00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  الملك فيصل الأول .. من ميناء جدّة إلى عرش بغداد        

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

الملك فيصل الأول .. من ميناء جدّة إلى عرش بغداد        

عـلاء لازم العيـسى

أول ملك للعراق الحديث حكم من 23 / 8 / 1921 لغاية 7 / 9 / 1933  ودام حكمه ( 12 ) سنة و ( 17 ) يوماً .

ولد الأمير فيصل بن الشريف حسين باشا بن علي باشا الحسني الهاشمي ، وأمّه العلويّة عابدية بنت الشريف عبدالله كامل باشا بن محمّد الحسني الهاشمي ، في الطائف سنة ( 1883 ) ، وقيل ( 1885 )  ، أرسله والده وهو صغير إلى قرية    ( رحاب ) الحجازية لينشأ نشأة بدوية ، وليشب على ما امتاز به البدوي من سجايا البأس وحب الاستقلال والاعتماد على النفس ، فعاش عند عشائر العبادلة وعتيبة سبع سنوات ، وحينما دُعي والده إلى الأستانة للإقامة بها ، سافر فيصل مع عائلته ، وعاش فيها ست عشرة سنة وهناك تزوج ابنة عمّه ( حزيمة ) بنت الشريف ناصر والتي أنجبت له ثلاث بنات  : عزة ، وراجحة  ، ورفيعة  ، وولده الوحيد الأمير غازي الذي ولد بمكة سنة 1912 . درس الأمير فيصل في الأستانة علوم العربية والدين والأدب ، وأتقن اللغة التركية على أساتذة خصوصيين ، كما أن وجوده بجانب والده مكنه من التعرف والاتصال بكثير من الشخصيات العربية ورجال الحكومة الذين كانوا يترددون على قصر أبيه ، ممّا أكسبه فوائد سياسية واجتماعية جمّة .  في سنة 1909 أصبح والده شريفاً لمكّة ، فعاد فيصل إلى الحجاز وخاض (15) معركة لإخضاع المتمردين على والده في منطقة عسير وغيرها، وفي السنة نفسها انتخب عضواً في مجلس المبعوثان عن مدينة جدة ، وفي آذار سنة 1915 زار دمشق وانتمى إلى جمعية ( العربية الفتاة) ، وحمل معه ميثاقاً من زعماء القومية العربية إلى والده في مكّة وإن الأوضاع الداخلية في سوريا أوضاع ملائمة للثورة ، وبعد إعلان الشريف حسين ثورته في (التاسع من شعبان 1334هـ الموافق 10 حزيران 1916م ) ، قسّم قواته إلى أربعة جيوش  وقد تولى فيصل قيادة جيش الشمال الذي دخل دمشق مع القوات البريطانية في الأول من تشرين الأول (1918) بعد دحر القوات التركية  .  ولم تمض أسابيع حتى عقدت الهدنة ، وسافر فيصل في تشرين الثاني 1918  إلى باريس لتمثيل والده ملك الحجاز في مؤتمر فرساي المعروف بـ ( ؤتمر السلام ) ، وفي آذار 1920 نودي بالأمير فيصل ملكاً على سورية ، ولم يقدّر لمملكته البقاء سوى أشهر قليلة ، إذ وقعت معركة ميسلون في ( 25 ) تموز من السنة نفسها وخرج فيصل موليّاً وجهه شطر أوروبا ، وفي آذار 1921 حضر مؤتمر القاهرة الذي انعقد برئاسة ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطانية ، وبحضور المندوب السامي برسي كوكس والمس بيل ، لأجل تسوية شـــؤون الشرق الأوسط ، وقد تقرّر ترشيح فيصل لعرش العراق .

معالجة الامور

وممّا يجدر ذكره في هذا الصدد أن ويلسون كان أول مسؤول بريطاني يفكّر بلياقة فيصل لعرش العراق ، ففي   31 / 7 / 1920 ، أي على إثر خروج فيصل من سوريا مطروداً ، أبرق ويلسون إلى لندن يقترح عليها عرض إمارة العراق على فيصل ، وينوّه بمواهبه ، ويشير ضمناً إلى أن خيبة فيصل في سوريا ستكون ذات أثر في نفسه ، يجعله أكثر إدراكاً للواقع ، وأكثر تعقلاً في معالجة الأمور  . غادر الأمير فيصل ميناء جدة على ظهر الباخرة البريطانية نورث بروك ، مع مستشاره الخاص ( كورنواليس ) وطائفة صغيرة من المؤيدين  في 12 / 6 / 1921 ، ووصل إلى ميناء البصرة في الساعة الخامسة والنصف من عصر يوم   ( 23 ) حزيران ، وقد نزل في دار متصرف البصرة أحمد باشا الصانع ، وتوزعت حاشيته في دور بعض وجهاء البصرة ، وكان من ضمن المستقبلين ناجي السويدي ، وجون فيلبي  ، ومحمد زكي البصري المحامي  ، وأحمد حمدي ملا حسين  . وفي صباح اليوم التالي أقيمت حفلة في دار المتصرف ، حضرها أعيان البصرة والوفود وألقيت الخطب الترحيبية والقصائد ، ثمّ ارتجل الأمير فيصل في الختام كلمة طويلة  وهي أول خطاب يلقيه في العراق ، ننقل منها النبذة الآتية :   (( ... وإنّي لأصرّح لكم بالنبي وآله ليس لي أيّ طمع شخصي وإنّما أعمل طمعاً في خدمة هذه البلاد ابتغاء لوجه الله تعالى  وإني لأرغب أن أرى في المقامات العالية غيري من تجمع عليه الأمة ، وإني أقسم بشرفي وتربة أجدادي وبقبر جدّنا الرسول ( ص ) إنني أول من يبايع الرجل الذي تتفق عليه الأمة جمعاء ، فإذا أردتم أن تولوا عليكم شخصاً أنصحكم بأن تُخلصوا في القول وإذا قال أحدكم كلمة لا يحيد عمّا قال )) ، وفي مساء اليوم الثاني من وصوله غادر البصرة في القطار متوجهاً إلى الحلة ، وكان استقباله في المحطات بين البصرة والحلة فاتراً جداً ، وكذلك في كربلاء والنجف .  أصيب فيصل بخيبة أمل ممضة ـــ كما أنبأ بذلك كورنوواليس ـــ جراء الاستقبال البارد الذي استقبل به لدى وصوله إلى العراق ، فقد قال بأنه كان يتوقع وجود إحساس حقيقي بالاستقلال وبالوحدة بين أهالي العراق ، وأنهم كانوا يريدونه حقاً ، غير أنه لم ير سوى دليل ضئيل على ذلك .  ولعلّ من أهم أسباب هذا الفتور والاستقبال البارد في البصرة هو عدم حضور الشيخ خزعل الكعبي أمير المحمرة مراسيم الاستقبال ، وامتناع أتباعه عن الحضور تبعاً لامتناعه تملّقاً أو خوفاً . أما في بغداد فقد قوبل الأمير بحماس بالغ حيث هتفت له الجماهير في الشوارع التي مرّ بها ، وهو يحييها بيده مبتسماً ، حتى وصل إلى الدار التي أعدّت له في داخل القشلة ، وهي الدار التي كانت مقراً للوالي في العهد العثماني ، وتقع على شاطئ دجلة ، وفي الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي لوصوله تحرك متوجهاً إلى الكاظمية ، وقد جرى له في الكاظمية استقبال عظيم ، ونحرت تحت قدميه الذبائح ، وبعد أن أدّى زيارة المرقد المقدس خرج لزيارة السيد محمّد الصدر  في داره ، ثمّ ذهب بعدئذ لزيارة الحاج عبدالحسين الجلبي ، وقد ألقيت بين يديه القصائد في كلتا الدارين ، وكان وصول الأمير فيصل إلى بغداد يوم ( 29 ) حزيران ، وفي ( 5 ) تموز أجري الاستفتاء الشعبي العام لاختياره ملكاً على العراق ، وفي  ( 11) تموز نودي به ملكاً ، أمّا تتويجه فكان في الساعة السادسة من صباح يوم الأحد 23 / 8 / 1921 ، وقد اختار فيصل بنفسه هذا اليوم لأنه يوافق يوم (18) ذي الحجّة حسب التقويم الهجري ، وهو اليوم الذي يعده الشيعة عيداً لهم يسمّونه عيد الغدير ، ويعتقدون أن النبي ( ص ) نصّب فيه عليّاً للولاية من بعده ، وقد أراد فيصل باختياره هذا اليوم تذكير الشيعة بأنه من سلالة الإمام عليّ وإن تتويجه يجري في نفس اليوم الذي نصّب فيه جدّه للولاية.

سيرة سياسية

انّ المتتبع للسيرة السياسية للملك فيصل بعد تتويجه يخرج بنتيجة مهمّة ، وهي أنه وإن كان مديناً للانكليز بعرشه (( فإنه لم يكن أداة لهم بصورة تامة، أو بتعبير آخر أنه كان أداة لهم فقط إلى الحد الذي كان يناسب أهدافه ، أو عندما لم يكـــــــــن يجد أمامه خياراً آخر )) ، وإنه كان يريد تكوين دولة عربية ، وذلك برفض الانتداب أو أيّة معاهدة ترتبط به ، يقول الطبيب الخاص لملك فيصل : ((لقد كان الملك فيصل يتحدث على الدوام عن أمله في إنجاز الوحدة العربية ، وذلك إمّا عن طريق إنشاء مملكة موسّعة ، أو عن طريق إقامة إتحاد للدول العربية ، وكان يرفض الرأي القائل : بأنّ أيّاً من هاتين السياستين لا يمكن تطبيقها ، وقد ظلّ هذا الأمــــــل يراود مخيلته حتى وفاته )) . قام الملك بعد توليه العرش بعدة تحركات سياسية داخلية وخارجية ، ولم تخلو سنوات حكمه من الاضطرابات السياسية لكنه نجح في إدارة البلاد ، والتحكم بخيوط اللعبة السياسية طوال حكمه .  وفي 29 / 10 / 1932 وجّه ملك بريطانيا جورج الخامس ، الدعوة إلى الملك فيصل لزيارة بريطانيا لمناسبة دخول العراق عصبة الأمم ، وفي 5 / 6 / 1933  غادر بغداد متوجهاً إلى عمّان ، ثمّ القاهرة ، فالإسكندرية حيث أبحر من هناك إلى بلجيكا ، ثمّ وصل لندن بتاريخ ( 20 ) حزيران ، وبعد قضاء الزيارة المقرّرة لبريطانيا رحل إلى فرنسا ومنها إلى سويسرا للراحة والاستجمام ، ولإجراء استشفائه السنوي ، لم تطل إقامة الملك طويلاً فقد اضطر للرجوع إلى العراق بسبب تمرد الآثوريين السريان ومحاولتهم تشكيل دويلة لهم في الشمال منفصلة عن العراق ، وبعد انتهاء العصيان المسلّح عاد إلى سويسرا في الأول من أيلول  1933 ، وفي السابع منه توفي في مدينة برن في ظروف غامضة ، وأعلنت الحكومة العراقية أنه قد توفي بالسكتة القلبية ، وخلفه في الحكم ابنه غازي ، وقد تمّ تتويجه ملكاً على العراق ببغداد صباح يوم 8 / 9 / 1933 .   وعن وصول جثمان الملك إلى مثواه الأخير روى شاهد عيان ، قال : (( حُملت جثة فيصل على ظهر سفينة بريطانية إلى بيروت ، ومن هناك نُقلت على متن طائرة من طائرات القوة الجوية البريطانية ، وقبل وصولها بمدة ساعة ، كانت شوارع بغداد قد اكتظت بالناس ، وكانت الأكثرية منهم تعول باكية ومن دون أن تستطيع حبس دموعها ، كما تجمعت النساء المتحجبات والملتفات بالعباءات في الشرفات وعلى سطوح المنازل ، وانطلقن في البكاء والعويل ، وحين وصلت الطائرة إلى المطار  ، وتحرّك نحوها الموظفون والجنود الذين كانوا في الانتظار ، بدأت الحشود الواقفة خلفهم تتجمع وتتكأكأ ، وأخذ صدى صراخهم وعويلهم يتردد في أنحاء المدينة في نشيج عاطفي متواصل ، رُفعت جبهة الطائرة من قبل رجال الجو ، وأخرج منها التابوت ، ثمّ حُمل بيسر على أكتاف ثمانية من كبار الضباط العراقيين ، ووضع على عربة مدفع نقلته عبر المدينة إلى المقبرة الملكية  التي تبعد زهاء سبعة أميال ، وفي الوقت الذي أخذ فيه الموكب يشقّ طريقه ببطء عبر المدينة ، مصحوباً بأصوات الجماهير المنتحبة ، انضمت الحشود المتراكمة في الشوارع إلى الموكب ، وراحت تضغط عليه ، وسرعان ما اضطرب نظام سيره ، وأضاع كثير من كبار الموظفين العراقيين والانكليز وممثلي الأجانب مواضعهم فيه  وضيّق الخناق عليهم ، فاضــــــــطروا إلى الخروج من نطاق الموكب ، وأصيب عدد منـــــــــهم برضوض ))  .

 

عدد المشـاهدات 99   تاريخ الإضافـة 05/06/2018   رقم المحتوى 20185
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الثلاثاء 2018/10/16   توقيـت بغداد
تابعنا على