، ولم يتسنى لي قراءتها في بيتنا لأن والدتي بقيت الليل كله حتى لحظة النعاس، وهي تتحدث عن ضرورة انتقالي إلى المدينة والاقتران بواحدة تختارها هي أو أختارها أنا، وكنت أضحك وأردّ عليها بعبارة: الله كريم .

قالت لي: عمرك يكاد يصل الخامسة والثلاثين ولا أسمع منك سوى عبارة الله كريم.

 أنا أعرف جيداً أن الله كريم ولكن عندما تحسمها أنت وتتزوج في الغرفة التي فوق السطح، إنها كبيرة جداً، ومتى أصبح لديك أطفالاً سنبني واحدة بجانبها و سنبني ثالثة عندما يكبر أحفادي.

لهذا لم أستطع البدء بقراءة الكتاب، ولكن تلك القراءة والعلاقة ابتدأت لحظة انطلاق حافلة الفولفو الخشبية التي اعتادت منذ سنوات بعيدة نقل الركاب بين الجبايش والناصرية، وكما يذكر سائقها أن والده اشتراها في نهاية عشرينيات القرن الماضي، عندما أرسلت شركة الفولفو السويدية أول شحناتها إلى العراق وكانت تُرسل على شكل ماكينة ضخمة وتُصنع لها أبداناً خشبية ومقاعد وأبواب في المدينة الصناعية، مدينة النجف.

تبدأ السيارة في الصباح بالسير البطيء متوجهة إلى مدن الأهوار في سفرة قد تستغرق أربع ساعات بالرغم من أن مسافة الطريق هي تسعة وثمانين كيلو متراً، لكنّ السائق يتوقف طوال هذه المسافة عدة مرات لتبريد السيارة وقد يتجاوز هذا التوقف الربع ساعة.

يصعد كافافيس معي إلى السيارة، وجهه المطبوع على الغلاف يبتسم وهو يراني أضع في الجيب الأمامي لقميصي قلم باركر. وسأعرف لاحقاً قصته مع القلم وسبب ابتسامته، أعيد لوجه الرجل الذي أتخيل أن الصورة الفوتوغرافية للغلاف مرسومة بالحبر وبذات القلم الذي سكنتني عاطفته وافترضت وأنا أقرا الكتاب لأول مرة أن الشاعر كتب الكثير من قصائده بقلم الباركر الذي اشتراه من إحدى مكتبات الإسكندرية.

هو الآن في الحقيبة، وربما بسبب أني لم أغلق الحقيبة اليدوية بشكل كامل أُحسُّ أنه يمدّ أجفانه إلى الخارج ويسترق سمعاً لا يفهم كلامه لأن رجال معدان يتحدثون عن همومهم مع المطر وارتفاع أجور النقل في المشاحيف والحافلات التي تنقلهم من قراهم إلى المدن، وعلل السائق ذلك بــــــأن الطين الذي يلتصق بعجلات سيارته وبدنها الخارجي يحتاج إلى نهر من الماء ليزيحه، لهذا هــــــو يرفع الأجرة وبإمكانهم هم رفع قيمة القيمر.قال أحد الرجال: نحن لم نتعود رفع السعر، لان قيمرنا للفقراء أولاً.قال السائق للرجل مازحاً: افهم السوق، وكن رأسمالياً

ولا تكن شيوعياً.

استغرب الرجل من كلام السائق وسألني قائلا: شيسربت هذا المسطول؟ والمفردتان (يسربت ومسطول) تعنيان أنه يتكلم كما الثمل والأهبل والذي يعاني من صداع في رأسه.

ضحكت وقلت: هذا كلام مثقفين.

ردّ الرجل مستنكراً: وهل عرفت معنى كلامه حتى أعرف معنى كلامك.

قلت: أن ترفع السعر كلما شعرت أن الأمر لم يعد ملائماً لتدبير حياتك.

 

 

عدد المشـاهدات 22   تاريخ الإضافـة 04/12/2018   رقم المحتوى 24208
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الخميس 2018/12/13   توقيـت بغداد
تابعنا على