00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  في حديقة الهايد بارك

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

في حديقة الهايد بارك

أماني سعد ياسين

كان الهواء البارد يلسع وجهها الجميل إلّا انها لم تمانع فقد كانت تسير واثقةً مطمئنةً. هو اليوم الأخير الذي تمضيه هنا في هذا البلد الجميل. جلست أحلام إلى جانب بحيرة كبيرة جميلة تستمتع بصوت الماء العذب والمريح للأعصاب. نامت في الليل الفائت مرهقةً بعد أيامٍ طويلة أمضتها في قاعة المؤتمرات في وسط مدينة لندن حيث كانت تحضر مؤتمراً طبياً للامراض الباطنية. كانت مصمّمةً على أن تسير قليلاً قبل ذهابها إلى المطار حيث تقلع طائرتها إلى بيروت في تمام الساعة الثامنة والنصف مساءً. لم تكن تريد أن تمضي هذه الساعات القليلة في الاوتيل تنتظر كما فعل الكثير من رفاقها الأطباء.

ولم تفقد عزيمتها عندما رأت أنّ الطقس قد تغير وبأنّ السماء توشك أن تمطر فالطقس كما تعلّمت من سفراتها الماضية إلى لندن متقلبٌ جداً في مدينة الضباب. كانت تتخيّل وهي طفلة صغيرة أنّ لندن مدينة يملؤها الضباب بالكامل كما يغطي الضباب قريتها الجبلية الوادعة في الجبل اللبناني في مواقيت محدّدة في آخر النهار فلا يعود يُرى أيّ شيء من مسافات قريبة حتى أنّها كانت وهي صغيرة تلعب لعبة " الإخفاء " وفيها كانت تعمل على إخفاء يدها في الضباب ومن ثمّ العمل على تقريبها شيئاً فشيئاً محاولة ً معرفة متى يمكنها أن ترى أصابعها ثانيةً من شدّة الضباب. كان أهل القرية يسمّون الضباب بتعبير " الغْطَيطة" ولعلّه نسبةً إلى التغطية كما كان لهم تعبيرات أخرى محليّة جميلة جداً لكل شيء من حولهم ما زالت تذكر بعضها الآن وإن كانت قد نسيت الكثير منها. فوجئت في لندن أنّها مدينة جميلة جداً وأنّ الطقس فيها جميل يميل إلى البرودة كما في كلّ الدول الأوروبية وما فاجأها حقّاً أنّ الشمس تشرق فيها وأنّها ليست مدينةً مظلمةً ضبابيةً كما كانت تتخيّلها دائماً وإن كان الغيمُ صفةً ملازمةً للمدينة حسبما رأت حيث كان الغيم يغطي أجزاء من سماء المدينة في أكثر الأوقات حتى في فصل الصيف.

بالرغم من الطقس البارد، خرجت أحلام منذ الصباح الباكر تقصد حديقة الهايد بارك الشهيرة وكانت قد قرأت الكثير عن هذه الحديقة الأشهر في العالم في نصوص مادة اللغة الإنكليزية وهي طفلة صغيرة في الصف الثالث أو الرابع الابتدائي . لم تمشِ الا دقائق معدودات حتى وصلت إلى بوابة الحديقة الكبيرة. فقد كان الاوتيل خاصتها في وسط المدينة في منطقة ماريلبورن الشهيرة كما طلبت بنفسها من موظف الحجوزات في بيروت على أمل أن تزور هذه الحديقة الجميلة إن تسنّى لها الوقت لذلك.

دخلت من الباب الواسع للحديقة الكبيرة حيث كان في استقبالها عند دخولها مجموعة ً من الكلاب تتعارك و تركض هنا وهناك والناس واقفةً تتفرّج . حثّت الخطى لكي تبتعد عن الكلاب قدر الإمكان ولم تنتظر لترى ما الذي يحصل وإن كان بادياً أنّ الشرر يتطاير في المكان . توجهّت إلى داخل الحديقة وهي تحثُّ الخطى لتلحق ببعض الزوار في خطاها وهي تستمتع بالمناظر الخلابة من حولها حتى وصلت إلى بحيرة واسعة جميلة جداً كان عدد من الزوّار قد اجتمع حولها. وقفت مع زوّار الحديقة تستمتع بالمشهد أمامها، زوّار من كل العالم قصدوا حديقة الهايد بارك الشهيرة، ولغات ولهجات مختلفة تتردّد في أذنيها كلما مرّ أحدهم من أمامها ؛ هذا يلتقط الصور، وتلك تطعم البطّ العائم على سطح البحيرة الكبيرة وهي تضحك بصوتٍ عالٍ وتتلعثم في كلامها ولهجتها الغريبة وهي تتحدّث مع صديقتها وتبدو بحسب شكلها من دول آسيا القصوى. التقطت أحلام بعض الصور للبحيرة الجميلة وللبط العائم فيها وابتعدت عن المكان تريد الجلوس في مكان منفرد بعيداً عن الضوضاء. جلست على العشب الأخضر الطري إلى جانب شجرة حورٍ باسقة وهي تستمتع بالهدوء قليلاً قبل الرجوع إلى الاوتيل والتحضير لسفرها. شعرت بالجوع ، تذكّرت أنّ معها كيس مكسّرات في حقيبة يدها. أخرجت الكيس وبدأت تقضم حبات الفستق ببطء وقد وضعت الكيس البلاستيكي الملوّن أمامها على الأرض وهي تكتب خاطرةً عن زيارتها إلى لندن مدينة الضباب. كانت شاردةً مسترسلةً في كتابة خواطرها حينما سمعت صوتاً غريباً بالقرب منها. نظرت إلى حيث الصوت فوجدت سنجاباً صغيراً بالقرب منها يأكل الفستق من الكيس أمامها وهو يتمسّك به تارةً ويزحزحه من مكانه تارةً أخرى. تعجّبت فهي كانت ترى السناجب هنا وهناك وهي تفرُّ من الناس الذين يزورون الحديقة ويرغبون بتصوير السناجب. الا أن ذلك قد يكون مستحيلا ،ً فالسناجب بشكلٍ خاص هي حيوانات لطيفة إلّا أنها جبانة تهرب من الناس وتختبىء في الأماكن العالية من الأشجار ولا تسمح لأحد بتصويرها كما البط والوز في تلك الحديقة الكبيرة. جمدت في مكانها وهي تنظر إليه وهو يمدّ يده في الكيس البلاستيكي فيما يده الأخرى تمسك بالكيس جيداً وهو يتناول الفستق بلذّة وحب. تأملته قليلاً، لم يكن خائفاً ولا مرتعباً بل لعلّ الشعور بالخوف قد غلب عليه الشعور بالجوع والتلذّذ بطعم الفستق اللذيذ ومن المعروف أنّ السناجب تحبّ الجوز وتستلذ بفتحها وتناولها حيث تعيش على الشجرة. والآن وقد رأت الطبيبة بنفسها كم تحب السناجب الفستق تمنّت لو أنّها أطعمت بعضها الفستق من قبل فيما كانت تحاول جاهدةً لكي تلتقط بعض الصور لها من دون أيّة نتيجة. تنبّهت إلى أنّ الهاتف ما زال في يدها فأخذت بعض الصور للسنجاب عن قرب، وهي ما كانت لتحلم بذلك أبداً. بقيت جالسةً في صمت وهي تستمتع برؤية السنجاب بالقرب منها يأكل الفستق بتلذّذٍ عجيب حتّى أجهز على كيس الفستق الكبير بالكامل. وحين انتهى من تناول الفستق بدأ بالابتعاد بسرعة كما أتى بسرعة ، وصعد بسرعة قصوى الى أعلى الشجرة القريبة منها متوارياً عن الأنظار.

جلست هناك للحظات تتأمّل وتتفكّر في مخلوقات الله وإعجازه في خلقه فيما الصمت يلفُّ المكان. مرّ الوقت بسرعة وهي ما زالت في تلك الحديقة المترامية الأطراف ؛ تذكّرت على مضض أنّها يجب أن تذهب وتقوم بتحضير شنطة السفر لسفرها مساءً. انسلخت من مكانها حيث هي في الحديقة الجميلة انسلاخاً وهي تتمنّى لو أنّ بإمكانها الجلوس هناك في هذه الطبيعة الخضراء الخلّابة إلى الأبد

عدد المشـاهدات 33   تاريخ الإضافـة 23/10/2018   رقم المحتوى 23282
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأربعاء 2018/11/21   توقيـت بغداد
تابعنا على